الرئيسية / مقالات / طول نهار الصيام

طول نهار الصيام



*عاطف عتمه


( ثقافات )
ما من عباده فرضها الله عزوجل إلا وكانت هداية ورحمة للخلق إذا ما ادّاها العبد كما جاءت دون تغيير أو تحريف أو تبديل. وعبادة الصيام عبادة عظيمة لها من المردودات النفسية والصحية ما لا يصل العلم إلى إحصائها، فهي تهيئة للصبر وصقل للجسم ومساعدته على التخلص من العادات السلبية كالتدخين والمخدرات والمأكولات والمشروبات الضارة، ومنحه القدرة على السيطرة على النفس والتكيف مع تغييرات الظروف، وتعليمه الأخلاق والكرم والشعور مع المجتمع .
ولقد طال نهار وقت الصيام حتى وصل ثلثي اليوم أو يزيد ، وتنقل شهر رمضان في كل فصول العام الأربعة، مع أن الشهور العربية سمّيت للدلالة على الوقت التي تظهر فيه فشهر الربيع ليدل على الربيع وجمادى لانجماد الماء والبرد وفصل الشتاء ، لكننا اليوم نرى أن جمادى يمر على كل فصول السنة فيظهر في الربيع والخريف وقيظ الصيف ولهيبه ، فحصل التغّير في الأشهر جميعا كما حصل في شهر رمضان ؟
والحقيقه أن شهر رمضان يجب أن يثبت في شهر مارس أو شباط وهو الشهر الثالث الذي يتفق مع شهر رمضان ، ويحصل أن هذا الوقت يحدث فيه ظاهرة الاعتدال الربيعي؛ أي يتساوى فيه النهار مع الليل في كل دول العالم ليبلغ وقت الصيام 12 ساعة فقط فضلا عن أن درجة الحرارة تكون معتدلة جدا ، وتحدد عبادة الصيام في شهر رمضان بظهور هلال القمر في الشهر ، وتسمية شهر رمضان تسمية للعرب قبل ظهور الأسلام ، وأن شهر العبادة فرض في شهر رمضان العربي بظهور هلال القمر ، ولم يكن يعرف العرب الأهلة ، ولذا سألوا عنها النبي ” يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ…” البقرة 189، لأنهم ما كانوا يعرفونها قط ، ولقد جاءت ببعثة النبي وظهور الإسلام لتكون مواقيت زمانية للعبادات ، ولذا كان صيام النبي ” صلى الله عليه وبارك ” يبدأ في شهر رمضان العربي بظهور الهلال من الشهر ، فرمضان العربي والأشهر العربية لا تبدأ بظهور الهلال ، بل يأتي شهر رمضان العربي المحدد وقته بشكل ثابت من السنة عند العرب سابقا وقبل الإسلام ، ثم كان الناس يصومون حينما يأتي شهر رمضان فيبدأون بتحري الهلال الذي قد يظهر في أوله أو أوسطه أو آخره.
إن السنة العربية تسير مع السنة الميلادية مع وجود فرق بينهما يبلغ 11 أو 12 يوما؛ الأمر الذي كان يتطلب أن ينتظر العرب 11 أو 12 يوما حتى تبدأ السنة العربية توافقا مع السنة الميلادية .
ولكن البعض من العرب أحدث خللا في مسألة الأيام الـ 11 أو 12 يوما وتلاعبوا فيها فمرة يزيدونها ومرة ينقصون منها ، حرصا منهم على واستعجالا للقتال للابتعاد عن موعد الأشهر الحرم الأربعة التي يحرم فيها القتال وهي : محرم و ذوالقعدة وذو الحجة ورجب ، فسمي ذلك بالنسيء ” إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلِّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا ” 37 التوبة” .
إن ما حصل في عهد الفاروق عمر رضي الله عنه باعتماد السنة الهجرية هو أن الأشهر العربيه وظهورها بدأ بربط الشهور العربية بظهور الهلال من جهة ودون انتظار الـ11 أو الـ 12 يوما للتوافق مع السنة الميلادية ، واختلفت أوقات ظهور الشهور العربية لتنتقل في كل أوقات العام لوجود فرق الـ11 أو الـ12 يوما ، فشهر الربيع لا يظهر في الربيع، فأخذ يظهر في كل الفصول في الصيف والخريف والشتاء ، إذ أن شهر محرم الشهر العربي الأول يجب أن يبدأ في الأول من الشهر السابع (آب) من السنة الميلادية، وتنتهي السنة العربية قبل الميلادية بـ 11 أو 12 يوما ، فننتظر هذه الأيام حتى تنقضي ونبدأ العام العربي من جديد ودون أن نقع في النسيء.
وما حصل في التوقيت الهجري الذي سنّه الفاروق رضي الله عنه أن الأشهر العربية صارت تبدأ بظهور الهلال دون انتظار الـ11 أو الـ12 يوما ، لتتنقل الأشهر العربية على كل فصول السنة ، فأخذ الربيع الأول يظهر في كل الفصول ومثله شهر رمضان وشهر الحج الذي كان يظهر في الحر، وكان لباس الإحرام اللباس الخفيف الصيفي الذي لا يتناسب مع الشتاء .
لقد قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) البقرة 183، إن حرف التشبية الكاف في( كما ) يفيد أن هناك تشابة بيننا وبين الأم السابقة تشابة في الصيام، وأن هذا التشابه لا يكون في الطريقة والأسلوب وإنما في الموعد والتوقيت.
أنني أدعو الأمة إلى العلم والانفتاح والحوار العقلاني الهادئ وتغليب المنطق والأخلاق ونبذ العنف والقتل وسفك الدماء، وأن نعيد قراءة الموروث الديني ومراجعته وتهذيبه وتشذيبه من الانحراف والتشدد والتعصب والخروج عن الأخلاق والقوانين، فلقد أحدث المحثدون فسادا كبيرا وحرفوا مفهوم الدين عن مقصوده؛ لأن هدف الأديان الأخلاق والقيم والرحمة والبناء والحياة لا الدمار أو سفك الدماء.
لا نقصد في هذه المقالة الإساءة لأحد أو الإدانة لمن أصاب أو أخطأ؛ فإذا اجتهدنا أو أصبنا فلنا الأجران واذا ما أخطأنا فمن عندنا ولم نفقد الأجر، والله أعلى وأعلم.
____
*صحفي أردني / من صفحته الشخصية في موقع فيس بوك.

شاهد أيضاً

مدن أم عناقيد قرى!

*خيري منصور ما كتب عن مفهوم الملدنية ونشوئها في الغرب يندر أن نجد ما يماثله …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *