الرئيسية / نصوص / اكتبْ وأنتَ حُرٌّ

اكتبْ وأنتَ حُرٌّ


*قاسم حداد


1
هذا هو حقك الأزلي الأصيل، وليس لأحد أن ينزعه منك، ولا ينزعه عنك.
وكلما احتدمَ السجالُ (وهو يَحتدمُ على الدوام)، يبقى لك أن تتشبثَ بما يَسعى الآخرون لتجريدك منه: خندقك الأخير.
2
لا تعوزهم الأسباب والعلل والمناسبات ليطرحوا مساءلة المبدع عن (دوره) و(وظيفته) و(مسؤوليته) عما يحدث في الواقع، وكأن المبدع، المحبوس في هامش ما يحدث، عليه دوماً أن يتحمل مسؤولية التدهور الذي يجري بفعل حماقة الآخرين.
3
المبدع أضعف الكائنات، وأكثرها جرأة على الرؤية، يظل هدفاً لمساعي العزل القهري، في واقعٍ يقعُ على كواهلنا، لفرط تدهور الفعل السياسي.
مبدع منذ الشاعر الأسود إلى «أمل دنقل»:
«يُدعى إلى الحرب ولمْ يُدع إلى المجالسة».
4
يطرحون عليه مساءلتهم دون خجل ولا تَثَبُت. وكأنه موظف في مؤسسة الحق العام، يظل عرضة لأمزجة مديري التدهور الشامل، لا ينبغي عليه سوى تحمل مسؤولية إصلاح ما أفسده الآخرون.
5
بين وقت وآخر، ثمة مَنْ يَطرح الصوت ضاجاً، بتحميل المبدع مسؤولية الموت الماثل الذي ينجزه سياسيو المجازر بامتياز الحمقى والجهلة والمدعين.
6
لذلك يصح لنا القول بأن للمبدع حقه الأول والأخير في التحرر من كل هذه المزاعم التي يطرحها إداريو التدهور العام، ذلك الحق الذي لا يسقط بفعل وضع اليد، ولا يقدر الواقع على نفيه.
حق الكتابة بحرية الأطفال، بالبراءة ذاتها وعدم الامتثال كله.
7
على أن يظل المبدع وحيداً في سعيه نحو الجمال.
يظل وحيداً وحده.
حراً من التخوم والمماحكات التي يبتكرها الفاشلون في حقولهم، لينالوا من الكائن الضعيف في ذاته، الأقوى بكلماته وأحلام كلماته، وبطاقة الكلمات التي لا تُضاهى.
8
تلك هي طاقة الإبداع وقوته على الانفصال والاتصال في آن:
الانفصال عما ينهار بِمُنهاريه، والاتصال بما يولد من الذات الجوهرية بمستقبلها الجريء.
له أن يظل وحيداً بضعفه القوي، وبحقه الحقيقي الأصيل المهدور، دون أن يخالجه يأسٌ، ولا يثنيه حشد.
4
يفنى الكلام، وتبقى الكتابة، تبقى شهادة على ما لا يفنى عندما يموت.
***
من دفتر البحر
1
(أ)
خَرَجَتْ من زرقةٍ،
واستحالَ لها الماءُ بيتاً وأرجوحةً واحتمالاً.
أَحْسَنَتْ،
كيف تغفو على الغمر في يقظةٍ كالزمان،
وتنهض،
تذهبُ في شمسها
مثلما يُقبلُ العرسُ قبلَ الأوان.
(ب)
تبكي لها الأسماكُ كي تحسنَ درسَ الغرق. فإنْ جازتْ بكم المراكبُ، تعود لكم التجارةُ في قوسها وتدّخر الثرواتِ في الحتوف والكمائن. وإذا جئتم إيوانها، قولوا لها الكلمة، وهي تسمع.
2
أخذتْ شكلَ النساء
وأعطتْ لأطفالها ثوبَها اللؤلؤيّ
وزَهَتْ بخضرتها اليانعة
ثم أرختْ غموضَ الرسائل
للمولعين ببرق النهار القَصِيّ،
بماءٍ من الفقد في البحر
بأعماقه،
وتعرف، مثل النساء،
كيف تفتح ميناءَها للغريب،
وكيف تَحثُّ الغزاةَ،
وتُغري دمَ العابرين.
وتعرف،
كالشخص مستوحشاً في المكان،
تَخصُّ المسافرَ بالدفء.
فابقوا بعيداً عن الملح،
عن جرحها وهو يبرأ
قولوا لها، وهي تسمع،
مثل الوحيدة في البحر،
تصغي لها.
3
دَرَجَ البحرُ مثلَ طفلٍ، يَصِلُ الزرقةَ بالأرض، فيهرعُ في فضائها رجالٌ يغامرون، يقايضون الحياةَ بالموت.
لهم البحرُ حوضٌ يفيض بموجٍ طائشٍ، سماءٌ تهطل حبالاً وأناشيدَ وأوتاراً، والعصفُ يعزفُ.
فإنْ جئتمُ بيتَها،
قولوا لها،
تسمعكم، وتحنو عليكم.
وإنْ سألتم،
تعطيكم، وتزيدكم.
وكلما سَأَلَتْ،
سوف تُعطُون.
____
*الاتحاد الثقافي

شاهد أيضاً

شرفات التنهيدة

خاص- ثقافات *عبد القادر صيد لما شرعت نسمات السلو في الهبوب من على شرفات النفس …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *