الرئيسية / مقالات / دبابة بوتين … وأمين معلوف

دبابة بوتين … وأمين معلوف


*عبده وازن


بينما كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يقدم لرئيس وزراء دولة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتانياهو دبابة إسرائيلية هي من غنائم الجيش السوري في معركة العام 1982، كهدية ثمينة في الذكرى الخامسة والعشرين لاستئناف العلاقات الروسية – الإسرائيلية، كانت اللجنة اللبنانية للمقاطعة الثقافية والأكاديمية لإسرائيل تصدر بيانا «تخوّن» فيه الكاتب اللبناني الفرنكوفوني أمين معلوف لإطلالته القصيرة على شاشة قناة «إي 24» الإسرائيلية. لم تُصدر أي جهة عربية مناوئة لـ «التطبيع» بيان استنكار أو احتجاج ضد روسيا وبادرتها الخبيثة واللئيمة والتي تخفي في صميمها احتقاراً للنضال العربي ضد إسرائيل. حملة التخوين استهدفت الكاتب اللبناني والعربي والعالمي أمين معلوف متهمة إياه بـ «التطبيع» الثقافي مع العدو الإسرائيلي وطالبته بـ «الاعتذار» من الشعب العربي قاطبة، وهذا يعني الاعتذار من جبهة الصمود والتصدي ومن النظام السوري وحزب الله اللذين يكادان يحرران الأرض السورية وليس فلسطين من «العدو»، متحالفين مع روسيا الصديقة الأوفى لإسرائيل.
لم تنتبه «شرطة» مراقبة «التطبيع» إلى الدبابة التي قدمها بوتين إلى حليفه نتانياهو والتي كان غنمها جيش البعث السوري بالمصادفة حتماً، عشية انسحابه المخزي من ساحة المواجهة مع الجيش الإسرائيلي عند اجتياحه جنوب لبنان وبيروت عام 1982، وسمى بعضهم هذا الانسحاب فراراً أو هروباً من المعركة. وحينذاك تولّت المقاومة اللبنانية اليسارية والمقاومة الفلسطينية التصدي لجحافل الجيش الإسرائيلي. لم يثر التقديم المهين لهذه الدبابة – بصفتها رمزاً عربياً – هدية لإسرائيل، حفيظة جبهة مقاومة «التطبيع» فهي كانت مشغولة بصيدها التخويني الثمين. أمين معلوف «طريدة» مهمة تمنح مقاومة «التطبيع» مزيداً من الشرعية وتدعم مشروعها عربياً. أما هدية روسيا إلى الدولة والشعب الإسرائيليين فيمكن تجاهلها ما دامت روسيا تدعم النظام السوري وحزب الله في تدميرهما سورية وتهجير شعبها، متعاونة علانية مع إسرائيل استخباراتياً وعسكرياً.
ربما أخطأ أمين معلوف في إجرائه الحوار القصير مع القناة الإسرائيلية «إي 24»، لكنّ من يشاهد الحلقة عبر اليوتيوب يدرك أن معلوف براء من التهم الجاهزة والمفبركة التي كيلت له وأن إطلاقها عليه ضرب من التحامل والعبث والغوغاء… لم يلفظ صاحب «ليون الإفريقي» كلمة إسرائيل بتاتاً ولا كلمة «التطبيع» بل هو توجه في كلامه إلى جمهور فرنسي وفرنكوفوني متحدثاً عن كتابه الفرنسي جداً «مقعد على نهر السين» الذي عرف نجاحاً كبيراً نظراً إلى فرادته وغوصه في تاريخ الأكاديمية الفرنسية العريقة من زاوية طريفة ومبتكرة. فهو تناول تاريخ المقعد الرقم 29 الذي يشغله ويتطرق إلى أسلافه الذين جلسوا عليه ومنهم أسماء كبيرة جداً من أمثال: مونتسكيو وكورناي وإرنست رينان وهنري دو مونترلان وكلود ليفي ستروس… كان معلوف ذكياً في حواره مع التلفزيون الإسرائيلي الذي يبث بالفرنسية والإنكليزية والعربية، فهو أظهر أهمية الموقع الذي يحتله في الأكاديمية بصفته لبنانياً وفرنسياً في آن، ومساهمته البارزة في المعجم اللغوي الموسوعي الذي تعده الأكاديمية وتوقف على كلمة «واحد» التي هي حرف وكلمة متطرقاً إلى ما تختزن من رموز. وغالب الظن أن الجمهور الإسرائيلي ليس ليرضى عن إطلالة معلوف هذه التي تضعه في موقع ثقافي متقدم جداً يخدم وطنه الأول والأخير: لبنان. فرنسا تحتفل بأمين معلوف وتمنحه أرقى جوائزها وهي «غونكور» عن أكثر رواياته لبنانية «صخرة طانيوس» وتختاره عضواً في أعرق مجامعها اللغوية «الأكاديمية الفرنسية» أو «مجمع الخالدين»… أما نحن فنخوّنه لارتكابه خطأ طفيفاً لا يصب في مصلحة إسرائيل. أمين معلوف كان ولا يزال أميناً على تراثه المشرقي، اللبناني والعربي، على الحضارة الإسلامية والمسيحية التي ينتمي إليها، وفي كتابه «الصليبيون كما يراهم العرب» منح القدس أجمل صورها إسلامياً وعربياً. لم يزر صاحب «حدائق النور» دولة الاحتلال الإسرائيلي ولم يحصل على جائزة إسرائيلية ولم يشارك في مؤتمر تنظمه أو ترعاه إسرائيل… أمين معلوف فوق كل هذه الصغائر وليس في نيته سلوك الطريق إلى «نوبل» عبر البوابة الإسرائلية كما فعل ويفعل الكثيرون وبينهم كتاب عالميون كبار وكبار جداً.
كان أمين معلوف مهذباً جداً في رده عبر الفيسبوك على حملة «شرطة» التطبيع والمقاطعة بل كان حضارياً وبدا رده طالعاً من صميم دعوته إلى الحوار ورفض عنف «الهويات القاتلة». لم يذكر التخوين ولا الذين خوّنوه رافضاً الاعتراف بمثل هذه «الترهات» التي يعلم جيداً أنها لا تنال منه ولا من مشروعه الشامل، الروائي والحضاري. كتب معلوف في الفيسبوك قائلاً بتواضع كلي: «ننساق وراء السهولة ونصنف البشر أجمعين بكل اختلافاتهم في الخانة نفسها وننسب إليهم من باب السهولة كذلك، جرائم وأفعالاً جماعية…».
بين «هدية» بوتين المخزية والمهينة لنا كعرب وتخوين أمين معلوف، تبدو حملة مناهضة «التطبيع» كأنها تتلهى بالضحايا البريئة متجاهلة ما هو أخطر وأدهى. روسيا لم تُعد إلى إسرائيل الدبابة فقط بل أكدت أنها حليفتها في حربنا التي نخوضها كعرب ضد أنفسنا.
______
*الحياة

شاهد أيضاً

مدن أم عناقيد قرى!

*خيري منصور ما كتب عن مفهوم الملدنية ونشوئها في الغرب يندر أن نجد ما يماثله …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *