الرئيسية / فكر / الحوار.. ومُفارَقاته

الحوار.. ومُفارَقاته


*محمد نور الدين أفاية


لا جدال في أن مصطلح الحوار تحيط به التباسات عديدة، خاصة حين تتداخل معه بعض الكلمات المجاورة له من حيث الدلالة والأداء، فالحوار ليس هو الحديث أو المحادثة، لسبب رئيس وهو أن المحادثة، باعتبارها كفاية تواصلية، لا تخضع لنفس القواعد التي يستلزمها الحوار. فهي أسلوب من التواصل العفوي والحرّ، يسمح بالخلط بين الأنواع، والأصوات، والاحتمالات غير المتوقعة أثناء تبادل الحديث، فالمحادثة لا استراتيجية لها، لأنها تسمح للمتحدثين بالتعرف بعضهم على بعض، وخلق نوع من «الاستمتاع الاجتماعي».
غير أن الأمر لا يمنع المحادثة من احترام اشتراطات الأعراف الاجتماعية، لأن أنماط تدبيرها قد تختزن بعض الإكراهات التي يستدعيها هذا الوسط الاجتماعي أو ذاك.
وإذا كان الأمر كذلك في حالة المحادثة، أو الحديث الحرّ، فإن الحوار، من منطلق إرادة الإنصات التي يفترضها، والجهد الإقناعي الذي يبذله المشارك فيه، يتجاوز الأعراف المعتادة، والأساليب الرتيبة، لأنه يعمل على فتح آفاق جديدة، وقد يهم الحوار شخصين أو مجموعة أشخاص، لكنه يتطلب التزام المشارك بأخلاقيات الإنصات اليقظ، وإلا تحول إلى محادثة، وتنتفي مقتضيات الحوار والهدف من ورائه.
الحوار، من جهة أخرى، ليس هو التفاوض، وقد يشتركان في كون الأشخاص المنخرطين في الحوار أو التفاوض يقبلون مبدأ اللقاء، وتبادل الآراء، وإجراء مباحثات قصد الوصول إلى نوع ما من أنواع التفاهم، متفقين، مبدئياً، على التخلي عن العنف المادي لمواجهة أو معالجة القضايا التي تهمّ نزاعاتهم أو خلافاتهم، بطرق موضوعية وعقلانية، غير أن التفاوض والحوار يفترقان في مجموعة من الأمور، منها أن التفاوض يجري في إطار موازين القوى، ومصالح متضاربة. لذلك قد يتضمن التفاوض عنفاً لفظياً، أو إرادة للتمويه، أو المزايدة، وأحياناً التهديد. والمفاوض لا يتردد في إخفاء مقاصده، والتركيز على نقاط ضعف الخصم، في حين أن الحوار، ولا سيما في إطار الحوار المدني، يتقدم بوصفه مواجهة بين أشخاص لا ينظر بعضهم إلى بعض كأنهم خصوم، وإنما شركاء.
الحوار ليس مساومة
تبرز لغة المساومة في الفعل التفاوضي في بحثه عن التفاهم، كما هو الشأن بالنسبة إلى نقابة تتطلع إلى توقيع اتفاق يهمّ المأجورين، أو في حالة التفاوض على انتشار الأسلحة الفتاكة. يبحث المفاوض عن أفضل حلّ يكون لصالحه ولصالح من يمثلهم، ولأجل ذلك يعمل، بكل ما يملك من دهاء وحنكة، على دفع الطرف الآخر لتقديم تنازلات.
في حين أن المنخرط في الحوار، على العكس من ذلك، لا تحرّكه مصالح مباشرة، بالضرورة، لأنه يبحث عن الحقيقة، أو عن حقائق يريد كشفها، كما قد يقوده الحوار إلى البحث عن العدالة، أو الاعتراف، فضلاً عن أنه لا يسعى إلى إضعاف الآخر.
يتحرك المفاوض بهدف الوصول إلى اتفاق محدد، أو إلى صفقة تجمع مصالح متضاربة للتحكم في مسار نزاع، أو إيجاد حلّ له، في حين أن الحوار لا حدود له، لأنه يبقى مفتوحاً لتحصيل الفهم أو الإفهام، وتقاسم القناعات الفكرية، وبناء المعنى مع الآخرين، لذلك يفترض الانخراط والمشاركة، وليس تقديم تنازلات لإبرام صفقات.
هكذا يتبدى أن التفاوض والحوار ينتميان إلى مرجعيتين مختلفتين في التواصل، غير أن الممارسة تنتج وضعيات أكثر تعقيداً، لأنه يمكن الانتقال، أحياناً وبدون سابق قرار، من منطق الحوار إلى استعمال آليات التفاوض، أو أن يبدأ التفاوض وينتهي إلى محادثات وحوار، سيما أن مجرى التبادل يجعل التعارف بين الناس أسهل، وقد يتولّد عنه تعاطف، أو إعجاب متبادل ليتحوّل إلى نوع من «الحوار بين الأشخاص»، الأمر الذي يسهل الوصول، أحياناً، إلى اتفاقات بين الفرقاء.
قوْلان
من المعلوم أن الثقافة العربية الإسلامية قد أنتجت أشكالاً مختلفة من المفارقات، والنقائض، والنزعات، فمن قائل إنها حفّزت على إعمال العقل، ودعت إلى استبعاد الإكراه، وإلى التسامح ونبذ العنف، وشجعت الحوار والمناظرة، ولا جدال في أن المرء يجد حالات ازدهرت فيها فرص التحاور والتناظر في أزمنة توهج الحضارة العربية الإسلامية، حيث كان التنوع الثقافي، والمذهبي والديني يشكل واقعة اجتماعية وثقافية شبه بديهية، وفي هذا السياق يروى، على سبيل المثال، أنه في البصرة كان يجتمع «مجلس لا يعرف مثله: الخليل بن أحمد صاحب العروض سنّي، والسيد محمد الحميري الشاعر رافضي، وصالح بن عبد القدوس ثنوي، وسفيان بن مشاجع صفوي، وبشار بن برد ماجن خليع، وحماد عجرد زنديق، وابن رأس الجالوت الشاعر يهودي، وابن نظير النصراني متكلم، وعمرو بن أخت المؤيد مجوسي، وابن سنان الحراني الشاعر صابئي، فتتناشد الجماعة أشعاراً و أخباراً»(1).
وعلى العكس من ذلك نجد من يصر على القول إن الثقافة العربية الإسلامية ولّدت التعصب والتشدد، وإقصاء الاختلاف، والقول بتكفير المخالف للملة، وقتل المرتد، ويستشهد القائل الأول بما شهدته بغداد، في الزمن الوسيط، من إشعاع فكري ومن مناظرات، ونزعات كلامية وفلسفية، ومن جرأة في القول لدى شعرائها وكتابها، كما لا يكف يستحضر، بحنين مُلغز، التجربة التاريخية للأندلس، وقصص التعايش بين الأديان والعصبيات؛ في حين أن من يشك في هذه الوقائع يستند إلى ما قام به بعض الخلفاء والسلاطين من تمييز في حق المختلفين في الملة، من يهود ونصارى، بفرض لباس وعلامات خاصة بهم، وما عرفته الأندلس من إحراق لكتب المنطق والفلسفة، واضطهاد ونفي كلّ من يدعو إلى الحوار العقلاني، وعلى رأس هؤلاء حالة الوليد ابن رشد.
ومع ذلك لا نكفّ نسمع بأن التراث العربي الإسلامي اختزن كثيراً من مبادئ التسامح، وأنتج تقاليد حوارية يتعين استحضارها، اليوم، في أنماط تواصلنا، والحال أن قولاً من هذا القبيل يصعب ضمان استقامته بحكم أن الزمن الراهن يتحرك فيه المرء ضمن شروط جديدة في التبادل، وينتج مقتضيات مختلفة للتفاهم أو النزاع، وأن الحضارة الكونية بلورت لغات وطرقاً في التفكير والتواصل لا علاقة لها، البتة، بما عملت الحضارات السابقة، كافة، على تجريبه.
تضخم خطابي
وفي ضوء التضخم الخطابي الملحوظ عن الحوار، سيما في زمن الثورة الرقمية وتنوع وسائل الاتصال والتواصل بين الناس، تتراجع فرص الحوار أمام اجتياح نزوعات الهيمنة، ومظاهر الإملاء المختلفة، إما باسم أصولية السوق، أو أصولية الدين -كل الأصوليات الدينية- أو أحياناً، باسم شرعية انتخابية عددية تزرع الوهم لدى من ينطق باسمها أنه ملك الحقيقة والسياسة، والحال أن السياسة لا تعرف المطلقات، أو بالأحرى إذا ألصقها البعض بالمطلقات تنتج كوارث ومحناً، وتؤجج عوامل النزاع والمواجهة أكثر ممّا تفرز قواعد التفاهم والتعايش.
ويبدو أن الأحداث والانتفاضات التي جرت، و ما تزال تجري، في البلدان العربية فجّرت من سوء التفاهم، ومظاهر حوار الطرشان، وأشكال عنف جديدة أكثر مما أنتجت مقومات التأسيس للانتقال إلى الحوار العقلاني الذي، وحده، يضع مقومات ما هو مشترك ويحضنه، ويبني شروط إقامة سياسة مدنية عصرية.
قد يقال إن الخروج من التسلطية عملية شاقة، وزحزحة مرتكزات الاستبداد تستدعي زمناً قد يطول أو يقصر، حسب نوعية الفاعلين السياسيين وكفاءتهم، ومدى امتلاكهم لتصورات وبرامج، وحسب ما تسمح به السياسة من ممكنات، وهذا صحيح، غير أن طرق خلخلة أسس الاستبداد، سواء في تونس، ومصر، أو ليبيا أو في غيرها، قد فتحت باب جهنم لكل الهويات، التي كانت فرعية، أو مقصية، وتشعر بالغبن، باسم اللغة، أو المذهب، أو الطائفة، أو القبيلة، وتحولت فيها بعض هذه النزوعات المنفلتة إلى «هويات قاتلة»، أو تحمل في أحشائها بذور حرب أهلية تنزع إلى فرض شروطها على الجماعة الوطنية، كيفما كانت الوسائل والادعاءات.
لا مجال، هنا، للانتقاص من مشروعية الحقوق السياسية أو الثقافية لمختلف مكونات وفئات المجتمع، لكن عقوداً من التسلطية، ومن فرض الهوية النمطية الواحدة، وما أفرزته خلخلة بنيات الاستبداد في مسلسلات الانفتاح والعنف المتعرجّة، والمترددة، التي نشهد عليها في مختلف البلدان العربية، أبرزت قوى وظواهر سياسية وثقافية تصرّ على ممارسة السياسة باسم الدين، أو تدبر شؤون الوطن بخلفيات يحكمها منطق المذهب، أو الطائفة، أو «الحزب الأغلبي». ويحصل ذلك في سياق عام يتميز بنقص كبير في الثقافة الديموقراطية العصرية، ويفترض درجات عالية من الوعي بضرورة البحث عن التوافقات، وشروط استنبات قيم المجتمع الديموقراطي، بما يستدعيه من تدافع سلمي، ومواجهة الحجة بالحجة، والبحث عن آليات وفضاءات للحوار بمختلف أشكاله.
……………….
(1) رواه ابن المثنى، نقلاً عن محمد الشيخ، هل كانت الحضارة العربية الإسلامية حضارة حوار؟ مجلة قضايا إسلامية معاصرة، العدد 35-36، 2008).
الاستبداد.. باب جهنّم
فتحت طرق خلخلة أسس الاستبداد، باب جهنم لكل الهويات التي كانت فرعية، أو مقصية، وتشعر بالغبن، باسم اللغة، أو المذهب، أو الطائفة، أو القبيلة، وتحولت فيها بعض هذه النزوعات المنفلتة إلى «هويات قاتلة»، أو تحمل في أحشائها بذور حرب أهلية تنزع إلى فرض شروطها على الجماعة الوطنية، كيفما كانت الوسائل والادعاءات.
أول حوار
يقال إن الحوار دُشّن منذ أن تبادل آدم وحواء العلامات والكلمات الأولى، ولعله كان تبادلاً عشقياً، أو كان عبارة عن سوء تفاهم أو خصام، فلا أحد يمكنه ادعاء معرفة مضمون أو قصدية هذا الحوار، ومنذ هذا الفعل التأسيسي لم تكف البشرية عن ابتداع أساليب وقواعد حوارية يتكلل البعض منها بالنجاح، كما ينتهي البعض الآخر بالفشل.
المُحاوِر والمُفاوِض
المفاوض غالباً ما يكون له موقع رسمي، يدافع عن مصالح معسكر أو مجموعة، أو منظمة ما، وينسى آراءه الشخصية، لأنه يتدخل باسم الآخرين، وباسم من يمثلهم، ومن هو ملزم بتقديم الحساب لهم. في حين أن المشارك في الحوار، على العكس من ذلك، يتقدم اعتباراً لمسؤوليته الشخصية، وليست له صفة رسمية، أو مخوّل للتحدث باسم الآخرين، من دون أن يعني ذلك انسلاخه التام عن انتمائه الثقافي، أو الديني، أو الاجتماعي.
تشويه وتمييع
لقد تعرضت، كلمة حوار وتتعرض لكثير من الالتباس، والتشويه، والتمييع غالباً، وتستعمل في كل وقت وحين، حتى وإن عمل مستعملوها على القيام بأدوار تناقض، تماماً، ما يدعونه. وتغيب، في الواقع، حينما يكون السياق يتطلب التفاهم، وإنتاج آليات فض النزاعات، الشروط الضرورية للاعتراف.
___
*الاتحاد

شاهد أيضاً

كتاب الدين والاغتراب الميتافيزيقي

*د. عبدالجبار الرفاعي تأتي أفكارُ كتاب (الدين والاغتراب الميتافيزيقي) في سياق ما جاء في كتابي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *