الرئيسية / إضاءات / الكتب… ما زالت مهمّة

الكتب… ما زالت مهمّة


هولي لين باين


بعد تخرجي في الجامعة، تعرّضت لحادث تصادم وظللت عاجزة عن المشي طوال سنة تقريباً. ولأنني كنت أمضي ساعات طويلة في السرير قبل عصر الإنترنت، لم يتبقَّ لدي سوى الانكباب على القراءة والكتابة.
أهدتني صديقتي نسخة من كتابThe Alchemist {الخيميائي} بغلاف قرمزي بارز يحمل هرم العين الثالثة المحيّر. كانت صفيحة وبراغٍ من التيتانيوم تثبت عظم فخذي وتمنعني من الحركة، إلا أن هذا الكتاب هزّني وأثر فيّ بعمق، فدفعني إلى أن أحقّق حلمي الأكبر وأصبح كاتبة.
أدركت مدى تأثير رواية جيدة واحدة في حياتي، فقررت أنا وزميلاي بول ستيف وجوش كونفيزر فهم علاقة الولايات المتحدة بالكتب. وهكذا بدأنا بحثنا بتمويل من منحة حصلنا عليها من مؤسسة العلوم الوطنية بفضل مساهمة شركتنا في التشجيع على مطالعة الكتب.
طوال ستة أسابيع، أجرينا مقابلات مع مئة قارئ ينتمون إلى خلفيات وأعمار مختلفة ويقيمون عموماً في منطقة {باي أريا}.
بدأنا بخطوة بسيطة. أردنا معرفة الطرائق التي يعتمدها الناس للحصول على الكتب. ولكن انتهى بنا المطاف إلى اكتشاف قصص مشوقة عن عشق الناس للمطالعة، ذكريات عن مطالعتهم في الطفولة، وأخبار عن كتب ساعدتهم في تخطي الأوقات العصيبة في حياتهم وأنقذت حياتهم فعلاً.
نعم، قصص حميمة مجنونة وكلها عن الكتب.
تبقينا على تواصل
عندما تسأل قارئاً عن الكتب التي يحبها، تلاحظ تبدلاً سحرياً فيه. عندما يتحدث الناس عن الكتب التي يفضلونها، لا يقتصر كلامهم على الكتب بحد ذاتها، بل يتطرّقون أيضاً إلى تجاربهم، حياتهم، وما عاشوه من صدمات وقصص حب. هكذا، يؤكدون صحة الكلمات التي صورت آنا كويندلن من خلالها قوة القراءة: «في الكتب، أسافر لا إلى عوالم أخرى فحسب، بل إلى ذاتي أيضاً. أكتشف من كنت وما أريد أن أكون، ما أطمح إليه، وما أتجرأ على أن أحلم به…».
صحيح أن القارئ قد يعلّق على اللغة ويتحدث عن مدى حبه للكتابة أو قد يتذكّر مشهداً أثّر فيه، إلا أن التواصل أعمق من ذلك. في الحديث عن رواية مماثلة، أخبرتنا قارئة أنها مستعدة لدفع {مليون دولار لتطالع ذلك الكتاب مجدداً} فقد عشقت أسلوب الكتابة وأحبت القصة. إلا أن الأهم من ذلك أنها اكتشفت في تلك الصفحات أمراً عن والدها، عزّز تقديرها له، وسمح لها بتمييز عقده وفهمه بشكل أفضل. وهكذا تحوّلت الكتب إلى الحبل الذي أبقاهما على تواصل طوال حياته.
سمعنا قصصاً كثيرة، أوصافاً مميزة، وأخباراً عن تلك الرائحة اللطيفة العطرة التي تعبق في المكتبات المفصلة وأصوات الجلد المتشقق على كراسي المطالعة التي احتفظت بها العائلات طوال أجيال. وفي غضون ساعة، أطلعنا البعض على مسائل لم يسبق أن أخبروها لأحد. نتيجة لذلك، عانقنا معظمهم في نهاية المقابلة، فشعرنا بأننا أصبحنا أصدقاء بسرعة تجمعنا علاقة متأصلة في مسألة مهمة، حقيقة ودائمة.
الكتب بوابة
أدركنا أننا، بسؤال القراء عن أهمية الكتب في حياتهم، سمحنا لهم بإخبارنا لمَ هي مهمة بالنسبة إليهم كأفراد. يشكّل الكلام عن كتاب أثر فيك بعمق وسيلة ممتازة لتُظهر للآخرين هويتك: ما تعتبره مهماً لعقلك وقلبك. وهكذا تتحوّل الكتب إلى بوابة تكشف لك جوهر الإنسان. فكان ما أخبرنا به القراء عفوياً، حقيقياً، وعميقاً، ما ولّد لديهم شعوراً بالغبطة. قالت لنا قارئة: «أشعر كما لو أنني أتحدث إلى طبيبي النفسي»، ثم شكرتنا لأننا لم نطلب منها المال لقاء هذه الجلسة.
لكن اللافت حقاً أن القراء الذين قابلناهم غادروا وهم أكثر سعادة، رفعوا أيضاً معنوياتنا. أوليس هذا سحراً؟ ربما، إلا أننا نشهد تبدلاً ما، عندما يروح القراء يتحدثون عن كتب يحبونها.
دفعتني مطالعة The Alchemist إلى فهم العالم غير المرئي والتعرف إليه. جعلتني أومن بالسحر، المعجزات، والإمكانات. وهكذا تحولت الحكمة التي يحتوي عليها الكتاب إلى أساس عملية شفائي ومهدت أمامي درب رحلة جديدة هدفها مساعدة الناس في العثور على الكتاب المناسب في الوقت المناسب. وكما تذكر إحدى كاتباتي المفضلات آن لاموت في شريط Booxby المصوّر، “ما كنت لأحظى بحياة مميزة، لو لم أكن إنساناً يعشق الكتب”.
* كاتبة، مؤسسة Booxby، ومديرتها التنفيذية.
___
*جريدة الكويت

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *