الرئيسية / فكر / السعادة.. طريق لمعرفة الحقيقة

السعادة.. طريق لمعرفة الحقيقة


*د. منصور الشامسي


«ما قيمة الثقافة، إن لم تعلمنا في نهاية الأمر العودة إلى الذات؟» 
«إن صورة الجبل تعني الصخرة التي صنع منها، كم أن لباب الزهرة أحلى من خطوطها» 
(بول فاليري) 
«السعادة» هي معرفة «الحقيقة»، وهذه قاعدة نظرية جمالية، تؤدي للبحث عن «ماهيّة» و«جواهر» الأشياء والمواضيع، لا يتم التوصل لمعرفة حقيقة الأشياء إلا بمنهج علمي جمالي.
معرفة «ماهية وجواهر الأشياء» أساس يضبط معادلة السعادة، بحيث تكون حقيقية، جامعة لكافة الأطر، تعكس حقيقة الشيء.
طبيعة الأشياء وأصل الأشياء، لا يوجد بها غير الحقيقة، فإذا تم الادِّعاء بغير ذلك، فهذا ضياع للحقيقة وهدم للمعرفة، كون الحقيقة ستكون غائبة أو مغيبة، أو قد تم تهميشها بصورة معينة، وبالتالي فجميع النتائج القائمة على هدم المعرفة نتائج غير حقيقية، وغير صحيحة. 
«المشروع الإنساني» هو كل مشروع في الحياة يجعل الإنسان هدفاً، وأولوية في الاهتمام، وأساساً في الخدمة المُقدمة، يدعم الوجود الإنساني «الفردي» و«الجمعي»، المتكامل العادل، وتتضاءل فيه الفروقات أو تختفي.
«المشروع الإنساني» يخلق علاقة ارتباطية طبيعية بين الإنسان وما حوله بمنهجية جَمَالية ترسم موقفاً جمالياً إنسانياً تجاه الحياة يجعل سياسات «السعادة» تنساب بسهولة كالأنهر والجداول تتمتع بقوى دفع تلقائية. 
العلاقة الوثيقة بين «معرفة الحقيقة» و «السعادة» و«المشروع الإنساني» نظرية وتطبيقية تظهر في بنية المشروع الإنساني؛ طبيعته، وفي العلاقة بين شكل المشروع ومضمونه؛ هل هما متوافقان؟ ثم في التقنية، والموارد المستخدمة؛ المادية وغير المادية، والمجتمع؛ وتحقيق الفائدة المجتمعية من ذلك؟. 
«معرفة الحقيقة» هي نقطة الالتقاء بين التجريد والمثالية والواقع. وهذا تَجَلِّ وتواشج تجريدي مثالي واقعي مشترك، وهو أساس التقاء النظرية بالتطبيق. وهذا كفيل بنجاح سياسات «السعادة» أينما تم تجريبها.. فالوصول للحقيقة هو عملية منهجية نظرية وتطبيقية. 
الحقيقة ليست بسيطة (عامل واحد محدد لها) بل هي مُعقدة (أكثر من عامل واحد محدد لها) وتظهر قيمة المبدع الحقيقي في الوصول إليها.
كَوّن الحقيقة مُعقدة، فهي متنوعة، متعددة، مختلفة، كامنة، عميقة، كثيفة، مركبة، تخرج منها حقائق أخرى تحدد البُعد الوظيفي للجزئيات المكونة للحقيقة، والارتباط بين جوهر الحقيقة وأجزائها المُكملة هو ارتباط عضوي، فلا يتم التعامل مع الحقيقة الجوهرية، فقط، بل لا بد من التوغل في دواخلها ومضامينها، وشمول كافة توابعها وأجزائها وهوامشها وتفرعاتها التي هي مُكونة للحقيقة الأساس، كون الحقائق مركبة، والوصول لها يتم من خلال البحث العلمي، وهكذا فكل حقيقة هي مولدة لحقيقة أخرى، في حلقة تتابعية شيقة تصنع فضولاً معرفياً، فتزداد معرفة الناس للحقيقة.
الحقيقة مُحَدِدَةٌ للتصور الذاتي عبر التطور المفاهيمي. 
التصور الذاتي هو ما يحدث من تقدم في تركيبة الشخصية، يبدأ من الداخل بتصحيح حركة الخارج، ومبدأه أن يتصالح الفرد مع نفسه ليتوازن في التفاعل مع الآخرين، يُضيف إليهم، ويضيفون إليه، يسد نواقصهم، ويسدون نواقصه، ويتعلم من تكرار التجربة، كيف يترقى بذاته في ذاته.
«التصور الذاتي» غير القائم على «الحقيقة» ضعفٌ في العقل، كما هو هذيان وخَطِر وتعصب، وأسلوب من أساليب هدم المعرفة، وهدر الموارد، بأنواعها، ومرجعية «التصور الذاتي غير القائم على المعرفة»، تعود للفكر «السوفسطائي» الذي اعتمد أسلوب «المغالطات»، و«المغالطة» لا تقود صاحبها للحقيقة، مهما طالت، بل تؤدي به إلى مفارقة الفكر السويّ في الأداء والتناول. 
كل تصور ذاتي لا يعتمد الحقيقة قاعدة له، هو «سوفسطائي»، الأصل، ليست له علاقة بالفلسفة الجمالية، لأن «المغالطة» تَخرج عن دائرة «الجَمال»، وتُخرج صاحبها، من بعد ذلك، فلا يرى «جمالاً» فيما يُغالط فيه، ولا يُنتج «جمالاً» فيما يُخالفه فيه الآخرون، و«المغالطة» ليست لها علاقة بالفلسفة المثالية الأخلاقية، ولا بمنهجية تنمية العقول. 
«التصور الذاتي» غير قائم بذاته، ولا يكون مفصولاً عن «معرفة الحقيقة»، وإذا انفصل «التصور الذاتي» عن «معرفة الحقيقة» أصبح أُحادياً سطحياً غير موضوعي غير علمي، ولأن «معرفة الحقيقة» هي «السعادة» فإن «التصور الذاتي» القائم على «معرفة الحقيقة» يُعَدّ محققاً للسعادة، والعكس صحيح، «التصور الذاتي» غير القائم على «معرفة الحقيقة» يُعدّ هادماً للسعادة. 
الإجراءات والسياسات والممارسات التطبيقية القائمة على أصل جوهر السعادة؛ «معرفة الحقيقة» تُعدّ محققةً للمشروع الإنساني الذي هو مشروع جمالي كونه يتحدد بالأدبيات الجمالية، فالجمال صفة له، وهدفه، ومقصده، وإذا لم يتحدد المشروع «الإنساني» بالأدبيات الجَمالية فإنه يفقد سِمته الإنسانية، أو قد يتم وضع مفردة الإنساني بين قوسين، هكذا، (الإنساني)، كبيان تحفظي، أو تمهيداً لإلغائها، حين تفتقد لقوانين الجمال، وبذلك فإن المشروع الإنساني والمشروع الجمالي هما مشروعان مترادفان، في هذه الحالة، وهما، معاً، يحققان ممارسة اجتماعية ناجحة، تواكب عصرنا الاجتماعي، ذا التأثيرات الشاملة، وهذا محقق للحياة الجميلة. 
الفشل في معرفة الحقيقة، أو عدم معرفتها، أو عدم الرغبة في معرفة الحقيقة، أو الإعراض عنها، يُعَدّ خطأً علمياً وتطبيقاً لا تستقيم معه كافة خطط الأعمال والتطوير، فضلاً عن كونه يُعدّ مُضاداً للمشروع الإنساني، وبلوغ الحياة الجميلة تغدو مسألة صعبة، وبالتالي فالسعادة غير متحققة، حيث تسود الأطر«الشكلية» «غير الموضوعية» «المظهرية» وهذا امتداد للأسلوب السوفسطائي الذي يُركز على ذات الأطر «الشكلية» «غير الموضوعية» «المظهرية»، حيث يبذل السوفسطائيون جهوداً عظيمة في مسائل جلب الأنظار ولفت الانتباه بطرائق مسرحية وغير إنسانية وناسفة لجهود المبدعين الحقيقيين، فاقدة للقيم الجمالية، وهذا يؤدي لطمس «الحقيقة» والتغاضي عنها. 
النجاح في «معرفة الحقيقة»، والرغبة في معرفتها، والسعي لها بإخلاص واجتهاد، يُعدّ منهجاً علمياً صحيحاً، وفهماً للواقع، وحركة تقدم متسقة مع طبيعة الحراك الإنساني المتقدمة دائماً للأمام، ومحققة للمشروع الإنساني، حيث يتم بِناء خطط الأعمال والتطوير و«خطة السعادة» وفق منهجية جمالية واضحة المعالم، كوّن «السعادة» قد تم تعريفها بمعرفة الحقيقة التي هي متطلب جَمَالي، وهكذا يتم الربط مباشرة بين «السعادة» و«الجمال».
العقبة تأتي حين يتم بناء (خطط الأعمال والتطوير، وخطط السعادة؛ والتي هي خطة أعمال وتطوير) على (ضوء) «غياب الحقيقة»، وهذا معناه غياب المنهج العلمي التطبيقي في بناء ورسم الخطط، ونتيجة لذلك، تتشكل بيئات الأعمال غير الجاذبة، غير الصحية، غير الجَمَالية، ويحدث تَرَد لهذه الأعمال، وتحدث اضطرابات، ونزاعات، ويضعف الجهاز الإداري، ويترهل، ويتشتت، كما تتأثر الحياة «جمالياً»، حين تتزايد الفروقات، وينمو الاستغلال، وتضمر المهارات، وتقل الاكتشافات، وينتشر عامل عدم الثقة، وغير ذلك من تطورات سلبية، وبذلك تتوقف الحياة «إجرائياً» وقد تتوقف كلياً، كما يحدث عند الأزمات الكبرى.
_________
*الخليج الثقافي

شاهد أيضاً

حقيقة إخوان الصفا بين محمد عابد الجابري وجورج طرابيشي

خاص- ثقافات *محمد نعيم/ جامعة شعيب الدكالي- الجديدة  لا شك أن المشروع النقدي للمفكر محمد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *