الرئيسية / نصوص / قصة الرائحة

قصة الرائحة


* حسن عبد الموجود


أقصوصة موضوعها الرائحة، إنها تمرين على الشم بطرائق عدة والرائحة المسمومة نصها وفضاؤها.
شقتي الجديدة تذكرني بالجيولوجيا، ما إن أغيب يومين عنها إلا وأجد طبقات مختلفة من الدقيق والرمال والتراب، نائمة فوق بعضها بعضا، كأنها دخلت بالتوازي، وفى مواعيد محددة. طبقة فوق أخرى، مثل طبقات القماش الخام على أرفف دكان مينفاتورة. لم أعد قادراً على تمييز الروائح في شقتي من فرط تعددها، في خلفية عمارتنا مستودع جير ورمال، أسفلنا مجموعة من العطارين. كنت دائم السعال بسبب روائح البهارات، وغبار الجير، والرمال، فقدت قدرتي تماماً على تمييز الروائح، ولكن صوت رئتيَّ كان يؤكد لي أن أنفي تعايش مع تلك الروائح، وليلاً حينما كان الهواء يحرك أحد الأبواب ويصدر صريراً لم أكن أميز الفارق بينه وبين صوت رئتيَّ أحياناً.
سيطرت عليَّ فكرة الرائحة، وعدم قدرتي على التمييز، كنت أقرَّب كوب الشاي الساخن من أنفي، وأستنشق البخار، وكنت أشعر بسعادة بالغة حينما تتسلل الرائحة – وحتى ولو كانت خافتة – إلى عقلي، سيطر عليّ هاجس أنني أفقد – بالتدريج – حاسة الشم، وصارت عادة لي شم كل الأشياء في محيطي، ملابسي، وأحذيتي، وأطباقي، وحقائبي، وسريري، كانت الرائحة تفلت إلى عقلي أحياناً ولكنها – معظم الوقت – كانت تتوقف أمام جدار وهمي قبل أنفي مباشرة. اعتدت أيضاً عدم تنظيف أسناني. في الماضي بقاء «نسيرة لحم» أو حتى حبة أرز، بين سنَّتين، أو داخل تجويف ضرس كان يؤذيني، ولكنني أتعمد الآن تركها حتى تتعفن، ثم أنتزعها واضعاً إياها بالقرب من أنفي، ذلك هو الشيء الوحيد الذي كان يؤكد لي أنني ما زلت أمتلك حاسة الشم. رائحة العفونة كانت أقوى من كل الروائح الأخرى، كانت نافذة وسميكة، وفي اللحظة التي تخترقني أغلق عينيَّ كأنني أشم رائحة عطر ساحرٍ ينبعثُ من امرأة جميلة. طورت بمرور الوقت، من قدرتي على استخلاص روائح العفونة بأقل عدد من الحركات، وفي أقصر وقت ممكن، إذ أنني أكون أحياناً وسط زملاء العمل، في الشقة أكون على راحتي، وأتعمد عدم الاستحمام لساعات طويلة ثم أضع إصبعاً تحت إبطي مستخلصاً العرق من غابة الشعر الكثيفة ثم أقربه من أنفي، ثم صار الإصبع اثنتين وثلاثاً، أصبحت نهماً للرائحة العفنة، ثم اتجهت إلى خصيتيّ، كانت رائحة العرق اللزجة المنبعثة منهما نفاذة، وكانت مرة واحدة في اليوم كافية لإبعاد الهواجس عن رأسي، كأنما ألقيت حجراً باتجاه شجرة فهربت كل العصافير التي تستريح بها.
في بعض الأوقات كنت أستحم خصوصاً لحظة ممارسة الجنس مع جارتي، كانت تحرص على نظافتها، وبالتالي كنت أحرص على نظافتي، ولكنها كانت تتعرق بشدة، وكنت أختلس ضربات منظمة من أصابعي ومنها إلى أنفي، وكنت أشعر بمزيد من الإثارة لو كانت الرائحة قوية، أو أتعمد إنهاك جارتي، وقد أصبح التأخير عنواناً لممارساتنا، خصوصاً أن عقلي مشغول أكثر بهواجسه، ولاحظت هي الأمر مرة وسألتني إن كانت رائحتها غير نظيفة فقلت لها إنها المرأة الأكثر نظافة على الأرض، وإن ذلك يمثل عادة لي، وهكذا كانت تمعن – خلال المرات التالية – في النظافة، وأمعن في إجهادها حتى تتعرق وتغرق الملاءة أسفلنا.
تفننت – بعد ذلك – في إيجاد الروائح العفنة، من بقايا أنفي، ومن العرق الذي يسيل من رأسي، ومن أصابع قدمي، وأبحث عن الصمغ في أذنيَّ، وكنت أترك بقايا الطعام في الأطباق حتى تتخثر، ثم أبدأ في تنظيفها بأصابعي، حتى أحشو أظافري بها وأشمها. كانت علب الطعام المنتهية الصلاحية منتهى سعادتي، وحينما كنت ألقي أكياس القمامة السوداء خارج شقتي – بعد أن تصبح مثل جثث – كان الأمر يبدو كأنما أُشيِّع أعزاء إلى مثواهم الأخير. ولكن وسط هذا، فجأة، وأثناء عودتي من العمل ذات مرة، عاد أنفي إلى العمل والتمييز، عدت إلى شم الروائح بجلاء، شممت رائحة البهارات، وأيضاً ميزت رائحة الجير، وقربت أنفي من قميصي فهزتني رائحة عطري، بدت قاتلة بوضوحها، كنت أميزها في السابق من بعيد، ولكنها الآن تجلدني بسماكتها. قررت في تلك اللحظة ألا أستسلم. نزلت مسرعاً إلى الشارع، وسرت حتى منطقة قريبة، حيث مجموعة أخرى من البنايات الكالحة وأسفلها نهر من المجاري تحوم فوقه بقليل مملكة من الذباب، اتجهت إلى الأحجار المتناثرة التي يستخدمها السكان في التنقل، وتوقفت في منتصف النهر، ثم أغلقت عيني، وأخذت نفساً عميقاً.
(كاتب مصري)
(]) من مجموعة قصصية بعنوان «السهو والخطأ» تصدر قريبا
______
*السفير الثقافي

شاهد أيضاً

الحبّ شرير… في فلسطين!

خاص- ثقافات *ابراهيم نصر الله لم يكن خطأً ولا صواباً كان ذئباً وهذا أجملُ ما …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *