الرئيسية / نصوص / شـظايا

شـظايا


*محمود شقير


خاص ( ثقافات )
أنهض من قيلولة ما بعد الغداء على صوت المذياع، أفتح عيني، العتمة تملأ الغرفة، هأنذا نمت إلى ما بعد المساء، قلت: سأذهب إلى بيت أبي وأمي لأشرب معهما الشاي. أنهض وأنا واقع تحت تأثير إحساس مزعج لا أدري من أين يأتي، والمذياع يجود عليّ بأصناف من البرامج التي تتوالى دون انقطاع، برامج لا لون لها ولا طعم ولا رائحة، ومع ذلك فهي تخترق أذني دون استئذان، وتنجح على نحو ما في إعادتي أربعين سنة إلى الوراء، يوم كنت أحيا حياتي البسيطة في تلك القرية النائية، الملل يستبدّ بي في نهاية يوم متعب من تدريس الأولاد المحتشدين في غرفة مدرسية، ملاصقة لبيت، تسكنه أسرة متوسطة الحال، للأسرة ابنة جميلة أقسمت أمام أهلها أنها لن تتزوّج إلا من مدرّس يأخذها إلى السينما نهاية كل شهر، ويشتري لها ملابس ملونة من محالّ المدينة التي تبيع أفخر الملبوسات. 
كانت البنت تقصدني، ولم أكن ميّالاً لها لسبب ما. كانت تمرّ من أمام غرفة الدرس بثوبها المطرّز وخدّيها المورّدين، تقف لحظات، ترمقني بعينين ثابتتين، أبادلها النظرات ولا شيء أكثر من ذلك، ثم أصرف التلاميذ، وأخرج إلى ملعب المدرسة الذي يقع في وسط القرية، بمحاذاة الجامع تماماً، أنصب شبكة الكرة الطائرة، تأتي المعلمة الشابة النحيفة، وتكون قد صرفت تلميذاتها بدورها. تعلن دون مواربة عن رغبتها في اللعب، وتكون هي الأنثى الوحيدة بيننا، تجلس النسوة على أسطح البيوت المجاورة لمتابعة المباراة. يتجمّع بعض أهالي القرية على أطراف الملعب، يتابعون المباراة، ويظلون كذلك إلى أن يؤذّن المؤذن للصلاة، يهرولون إلى الجامع القريب لتأدية الصلاة، والمعلمة في نهاية المباراة، تقول إنها ستذهب إلى بيتها الذي في طرف القرية، تقول إنها ستستحم في الطشت لكي تتخلّص من هذا العرق، تفتح زرّاً آخر من أزرار قميصها، ثم نفترق. أمضي إلى بيتي، أستحمّ ثم أنام، ولا أصحو إلا بعد المساء، ويكون المذياع مسترسلاً في سرد وقائع كثيرة لا تشدّ الانتباه، يستبدّ بي الملل، أشعر أنني متروك في لجة النسيان. أفكّر في المعلّمة الشابة لحظة ثم أنساها لسبب ما. 
أنهض من نومي، عيناي تدمعان من مرض غامض. منذ أن توقّفت عن القراءة، لا أجد وسيلة للتسلية سوى المذياع الذي يعيدني دوماً أربعين سنة إلى الوراء. يا إلهي! كيف مرّت تلك السنوات؟ وأين هي الآن تلك البنت الجميلة التي طال انتظارها لفتى أحلامها، ثم تزوّجت أحد وجهاء القرية الذي يكبرها بعشرين سنة، وأنجبت منه تسعة أولاد؟ وأين هي المعلمة النحيفة التي لم تظفر بزوج؟ سمعت أنها حاولت ذات مرّة الانتحار، لم تمت ثم عادت تواصل حياتها كالمعتاد. 
أقطع تساؤلاتي العقيمة، أمضي متلكئاً إلى بيت أمي وأبي، أجد العجوزين منهمكين في حديث خافت يقطعان به الوقت البليد، أحدّق فيهما بإشفاق، ولا أقول لهما إنني أرى الموت مقعياً مثل كلب عند عتبة الباب، أراه تماماً، أفكر للحظة أن أنتهره كي يمضي مبتعداً، فلا أفعل خشية أن أثير انتباههما إليه، فلا يعودان قادرين على العيش، وهما يشعران به يتربّص بهما، لكي يأخذ أحدهما أو يأخذهما كليهما إلى مملكته المعتمة المقيتة. 
أخفي عنهما كل شيء أراه، يشربان الشاي في دعة كعادتهما كل مساء، يقولان لي حينما رأيا أنني أهرم قبل الأوان: نطلب من الله أن تعيش حتى تقبرنا بيديك هاتين. 
في منتصف تلك الليلة، قالت أمي إنها رأته عند عتبة الباب، لونه فاحم مثل الليل وعيناه تقدحان شرراً. صاحت تناديني وهي مذعورة تماماً. كان أبي يغادر الدنيا، وعيناي تدمعان. 
_______
*روائي وقاص فلسطيني 
من مجموعته القصصية “صورة شاكيرا”/ المؤسسة العربية للدراسات والنشر/ 2003

شاهد أيضاً

نافذتي البحرية

خاص- ثقافات *محيي الدين كانون كم جلسنا هناك …! تحت شجرة التوت العتيقة .. كم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *