الرئيسية / إضاءات / الحياة والرواية ونظرية الألعاب (1)

الحياة والرواية ونظرية الألعاب (1)



*لطفية الدليمي


القسم الاول
لأنه ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كلّه وخسر نفسه..
عبارة إنجيلية
تمتاز الرواية الرصينة بأنها لعبة ذهنية في المقام الأول بصرف النظر عن تجنيسها النوعي وتقنياتها السردية ، ولابدّ لهذه اللعبة الذهنية المحبّبة أن توظّف كماً هائلاً من الأفكار التي يلجأ إليها الكاتب من مخزون خبراته الشخصية و/ أو من معين قراءاته أو مشاهداته البصرية أو أية وسيلة أخرى تصلح وسيطاً لضخ المواد الأولية المشكّلة للأفكار التي يبتغي الكاتب الكشف عنها في سياق لعبته الروائية الذهنية . ويسري هذا “القانون” الروائي على كل الروايات المعروفة حتى تلك التي توصف بالروايات “الميتافيزيقية” أو “الفلسفية” ؛ لذا أصبح من الطبيعي أن تكون كتابة رواية رصينة عملاً متطلباً يحتاج جهوداً فائقة تتطلّب شهوراً – بل ربما سنوات – من البحث والتقصّي والتدقيق في نتف وجزئيات صغيرة ستستخدَمُ لاحقاً في البناء الروائي . وأحسب أن تلك مهمة شاقة لايقوى عليها إلا من امتلك ذلك الهوس الشغوف القادر على مغالبة أيّ شعور بالضجر وقلة الحيلة وانسداد الآفاق .
تطلّب إعداد المواد الأولية لروايتي الأخيرة – التي فرغت منها قبل بضعة أيام – نحواً من سنتين قرأت فيها يومياً وعلى نحو منتظم ومنضبط كتباً وتقارير وبحوثاً تختص بتأريخ العراق وتفاصيل مجتمعيّة وسياسية واقتصادية وأنثروبولوجية عن المجتمع العراقي وكذلك عن بعض المجتمعات المشكّلة للخارطة السياسية – الاجتماعية – الاقتصادية للشرق الأوسط ، وقد امتدّ البحث – وكما يحصل في العادة – ليتناول تفاصيل صغيرة لم تكن لتخطر على بال الكاتب في يوم من الأيام ، وهنا أودّ الحديث عن واحدة من تلك التفاصيل الجميلة التي مرّت بي أثناء مرحلة إعدادي للرواية .
تطلّبت إحدى الشخصيات الرئيسية في روايتي بحثاً علمياً في تفاصيل محدّدة ، وحصل أن قادني ذلك البحث إلى حقل علمي يدعى ( نظرية الألعاب Theory of Games ) ، وقد استهواني الدفق الدرامي الذي تنطوي عليه مفردة “الألعاب” ووجدتُني أدقق في تأريخ نشوء ذلك الحقل العلمي وتفاصيله وبلغت بي النشوة العقلية حدّاً جعلني أمضي ثلاثة أيام من القراءة المتواصلة في مصادر متعددة عن نظرية الألعاب والأب المؤسّس لها : العالم العبقري الهنغاري المولد جون فون نيومان الذي يعدُّ أحد أيقونات القرن العشرين في العبقرية والنبوغ البشري ؛ إذ يصعب أن يذكر حقل علمي رئيسي إلا وكانت للرجل مساهمات أصيلة فيه : الرياضيات وفيزياء الكم والحاسبات الإلكترونية والتنبؤ بالطقس والتطبيقات العسكرية ،،،، الخ ، وقد ابتدع الرجل نظرية الألعاب خلال الحرب العالمية الثانية كنوع من الحل العملي للكيفية المثلى التي ينبغي بها تسيير ناقلات البضائع والحمولات الأمريكية وسط المحيط وهي في طريقها إلى بريطانيا ، ووضع نيومان أفكاره هذه في كتابه الذائع الصيت ( نظرية الألعاب والسلوك الاقتصادي ) الذي نشرته جامعة برينستون الأمريكية عام 1944 ( بالاشتراك مع العالم الاقتصادي أوسكار مورغنشتيرن ) ، وقد حزنت عندما قرأت أن نيومان توفى متأثراً بمرض سرطان العظام عام 1957 وهو لما يزل بعمر الرابعة والخمسين وبعد أن قضى معظم حياته لاجئاً في الولايات المتحدة بسبب ظروف الحرب العالمية الثانية وتداعياتها القاسية ، وكم كانت رائعة تلك الكلمات التي كتبتها زوجته بحقّه بعد وفاته في تقديمها لكتابه الصغير المعنون ( الحاسوب والدماغ ) الذي نُشِر عقب وقت قصير من وفاته.
 يتبع
______
*المدى

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *