الرئيسية / نصوص / يوميات طبيب متدرّب

يوميات طبيب متدرّب


*ميغيل روال/ ** ترجمة عن الإسبانية إبراهيم اليعيشي


اليوم الأول (23 مارس 2015)
أسأل عن الدكتور بايِر. يجبونني بأنه لم يصعد بعد. ما يزال في الجلسة. يتجاوز شاب يقربني عمراً الأبواب التي تفصل مكان الانتظار في ممر وحدة الدمويات. ويسأل: أتيت مع جدي، أخذتم منه عينة الدم. أيمكنني أخذه لتناول وجبة الإفطار؟ تجيبه الممرضة: نعم نعم، الآن يجب الانتظار إلى أن تخرج نتيجة فحص عناصر الدَّم. قبل أن يعود بصحبة جده ينظر إليّ.
يتساءل. أستشفّ أن المسافة التي تفصل نظرته عني هي أكبر بكثير من جزء الممرّ الذي يوجد بيننا. حين يعود لمكان الانتظار تخترقني عيناه. أفكر أن الرداء الأبيض على كتفي يكون أحيانا بمثابة السور شديد المتانة.
تطلب مني الممرضة الجلوس. تطلب مني أن أنتظر. تشير صوب كرسي أزرق اللون داخل العيادة.
أجلس. أنتظر. أسحب من حقيبتي ديواناً لشانتال مايارْد عنوانه “جرحٌ في اللسان” وأقرأ. أقف عند الصفحة الأربعين. لا أفهم. أتساءل. أضع مستطيلا على خمس كلمات: “الصدى/ الذي ينادي على الهاوية”. أتظاهر أنني فهمت. أُعيد صياغة السؤال. يتقوّس ظهر الكرسي مثل الوقت.
[…]
المريض الأول
خوان يبلغ من العمر 82 عاما. إنه جدّ الشاب. لا يفهم. يريد أن يعرف، لكنه لا يفهم. ماذا ينتظر؟ بدأنا الحصة الأولى بالريتوكسيماب والبينداموستين. حفيده يتفهّم. يحسّ بالفخر لمرافقة جدّه إلى المستشفى ولإكماله قصة القمح والعجين والخبز. قبل أن يذهب، يُخرج خوان قنينة شراب ويقول للطبيب: إنها قنينة شراب أحضرتها لك يا دكتور.
نعود أنا والشاب لتبادل النظرات. كلانا يتعرّف على القنينة ذات اللون الأخضر الداكن وعلامة الغزال الأبيض عليها: إنها قنينة Jägermeister. نضحك صامتين بعيوننا. كل واحد منا يتذكّر لياليه مع هذه القنينة. أحيانا تكون الأشياء التي تجمع بين الأشخاص غريبة. وما يفرق بينهم أيضا. الرداء الأبيض لم يعد له أهمية.
[…]
المريض التالي
تبلغ تِريثا من العمر 76 عاما. تعاني من سرطان الدم الليمفاوي المزمن. تظل هادئة أكثر حينما يخبرها الدكتور بايِر أننا لن نخضعها للعلاج الكيميائي. تبتسم لأنها ستكون من بين المرضى الأوائل الذين سيتناولون حبوب إيديلاليسيب في إسبانيا. تؤكد أنها ستصبح شهيرة.
إنها تعاني من عقدة رقبية. أفشل في تلمسها في المحاولة الأولى. ساعتها تقول لي: “بقوة، لا تخف”. مثل هذه الكلمات كان عليّ أن أقولها أنا للمريضة وليس العكس. من يصوّر مريض السرطان على أنه شخص ضعيف، فإنه لا يعرفه. في الحقيقة وعي مريض السرطان يتضاعف مع تضاعف خلاياه.
يبحث الدكتور أيضا عن وجود عقد فوق الترقوة أو في الإبط أو في الأربية. لفحص هذه الأخيرة لا يعري المريضة. فقط يقوم بسحب بسيط للملابس. ملاية بيضاء تحمل اسم المستشفى باللون الأزرق الداكن على بشرتها. تحت بشرته هو الألياف تخفق بتوتر. الفعل يصبح شعيرة دينية. الإيمان كأنه قضيب معدني محموم. إما التمسّك وحرق اليد الممسكة به. أو تركه وأنت في المنخفض والموافقة على السقوط.
[…]
المريض الأخير
يبلغ مارتين من العمر 81 عاماً. ما يقلقه كل مرّة يأتي فيها إلى المستشفى هو أن لا يتبوّل على ملابسه في الحافلة. لهذا فإنه لا يتناول حبوب التبول -Seguril® الفوروسيميد- في الأيام التي يتوجب عليه الحضور إلى العيادة. تشخيصه، بالكاد 5 لترات. 5 أحمال تثقل كاهل رجل يثقله ماء جسده. يعاني من سرطان الغدد الليمفاوية في المعدة.
عدواني جداً، يقول لي الدكتور بايِر بصوت منخفض لكي لا يسمعه مريضه. لكن مارتين يعلم. لا يسأل. يتألّم إن وضعت يدك على بطنه. ينتظر؟ عجزه عن الدفاع عن نفسه، مثل وردة قصيرة جداً، تتفتّح فوق نقالة المرضى.
سنه 81 عاماً والكثير من السوائل حول قلبه وفي رجليه. يشير بعينيه إلى ما بين رجليه. يمسك بيده معصمه. وبصوت منخفض لكي لا تسمعه المرأة التي ترافقه. أحيانا يصبح هكذا. يحتمل الجلد علو ضغط الدم الكبير قبل أن ينهك.
نؤجل حصته للعلاج الكيميائي (جيمسيتابين + أوكساليبلاتين + ريتوكسيماب) لأنه ليس بحالة جيدة. يحس بوخز عند التبوّل. يشك الطبيب في إصابته بالتهاب السَّبيل البَولِيّ ويصف له Monurol® – فوسفوميسين + تروميثامين- 2غ، مغلفان، كل يوم واحد. الانتظار. فتح الفم. ليس للسؤال وإنما لأخذ الدواء. أو السم. والانتظار. وعدم معرفة ما الذي يجري وسط أجسادنا المفلسة. العلاج لو خلق فإنه يخرج من عدم اليقين.
[…]
أُدَوّنُ في آخر صفحة من الكتاب هذه الفكرة: أناس يسألون. أناس ينتظرون. عدم يقين. فرض الصبر. الألم؟ أحياناً نعم. أحياناً الألم أيضاً. لكن بالخصوص عدم معرفة كم سيأخذ من الوقت -لا أحد يعرف. هكذا المرض.
_________
مرة أخرى أنسى السماعة. (أتوقّف عن الكتابة. أقف وأقترب من رفوف الخزانة. إنها معلّقة بجانب كتب الشاعر روبيرتو بولونيو والشاعرة أليخاندرا بيثارنيك. لونها رمّاني. أضعها في الحقيبة. وأواصل الكتابة).
أصِل إلى العيادة في الساعة التاسعة وسبع دقائق وأفتح الكتاب المختص بالدمويات على الصفحة التي حدّدت وأنا في الحافلة. ما زلت أقرأ عن سرطان الدم النخاعي المزمن. يصبح الاقتراب نظرياً من مرض بسيطاً جداً عندما تضع له وجهاً. اسماً خاصاً ونسباً. أكتب سرطان الدم النخاعي المزمن وأقرأ خوان. 82 عاما. ولد في مايو/ أيار سنة 1932. سيعود اليوم لأخذ الجرعة الثانية من دواء الريتوكسيماب. في المرحلة الأولى يأخذ الأدوية على مدار عدة أيام. وببطء. يتعلّق الأمر بتجنب الآثار الجانبية، وردة الفعل التي يسبّبها المنقوع.
من الضروري التعوّد على السموم. في ما بعد نراه في المقصورة رقم سبعة برفقة بقية مرضانا. إنه نائم. يبوح لنا بأنه لم ينم الليلة الماضية قط. غداً سيعود لوضع البينداموستين. ويوم الخميس، مرة أخرى. تتغيّر المذابح. ويتغيّر من يديرون الإيمان. لكن لا يتغير الإيمان. ولا يتغيّر الانتظار. ولا يتغيّر أيضاً الأمل.
قبل وصول الدكتور باير أقرأ قصيدة قصيرة جدا للشاعرة شانتال مايارْد. لا أريد أن أتغافل عن درعي، الشعر. الصفحة 170. أقلب الركن الأيمن المطوي أعلى الصفحة. أشير إلى البيت الأول.”لم يعلّمونا الشك في الأشخاص الطيبين”.
يصل الدكتور. أضع الكتب جانباً. اليوم أحضرتُ معي كرّاسة لونها رمادي مفتوح لكي أسجّل ملاحظات بطبيعة الحال.
المريض الأول
أورورا. شعرها قصير وعيناها زرقاوان. يرافقها ابنها. وهو رجل ضخم البنية وجهه مدور وعيناه أكثر زرقة من أمه. تعاني من سرطان الغدد الليمفاوية الغريبي الدرجة الثانية. مرحلة – ارتشاح المثانة- أ – بدون ظهور أعراض- دون ارتشاح نخاع العظم. نقسّم المرحلة الثالثة إلى ستة أجزاء. يكتب لها الدكتور باير متى عليها أن تقوم بالفحص الدوري لعناصر الدم. يتوقف. لا. إنه يصادف أسبوع عيد الفصح. يجب أن يكون قبل ذلك. أفكّر في كمّ السخافة الذي يعنيه شلل المستشفيات في فترات العُطل.
أتخيّل عصفوراً يقطع طيرانه بغتة في السماء. أتصور كيف أن الأرض تستمر في الدوران 30 كيلومترا في الثانية تقريباً، دون أن تعيره اهتماماً بالمرة. وأتصور كيف أن العصفور بعد ثوان يُنكر عدم حركته ويواصل تحريك أطرافه. لا يكترث لكل جزئية من هذا المشهد الذي يحيط به. لا شيء يتطابق. المستشفى هو ذاك العصفور. المرض مثل الأرض، لأنه لا يتوقف. كما هو حال الجَمال، لا يرتاح -Beauty does not rest كما كتبت الشاعرة الكندية آن كارسون.
المريض التالي
يتيم. لا يخصّ الدكتور باير ومع ذلك فإن العصفور الذي يتوقف في عزّ طيرانه أراد أن يضطره للقدوم إلى عيادته. يتساءل هذا المريض بعلامات استفهام كبيرة. لا ترافقه زوجته. بل قَدِم معها، فهي التي تتكلّم عوضاً عنه بينما هو يقوم بألعاب بهلوانية بصَمْتِهِ. ينتظر. قيل له إنه سيبدأ العلاج اليوم. لكن في الحقيقة جسمه هزيل. وعلينا التعامل معه بحذر. لن يبدأ العلاج اليوم. الدكتور باير طلب بالأمس الموافقة على البينداموستين لهذا المريض. شرح لهم الدكتور أن وضع ريتوكسيماب لهذا المريض بالنسبة لنا لا يجدي… سيتأخرون بضعة أيام، ثلاثة أو أربعة أيام لتزويدنا بالدواء.
تتنفس المرأة بعمق وهي تغلق عينيها. عندما تفتحهما يكون فمها قد انفجر كأنه بالون انتفخ كثيراً ووصلت صرخاتها إلى مسامعنا. زوجها لا يزال ملتزماً الصمت. معها حق في شيء واحد. مرّ أسبوعان منذ أن شخصوا مرضه ومنذ ذلك الحين وهما ينتظران العلاج.
أيمكن لأحدكم أن يشرح لي لماذا لم يُطلب هذا الدواء من قبل؟! نحن ننتظر منذ أسبوعين! كل حالة طارئة هو أمر نسبي. الدكتور أيضا معه حق. سيدتي، هذا الدواء باهظ الثمن. يجب أن توافق عليه الإدارة أولاً. يقول الدكتور إن علينا الانتظار إلى أن توافق الإدارة على الطلب. هذا ليس أمراً متعلقاً بي. الدكتور يدافع عن نفسه لأن الذنب ليس ذنبه. هذه الحالة وصلتني بالأمس. أول مرة أرى فيه مرضه كان بالأمس. وأظن أن هذا أفضل شيء بالنسبة له.
ما جرى سابقاً أنا لا أعرفه. لكن هذا ليس ذنبي. أفكر أن هذا الأمر صحيح. وأنه فَعلَ كل ما باستطاعته فعله. لكن أهذا كافٍ حقاً؟ أتساءل. هذا ليس ذنبه؟ ليس ذنبي؟ ليس ذنب نظام ناقص نحن جزء منه؟ في الأخير يهدئها الدكتور. لو كانت المرأة سيارةً فقدت السيطرة، فإن الدكتور سيكون أثر الكبح.
بصوت منخفض، تقول: أنا لا أحملك الذنب يا دكتور، وإنما أريد أن يستمع إليّ أحد. وفعلاً. بين سؤالِ وانتظارِ المريض هناك استماعٌ. هي كلمة لمواجهة الخوف وعدم اليقين ولو كان ذلك بالصراخ. في كلية الطب يحاولون تعليمك ماذا تقول لهم ومقاطع بعينها لتهدئتهم. الإشارات. لا أحد يحدثك عما يحسّون به. ولا عن عجزهم. وعن أن تعود لجسدك وتجد كهرباءه مقطوعة. وعن هول البحث متلمساً عن مخرج وأنت تجرّ وراءك مرضك.
وقت من يجرّب الانتظار لا يمرّ بمثل سرعة من يتحكّم في هذا الانتظار. لكن هذا أيضا لا يمكن تعليمه في قاعات المحاضرات.
[…] اليوم مثل الأمس، نتحسّس العقد المنتفخة لعدّة مرضى. اليوم أجدها من المرة الأولى. من جديد الملاية البيضاء. المقدسة.
تصل لويسا في الساعة الحادية عشر. إنها طبيبة منذ أربع سنوات في قسم علم الأورام. تصادفت معها منذ عدة أعوام في ذلك القسم. أتذكر تعاملها المرهف مع جسد المريض. اليوم أكتشف فاعليتها. فكّها مربع الشكل وتلبس نظارات.
[…]
المريض التالي
سوكورو. 83 عاماً. تعاني المايلوما المتعددة وهي في طور العلاج بVelcade® + Zometa Melfalán + Prednisona.. لديها وخز وتنمّل خفيفين في يدها اليمنى. ومع ذلك ما يقلقها حقاً ليس مرضها وإنما “هذا الغم الكبير الذي أشعر به. أقضي كل اليوم في البكاء”.
ماتت ابنتها. تتعاطى Orfidal® (لورازيبام) للنوم و Seroxat® (الباروكستين) للاكتئاب. نقترح عليها أن يقوم طبيبها الرئيسي بتعديل جرعات الباروكستين لها. تتحرّك ببطء وعيناها دائما مبللة. أقول مع نفسي إن الشواهد الحقيقية ليست من الحجر. إنها مصنوعة من لحم غير معصوم من الخطأ وذكريات غير كاملة. كل واحد منا هو شاهدة حية لأمواتنا. ذكرى تضغط على أوتار الواقع. خيوط مترابطة بدون إبرة.
سُئل الشاعر فيرناندو بيلتران منذ فترة عن كيف يسمي الآباء الذين يفقدون ابناً. فأجاب: هم أيضاً يتامى.
المريض الأخير
لاودِلينو. 80 عاماً. يعاني من وجود الغلوبولين الكبروي في الدم، لوالدنستروم. يصعب عليه الجلوس. تقترب لويسا دون أن يعي أحدٌ وتحركّ قليلا كرسيه وتساعده. مُمْتنٌ لها على هذا التصرّف الإنساني. بينما الدكتور باير يصوغ التقرير، نفحصه. بعد فحص دقّات القلب لويسا تهمس لي: يعاني من قَلَس الأَبْهَرِيّ الدرجة الأولى. أنا أواصل تركيز نظري في جلد وجهه المجعد جداً. أخاديد عميقة حيث زرعت الأيام بُذورها.
______
بالأمس نمت على الأريكة. استيقظت في الساعة الخامسة وذهبت إلى السرير. استيقظتُ في الساعة الثامنة والنصف. أعرف أنني سأصل متأخراً، لكن إلى غاية الآن لا أعرف كم من الوقت سأتأخر. أطرح فكرة عدم الذهاب اليوم إلى التدريب.
أقول مع نفسي: يمكن التغيّب ليوم واحد، حضور 80 في المائة من فترة التدريب كافٍ. المشكلة هو أن هذا التدريب بالذات يعجبني. كثيراً. لديّ زملاءٌ يقضون طيلة يومهم في المختبر في التصديق على نتائج فحص عناصر الدَّم بنقرة على الحاسوب. أما أنا فأتعامل مع مرضى، أفكّر أنني أوفر حظاً منهم. تزامناً مع تفكيري في هذا الأمر تمرّ أمام عينيّ الحافلة ت1 التي كان يتوجب عليّ أن أكون أحد ركابها دون أن أستطيع فعل شيء غير انتظار عشر دقائق أخرى إلى أن تصل الحافلة التالية. وبعد ذلك خمس وعشرون دقيقة أخرى هي المدة التي ستقطعها بي. الساعة تشير إلى 9:14 . سأصل متأخراً جداً.
خياري الآخر هو الذهاب في سيارة أجرة. أذهب صوب الموقف لكنني أجده فارغاً. أستدير وأتوجه صوب موقف الحافلات التالي. أنتظر. أكتب وأنا في الحافلة الجزء الأول من اليوميات. أنا على مقربة من المستشفى. إنها الساعة التاسعة وأربع وخمسون دقيقة. ليس بالتأخير المبالغ فيه.
[…]
في ممر العيادة، تأتي كونشا وهي تعاني من ارتفاع درجة حرارتها ودون أن تتناول وجبة الإفطار. أرْهَقَهَا العلاج مجدّداً كما في المرة الأولى. يَعْكس وجهها أنها ليست على ما يرام. تَفْقِدُ وعيها في المَمر.
أخبرني الدكتور باير يوم الاثنين كيف أنها كانت تأتي منهكة في الأيام الأولى دون قوة ودون أن تتزيّن أو تلبس جيداً. يوم الإثنين الماضي ففعلت العكس، فقد أتت بعد أن وضعت زينتها ووضعت حليّها وسرّحت شعرها جيداً وأظافرها كانت في وضع مثالي. قال الدكتور باير بعد أن رآها من بعيد: إنها بحالٍ ممتازة. لكنها اليوم الخميس عادت منهكة كأنها جريحة تسير متلمّسة في ممرات القسم.
نقدّم لها عصير فواكه بعد هبوط نسبة سكرها ونجلسها. أفكّر في فقرة أخرى للشاعرة لونا ميغيل التي كتبت الكثير في ديوانها “المَعِد” عن مرض السرطان، وعن المستشفى:
“…الحياة كانت تتلخص في المصل لأن المصل هو الذهب الجديد. لم نعد
نبحث عن الألماس، نرغب في طول العمر. […] أنت تريد أن تقولها: الحياة تُتْعِبُ”.
كونشا اليوم متعبة. تريد المصل رغم أنها لا تحبّه ورغم أنها لم تتجمّل. الألم، التعب، الحمى، الهالات حول عينيها. جواهر قاسية ودون لمعان. ومع ذلك فإنها الأكثر تقديراً لكونها دليلاً على أنها ما تزال على قيد الحياة.
يظهر زوجها في ما بعد ويُحْضِرُ لها شطيرة من الكافتيريا. عندما تستدير الممرضات، يداعب خدّها بواسطة سبابته.
[…]
أتوجّه في الساعة الحادية عشرة إلى المختبرات للبحث عن إليسا، الأستاذة التي تشرف على فترة التدريب في وحدة الدمويّات. سيسافر الأستاذ باير هذا المساء وغداً لن يكون هنا ليوقّع ورقة التقييم. تبعد المختبرات زهاء الخمس دقائق عن العيادة وقرابة العشر دقائق إذا كُنتَ لا تعرف مكانها بالتحديد كما هو حالي. أتوقّف في طريق العودة في الكافتيريا المخصّصة لأطقم الموظفين وآخذ معي كأسيْ قهوة، آخذ سكراً للدكتور أيضاً.
كتبتْ سيمون ويل في يومياتها هذه الجملة “أفعال عديمة الشأن يكون لها وقع عظيم”. أتذكر هذه الجملة بعد أن أكتشف مبلغ ما عناه هذا الفعل الصغير للدكتور. لم يُحضر لي أحد قهوة قط، لا الزملاء ولا الأطباء المقيمون ولا الطلبة. إطلاقا.
أبتسمُ بين خجول ومفتخر: غير مكترث بعض الشيء، لأنني لم أفكر في أي لحظة في مفعول إحضار قهوة للشخص الذي كان معلّمي خلال عدة أيام وحاول قدر ما استطاع تعليمي كلّ ما أمكن عن عمله، واعٍ كل الوعي بأنني في المستقبل أريد أن أُشْعِرَ مرضاي هكذا. يحكي الطبيب الواقعة لأحد الممرضين الذي لا يفهم إطلاقاً. ويقول مع نفسه على الأرجح: لكن القهوة موجودة في قاعة الموظفين…
[…]
المريض التالي
بنخامين وكنيته إروس. يعاني من سرطان الدم النخاعي الحاد. يُبْحثُ له عن مانح متوافق للقيام بزراعة الأسلاف المكوّنة للدم. لديه 70 في المائة من الأَرومَة (خلايا غير ناضجة) في نِقْي العَظْم ومن الممكن أن يكون مصاباَ بتليّف هذا الأخير. يأتي كل 48 ساعة إلى المستشفى لكي نقوم بفحصه وننقل له الصفائح الدموية إلى أن يُبتّ في أي علاج سيخضع له بينما ينتظر مانحاً.
من بين عوامل سوء توقعات سرطان الدم النخاعي الحاد بلوغ المريض 60 عاماً. في سجلاته الطبية يضع أنه في سن 59 عاماً. عندما يخرج من العيادة، نعلّق أنا ولويسا على أنه يبدو طاعناً في السن. لا أقول له هذا الكلام، لكنه يذكّرني بجدي الذي بلغ 82 عاما ومات قبل أسابيع في هذا المستشفى بالذات. لن نتحّدث عمّا يعنيه هذا الأمر.
[…]
بعد أن وقّع ورقة التدريب، يبدو أنه ما يزال شاكرا لي على القهوة؟ يجد حينها تحت الطاولة قنينة الشراب التي أهداها له خوان يوم الإثنين. يقدمها لي بودٍ. أنت تعرف ما هي؛ اشربها بصحتي. أحتفظ بها في الحقيبة بجانب الرداء المطوي. وعليهما السماعة ذات اللون الرمّاني. نودّع بعضنا بعضاً. أتعهّد بالعودة.
__________
* شاعر إسباني من مواليد أوفيدو بشمال إسبانيا عام 1992
– المصدر: العربي الجديد

شاهد أيضاً

رسائل الاسكندر إلى أمّه لم تُنشر من قبل

ثقافات – مرزوق الحلبي 1. لا تصدّقي يا أمّي أنني فتحتُ الهندَ والسندَ وأن الممالكَ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *