الرئيسية / إضاءات / كيف اختفت القصة القصيرة؟

كيف اختفت القصة القصيرة؟



قصّاصون وروائيون مصريون ينظرون من داخل محترفهم إلى أزمة القصة القصيرة

استراحة بين روايتين

محمد شعير

القصة هي شعر الدنيا الحديث، هكذا كتب نجيب محفوظ في ثلاثينيات القرن الماضي، كان محفوظ يقصد بالقصة وقتها «السرد» أو النثر الأدبي في مقابل القصيدة. كانت صرخة محفوظ في إطار معركة أدبية ضد العقاد.. سنوات طويلة لتحدث معركة أخرى عن «الرواية» بوصفها ديوانا للعرب.. ولتختفي «القصة القصيرة» تقريبا، يهجرها الكثيرون لصالح الرواية، فقط يظل محمد المخزنجي، وسعيد الكفراوي وحدهما كتّاب قصة، لم يقتربا من «الرواية» بشكلها التقليدي، معتبرين أن الأجناس تتكامل ولا تتصارع.
عدم الاهتمام بالقصة امتد الى الناشرين، معظمهم يرفض نشرها، هي والمسرح ودواوين الشعر أحيانا.. باعتبارها فنون «لا توزع» مثل الرواية. رغم كل ذلك، يصدر بين الحين والآخر مجموعة قصصية تحظى بدعم نقدي، ودعم من الجوائز» تحديدا بعد إعلان الكويت تقديم جائزة للقصة القصيرة، فضلا عن جائزة الدولة المصرية، وجائزة ساويرس للقصة.. هذا الدعم أعاد القصة الى دائرة الضوء مرة أخرى، لم تعد مجرد «استراحة بين روايتين» أو مجرد «قبلة خاطفة بين عاشقين». سألنا عددا من الكتاب المصريين الشباب المهتمين بفن القصة إلى جانب الرواية.. لماذا تكتب القصة القصيرة؟ هنا الشهادات؟

جمال عابر
طارق إمام

رغم أنفها، تجد القصة القصيرة نفسها في ساحة حرب، لا تملك فيها سلاحاً تنتصر به. مقارنات تخرجها عن وظيفتها، عن غايتها، بينما تصوَّب السهام نحو جسدها النحيل: لماذا تهزمك الرواية؟ لماذا يفضّلها القرّاء عليكِ ويدللها الناشرون ويتلقفها السوق ويقف لها القراء بالطوابير؟ وكأن نوعاً أدبياً ما أزاحها عن عرش لم يكن يوماً لها، ذلك أن القصة القصيرة لم تخلق ليكون لها عرش. ما الذي يجب أن تفعله القصة القصيرة ولم تفعله عبر كتّابها الكبار؟ بالنسبة لي، ليست القصة نداً للرواية، وليست أيضاً وسيلة لملء الفراغ الذي تخلفه الفترة المريبة بين روايتين، كما أنها ليست تمريناً على كتابة الرواية. القصة، وفق تصوري لها كقاص، تعمل في جوهرها عمل القصيدة، إنها فعل تجريد، وهي تلويح بحكاية، وجمال عابر. «الولولة» على القصة نابعة من صلة النسب التي تصلها بالرواية، بينما قد يختلف الوضع كثيراً إن نحن بحثنا عن نسبها للشعر أو الفن التشكيلي أو الموســيقى، وهي فنون ليست ببعيدة عن الجوهر الوظيــفي للقصة كــما يظــن البعض. أحب القصة التــي تعرف المنــاطق التي لن يصل إليــها سواها، والمكتفية بنفسها، حيــث «الحكاية» نفسها واحدة من أدواتــها التشكيلية وليســت هدفاً نهائياً، ذلك أنه في الحقيقة هدف صعب.
وبالنسبة لوضعية القصة القصيرة في السياق القرائي، فقارئ القصة، منذ انتهى زمن قراء المجلات التي تحتفي بالقصص، عاد قارئاً نوعياً، لا يختلف كثيراً بالمناسبة عن قارئ الشعر، فلا أتصور قارئاً يبحث عن محاكاة كبيرة للحياة، أو نوع ما من الإثارة الممتدة، أو الوقوف على أسئلة كبيرة ملحة، أو نمط من التورط والتماهي مع الآخرين، لا أظن قارئاً من بين هذه الفئات سيذهب ليشتري مجموعة قصصية، وأستطيع أن أقول، لهواة المقارنة، إن تحتم علي أن أقول شيئاً، إن القصة فن صنعه كُتّابه فيما نشأت الرواية على أيدي قرائها.

لست قاصاً
هشام أصلان

لم أتخذ قرارًا بكتابة القصة القصيرة. صدر لي كتاب واحد اختارت نصوصه لنفسها هذا الجنس الأدبي.
لا أستطيع إنكار التأثر بمغريات الاتجاه للرواية، وقدرتها على استيعاب العالم، واحتواء قارئ بات، لأسباب ليس هذا مجال الدخول فيها، أكثر إقبالًا عليها من الأجناس الأخرى. إلا أنني كنت حريصًا، وقت كتابته، على عدم اللجوء إلى ليّ عنق النصوص حتى تصبح عملًا روائيًا وليس كتابًا قصصيًا. أتمنى أن تتوفر لدي القدرة على الاستمرار في هذا الحرص، لأنني متأكد دائمًا من وجود قارئ حاد الذكاء، لن يخيل عليه الأمر. لكنك أيضًا لست مضطرًا إلى ليّ عنق هذا النص ليصبح قصة، فقط لأنك قررت أن تكون قاصًا.
من هنا، أشعر بالاندهاش أمام هذا الهمّ الذي يحمله الأصدقاء بالدفاع عن تراجع القصة القصيرة أمام سطــوة الرواية، بما تقدمه من مغريات. لست مشغولًا بتراجعها من عدمه.
لطالما سمعت من كُتّاب الستينيات عبارات من قبيل: القصة القصيرة فاكهة الفنون. كتابتها ليست تمرينًا على كتابة الرواية، بل هي أصعب. لم أشعر بهذا. ولست متأكدًا من أسبابي في هذا. هل هناك شيء من المبالغة في هذه العبارات؟ أم أن هذا يرجع لإدراكي أنني لم أختر القصة القصيرة، بل اختارتها نصوصي الأولى بعد ما وجدت حلّها في هذا النوع من الفن؟ لا أعرف.
القصة القصيرة هي موهبة العين القادرة على التقاط لحظة الحكي المناسبة، غير أن الرواية تحتاج، بالإضافة للموهبة، مجهودًا ودأبًا. لا أقصد أن إحداهما في مرتبة أقل. أفضل فقط التعامل مع الأمر في حدوده، وعدم إعطائه أكبر من حجمه.
بالأحرى، لا أعتبر نفسي قاصًا. أنت اخترت السرد عمومًا، لم يلائمك الشعر أو الرسم أو الموسيقى. هذه ليست وسائطك الفنية المناسبة لقول ما تريد قوله. ولا أتذكر أن كثيراً من المؤلفين واصل الكتابة عبر جنس أدبي بعينه. لست ضد التصنيف، لكنني ضد أن يحدث بقرار.
لديك احتقانات، وعدد لا نهائي من الأسئلة الإنسانية، ورغبة دائمة في البوح. ربما مقال أدبي أو نص مفتوح يفرّغ احتقاناتك في شأن بعينه وينتهي الأمر، أو رواية تفرّغه في شأن آخر. مجموعة حكايات يصل بينها خط واحد قد تقوم بالواجب. هي في النهاية أجناس مختلفة، تنتمي لوسيط فني واحد اسمه السرد.

لحظات حية
أحمد عبد المنعم رمضان

أحيانا أعتقد أنني أكتب لأنني لست متحدثا بارعا، لأنني لست ثرثارا، وأحيانا أظن أنني أكتب لآخذ القارئ في رحلة ليشاهد العالم بعيني، يشاهده كما أراه، أو ربما أكتب لأنني لا أحب هذا العالم كثيرا فأسعي لخلق غيره بالكتابة.
رغم أن أغلبنا يتنقل بين الرواية والقصة عبر مشواره، إلا أنني أعتقد أن كل منا هو إما روائي وإما قاص، وينتقل تحت سطوة فكرة معينة أو هاجس محدد إلى العالم الآخر حاملا معه أدواته الأصلية، فيكتب الرواية بروح القصة أو القصة بطعم الرواية.. الروائي ينظر إلى العالم نظرة بانورامية، أما القاص فينظر بتقنية الزووم، يرصد تفاصيل لقطة صغيرة ويفصصها، حتى تعكس لك قصته الصورة الأشمل والأعم، فتكشف التفاصيل ما قد تعجز الصورة البانورامية عن كشفه رغم اتساعها أو ربما بسببه… كما أن القصص تفسح مساحة أكبر للعب، للحرية، ساحة مفتوحة لا تحدها أسوار، وأنا شخصيا أحب اللعب.
الروائي والقاص مختلفان حتى وإن تبادلا المواقع، مختلفان حتى في نسق حياتهما وتعاملهما مع الكتابة، فالروائي أكثر التزاما، أكثر احترافية، يجلس إلى مكتبه في ساعات معينة، يغالب ملله ويستخدم خبرته ليتم مشروعه الذي يتخيله، ولكن القاص أكثر عشوائية، يعتقد أنه كالأنبياء، يوحى إليه، يستجيب لأفكار سريعة خاطفة ويبثها وهي تتدافع داخل عقله، فيجري وراء الكلمات وتلاحقهما الأفكار، يلهث، تتقطع أنفاسه، ويقضم على أظافره.
قرأت لإيتالو كالفيــنو في إحدى رسائله ـ من ترجمة أحــمد شــافعي ـ أنه كتب: « قال لي الناشر أن القصص القصيرة لا تباع، وأن عليَّ أن أكتب رواية. وأنا في الوقت الراهن لا أشعر باحتياج ملح إلى كــتابة رواية…. الرواية فيها دائما بعــض اللحظات الميتة، مناطق تقوم فيها بالربط بين قسم وآخر، شخصيات لا تشعر أنها تامة حقا. الرواية تستوجب نهجا مختــلفا، نهجا أكثر تراخيا، لا يجعلك تحبس أنفاسك وتشد على أسنانك مثلما أكــتب أنا. أنا أكــتب وأنا أقضم أظافري. هل تكتب وأنت تقضم أظافرك؟ ينقسم الكتاّب إلى من يكتــبون وهم يقضمون أظافرهم ومن يكتبون وهم لا يقضمونها. مع وجود من يكتبون وهم يلعقون أصابعهم».
____
*السفير الثقافي

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *