الرئيسية / إضاءات / حزامة حبايب: الهوية تطحن يومياً في المخيم الفلسطيني

حزامة حبايب: الهوية تطحن يومياً في المخيم الفلسطيني


*محمد عويس


عُرفت حزامة حبايب ضمن جيل التسعينات في الأردن، من خلال أربع مجموعات قصصية رسخت مكانتها كصوت قصصي متفرد عربياً. في العام 1992 نالت حبايب جائزة «الإبداع الشبابي» من مهرجان القدس في عمّان، وذلك عن باكورة أعمالها القصصية التي تحمل عنوان «الرجل الذي يتكرر». وفي العام 1994، نالت جائزة «محمود سيف الدين الإيراني للقصة القصيرة»، إحدى أرفع الجوائز التي تمنحها رابطة الكتاب الأردنيين، عن مجمل منجزها القصصي. إلى جانب عملها القصصي، رسخت حبايب مكانتها كروائية بارزة في الساحة العربية، فصدرت لها في العام 2007 روايتها الأولى «أصل الهوى»، التي حظيت بحفاوة لافتة، أتبعتها في العام 2011 بروايتها «قبل أن تنام الملكة»، التي نالت إشادة نقدية واختارتها صحيفة «الغارديان» البريطانية ضمن أفضل قراءات 2012.
وفي مطلع هذا العام، صدرت روايتها «مخمل». هنا حوار معها:
> في روايتك «مخمل» ترصدين الهمّ العام لأهل المخيم الفلسطيني، هل باتت الرواية العربية لسان حال التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية؟
– بالتأكيد، تظل الرواية، بما يتيحه قالبها السردي المطواع، هي الأقدر على رصد التحولات والتغيرات التي يعيشها المجتمع، بخاصة إذا كنا نتحدّث عن مجتمعات «حيوية» عُرضَة لكل التناقضات، فتكون بنيتها الإنسانية المركّبة نتاجاً مباشراً للصدمات التاريخية الكبرى، وما تفرزه من تبعات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، مستفِزّة في الغالب. والمخيم الفلسطيني، تحديداً، كمكان انتقل في الدول والمجتمعات التي غُرس فيها من صفة (الحل الموقت) إلى (الوجود المستدام)، اكتسب على مدى عقود مزيداً من التشوّه، حيث الهوية التي تصارع للبقاء تُطحن يومياً، وتتعرض لكل أشكال الامتحان، في بيئة لا تفتأ تسحق الذات الفلسطينية وتحيل الفلسطيني إلى كيان مهدَّد ومهدِّد. المخيم مكان ملتبس، أقرب إلى مدن الصفيح أو المدن العشوائية التي تحاذي المدن الرئيسية، وتبدو بالقرب منها كيانات «مرذولة» أو مهملة، بشروط حياة خاصة، تبدأ بالقهر وتنتهي إليه، حيث تستحيل الهوية الفلسطينية في المخيم في الغالب عرضاً ثانوياً، كامناً ومتململاً، في إطار وجودي بالغ التشابك والتيه والتعقيد. الرواية ابنة المكان والزمان، وقد لا يكون ثمة مكان بنسيج مادي ونفسي وقيمي شديد الثراء كالتجمعات البشرية المعطوبة في المنشأ، والمخيم مثال صارخ على هذا النوع من التجمعات.
> تطرح «مخمل» في أحد قراءاتها الأنوثة مقابل الذكورة، من دون تعارض تام أو صارخ بينهما، إن نساء «مخمل» لسن طيبات ورقيقات بالمعنى الشامل، كما أن الذكور ليسوا أقوياء أو منعدمي العاطفة تماماً. فكيف تنظرين إلى هذه العلاقة؟
– «مخمل» هي رواية المرأة. لكن المرأة هنا، ليست بمفهوم «الأنثى»، العصية على المساس، أو التي حُشرت تاريخياً في قالب تصويري كاريكاتوري الطابع في الغالب، في إطار «صراعها» مع الرجل والذكورة عموماً، بما يجسده هذا المفهوم – «الفظ» أدبياً – من مضامين وإسقاطات. نساء مخمل عاشقات، متيَّمات، وهن أيضاً مقهورات وقاهِرات لغيرهن، يمتشقن الصبر، ويجترحن العيش، يشتققن الحياة بكل السبل الممكنة، محتالات على وجودهن، ملتفّات على البؤس اليومي، بطرق شتى. وإذا كان الرجل في «مخمل» جزءاً من منظومة القهر العام أو مساهماً فيها في أحد الجوانب، فإنه ضحية الواقع الذي أفرزته منظومة اليأس هذه في شكل أو آخر، ثم إنه – أي الرجل – في «مخمل» يثبت أن العشق صفة «رجالية» بهية أيضاً. فبعض رجال «مخمل» هم أجمل المغرومين، وأكثرهم هشاشة بالمعنى النبيل. بل إن أحدهم يبدو، وهو يستعيد في الرواية أغنية بصوت أمه، شديد التماس مع أنوثة جميلة في شخصه. إذن، لا توجد هنا مقابلة بين الأنوثة والذكورة بمعنى التضاد التام، أو صراع مطلق بينهما. علينا أن نتذكر أن نساء «مخمل» ورجالها إنما صنيعة خسارة عامة ثقيلة.
> نتوقف عند المقدرة التخيلية التي تتمتع بها (حوا)، وكذلك (قمر)، المرأتان الأكثر حضوراً في الرواية. كيف لعبت هذه المقدرة دوراً في رسم مصير كل منهما؟
– أعتقد بأن الخيال، بالنسبة إلى حوّا تحديداً، هو رافعة أو «عكاز» نفسي، تلجأ إليه كعالم بديل عن راهنها المشحون بالشقاء. الخيال هو القماشة الأجمل، التي تنسج بها حوّا عالماً أقل قهراً وأكثر احتمالاً، فيغدو في بعض الفصول المؤلمة من حياتها حياة موازية، عذبة وفاتنة. بل إن الخيال ينقذ حوّا في محطات الانتهاك الكثيرة التي تتعرض لها، ولولا هذه المقدرة التخيلية التي تستدعيها، لما نجت، بالمعنى المعنوي. إن حوا تستعين بالخيال لبناء عوالم جميلة، تعوضها عن شقاء عالمها الواقعي. بالخيال تحافظ حوّا على روحها وتحميها من الانسحاق. حتى قمر – هذه المرأة الآسرة – فعلى رغم وفرة كوابيس الماضي التي تطاردها، إلا أن الخيال، أو بارقة منه، يظل ملاذها الذي تستعين به كي تظل قابضة على لحظة عشق لا تمحى من قلبها.
> هل يمكن القول إن اللغة في «مخمل» تشكّل إحدى مستويات السرد، الذي يستحق التوقف عنده؟
– لا يمكن النظر إلى عمل أدبي بمعزل عن لغته، واللغة في الرواية معمار مندغم مع العمارة السردية ككل. الرواية، بما يطويه مزاجها النفسي والعاطفي، المكاني والزماني، تبتكر لغتها الخاصة بها، فتكون هذه اللغة عضوية وأصيلة و «متشرَّبة» فيه. لم أسع في «مخمل» إلى «سكّ» لغة أو مفردات خاصة بقدر ما جاء «الريبرتوار» اللغوي امتداداً طبيعيا لروح النص؛ فكانت اللغة تحلِّق، وقد تنتشي، فتبلغ ذرى الصبابة والتوق في مواقع العشق، وقد تصاب هذه اللغة بالكمد وتغتمّ في مواقع اليأس والحزن، فتغرف مفرداتها من سحابات النفس المظلمة. حتماً اللغة في «مخمل» جزء من مناخ السرد العام، تصوغه وتعكسه.
> يرى بعضهم أن الكتابة من خارج دائرة الحدث الراهن تعد أنضج وأشمل. لأن الكتابة عن اللحظة في ذروتها تجعل الكاتب أسيراً لها في شكل أو آخر أو قد تكون وجهة نظره إزاء الأحداث مبينة على حكم متسرّع، فما تعليقك على ذلك؟
– أتفق تماماً مع هذا الرأي. وسواء كان العمل مكتوباً بمنظور الراوي الذاتي أو العليم، فإن المقاربة «الراهنية» للحدث، تظل قاصرة. الحوادث الكبرى يكون وقعها في الغالب دراماتيكياً وتروماتيكياً، أي ينطوي على ما يشبه «الرضة» الآنية، وعليه يصعب الإحاطة بها لحظتها أو في خضم تطور الحدث، بخاصة في عمل روائي أو نثري ضمن شروط ومعطيات تتيح له أن يُقرأ على مستويات متعددة. هنا، غالباً ما نحتاج إلى مسافة زمنية (وأحياناً مكانية) فاصلة كفاية كي نتأمل الشيء عن بعد، فنعيد قراءة الحدث أو نسترجع المأساة بمنظار أشمل. كذلك، غالباً ما نحتاج إلى مسافة نفسية وعاطفية فاصلة أيضاً عن الحدث، بخاصة إذا كان يمسنا بصورة مباشرة. على سبيل المثال، في روايتي الثانية «قبل أن تنام الملكة»، سلطت الضوء على تجربة الفلسطينيين في الكويت من خلال أسرة «مستورة»، في مقاربة تكاد تكون نادرة في السرد العربي، ذلك أن المجتمع الفلسطيني في الكويت بدا وأنه وُجد ثم تبخر فجأة، ومعه تبخرت ذاكرة جيليْن فلسطينيين عاشا هناك على الأقل. لقد احتجتُ أكثر من عشرين عاماً كي أتناول تجربة المجتمع الفلسطيني في الكويت، أنا التي ولدت وعشت ودرست هناك حتى حرب الخليج الأولى التي أسفرت عن نزوح جماعي لمئات الآلاف من الفلسطينيين في الكويت، وأنا من بينهم. وهي تجربة تركت بالتأكيد أثراً كبيراً في نفسي، ما زلتُ أحمله معي حتى اليوم.
> تقدم «مخمل» قراءة اجتماعية كاشفة للمخيم الفلسطيني، بنسيج الحياة الثرية فيه، ونجد جهداً بحثياً ونفسياً كبيراً في بناء الرواية وناس الرواية؟ فكيف رسمتِ هذا العالم الغني؟
– أستطيع القول إنني عشتُ «مخمل»، بكل ما يمكن أن يعنيه هذا العيش. فلقد استغرق مني العمل على الرواية أكثر من ثلاث سنوات، ما بين بحث واستقصاء وتحضير نفسي، وما عناه ذلك من تكريس جلّ وقتي للكتابة، بخاصة في السنة الأخيرة، التي اقتضت منّي تفرغاً تاماً، اضطررت معه إلى الإقامة في ما يشبه عزلة تامة، في مكان أعددته خصيصاً لهذه الغاية، كنت خلالها أعكف على «خلق» شخصيات الرواية، واستدراج حكاياتهم، بكثير حب وصبر، وحزن كذلك، وهو أمر أعترف بأنه استنزفني عاطفياً. حين انتهيتُ من كتابة «مخمل» أخيراً، أذكر أنني أصبتُ بإعياء تام؛ حتى إنني بكيت، بكيتُ كثيراً، كأن شيئا من روحي طلع أو أُزهق. لكن الأمر، مع ذلك، لا يعدم شعوراً داخلياً غير مفهوم بالخلاص، حتى وإن كان خلاصاً موقتاً. أعرف أنني على موعد متجدد مع القلق والبحث. وأعرف أن حكاية أخرى تنتظرني. وأعرف تماماً أن لا خلاص أبداً.
____
*الحياة

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *