الرئيسية / «أنا أستطيع أن أتكلم».

«أنا أستطيع أن أتكلم».


*أوسامو دازاي / ترجمة: ميسرة عفيفي



ولد أوسامو دازاي «اسمه الحقيقي شوجي تسوشيما» في 19 يونية 1909 لعائلة غنية من كبار الملاك في محافظة أواموري شمال شرق اليابان وكان الطفل العاشر بين أحد عشر طفلاً لوالديه. كان والده عضوا في البرلمان الياباني عن قريته ولازال ذلك المقعد حكرا على عائلة تسوشيما حتى الآن ويشغله حاليا، جون تسوشيما، حفيد دازاي من ابنته الكبرى سونوكو. كان متفوقا في دراسته حتى المرحلة الثانوية رغم أنه كان في نفس الوقت يهوى اللعب ومشاغبة زملائه، وكان أيضا محبوبا بين أقرانه. في السادسة عشرة من عمره وبسبب تعلقه بأدب ريونوسكيه أكوتاغاوا كتب أول أعماله الأدبية بعنوان «آخر وصي للعرش» ونشرها في مجلة مدرسته. في الثامنة عشر من عمره استمع إلى محاضرة من الكاتب ريونوسكيه أكوتاغاوا في مدينة أواموري، وسبب انتحار أكوتاغاوا في نفس العام صدمة عنيفة له. بدأ مستواه الدراسي ينخفض تدريجيا بعد أن كان من المتفوقين وذلك بسبب تردده على محلات اللهو ومرافقة بنات الغيشا، ووصل الأمر إلى طرده فيما بعد من جامعة طوكيو الإمبراطورية بعد تكرر رسوبه ورفض أخيه الأكبر الاستمرار في إمداده بالأموال اللازمة لمصاريف الدراسة.



انخرط منذ بدايات شبابه في الحركة الماركسية، وقبض عليه أكثر من مرة بسبب نشاطه السياسي، إلى أن قرر في عام 1932 الابتعاد تماما عن أي نشاط سياسي أو معادٍ للقوانين. كان دازاي مدمنا على المخدرات، ومقارعة الخمر واتخاذ عشيقات من النساء. وكان مغرما بالانتحار الثنائي مع امرأة، وحاول ذلك عدة مرات فشلت جميعها إلى أن نجحت المحاولة الأخيرة مع عشيقته تومئه يامازاكي، بإلقاء نفسيهما في مجرى قناة تاماغاوا غرب طوكيو، واختفت الجثتين لمدة ستة أيام إلى أن تم العثور عليهما في 19 يونيو من العام 1948، وهو اليوم الذي كان من المفترض أن يكمل فيه دازاي 39 عاما من عمره.
«المترجم»
المعاناة هي ليل الخنوع… وصباح اليأس. هل هذه الدنيا هي تأدية فريضة اليأس؟ أم أنها احتمال الوحدة؟ فها هو الشباب يتآكل يوما بعد يوم، والسعادة تجدها في الطرقات الخلفية لتضيع منك سريعا.
لقد أصبتُ بالخرس الشعري وفقدتْ أشعاري صوتها، وظللتُ لفترة من الوقت في طوكيو غارقا في حياة لاهية بلا عمل، وأثناء ذلك وبسبب كتابتي شيئا فشيئا لأعمال ليست من قبيل الشعر، ولكنها مما يمكن أن نطلق عليه «همسات الحياة المعيشية»، تدريجياً بدأتْ تتضح معالم الطريق التي يجب أن أتبعها في مسيرتي الأدبية، وبدأتُ من خلال تلك الأعمال أحصل على بعض الشهرة وأدركتُ بعضا من الوضع الأدبي العام، فحصلت على قليل من الثقة بالنفس، ولذا عزمتُ على البدء في كتابة رواية طويلة كانت من ضمن خططي التي وضعتها من قبل.
وقد استأجرتُ في شهر سبتمبر من العام الماضي الطابق الثاني من محل شاي ونُزل يسمى «تنْكاجايا» يوجد على قمة جبل ميساكا بإقليم كوشو، وهناك أنجزتُ العمل رويدًا رويداً. ووجدت أنني كتبتُ ما يقرب من مائة صفحة، وعندما أعدتُ قراءة ما كتبت، لم يكن العمل سيئا. فحصلت على قوة جديدة، وفي يوم هبّتْ فيه ريحٌ خريفية قوية على جبل ميساكا، أخذتُ عهدا على نفسي – من تلقاء نفسي &ndash بعدم العودة إلى طوكيو قبل إكمال الرواية للنهاية.
ثم اكتشفتُ أنني أخذتُ على نفسي عهدا في منتهى الغباء. لقد مرت الشهور، سبتمبر وأكتوبر ونوفمبر، وأصبحتْ البرودةُ في ميساكا لا تُحتمل. وتوالت وقتها الليالي وقلبي يشعر بالوحدة والقلق. ووقعتُ في حيرة شديدة من أمري، فرغم أنني لم أقطع العهد لأحد، بل كان عهداً لنفسي، إلا أنني شعرت أن مجرد الرغبة في العودة سريعا إلى طوكيو، تعتبر إثما شنيعا، حتى لو لم أخلف العهد، ولذا ترددتُ في الأمر وتقطعت بي سبل التفكير فوق قمة الجبل. ثم عزمتُ على الهبوط من الجبل إلى مدينة كوفو، فكوفو ستكون أدفأ نوعا ما من طوكيو، ويمكنني هناك قضاء هذا الشتاء في صحة جيدة.
نزلتُ إلى مدينة كوفو. لقد كُتب لي عمر جديد بقراري هذا، فلقد اختفى السعال الغريب. ثم استأجرتُ في نُزلٍ يقع على أطراف مدينة كوفو، غرفة تزورها الشمس بشكل جيد. وعندما جلستُ أمام المكتب استعدادا للعمل، تقينتُ أنني فعلتُ الأمر الصحيح. وتقدمت في العمل جزءا بعد جزء. وفي ظهيرة أحد الأيام، وبينما كنت قبالة المكتب أقوم بالعمل، سمعتُ صوت غناء جماعي لمجموعة من الفتيات. أعطيتُ قلمي قسطا من الراحة، وأسلمتُ أذني لسماع الغناء. يوجد على الجانب المقابل للنزل مصنع خيوط لا يفصلهما إلا الطريق الضيقة بينهما. كانت عاملات المصنع هن اللائي يغنين أثناء العمل. وبينهن فتاة ذات صوت حسن بشكل مُلفت، هي التي تقودهن في الغناء. كانت كالطاووس بين الديوك كما يقول المثل. يا له من صوت رائع! رائعٌ لدرجة شعرتُ بالرغبة في توجيه الشكر لها. بل وشعرت برغبة في تسلق أسوار ذلك المصنع، لمجرد إلقاء نظرة خاطفة على صاحبة الصوت.
يوجد هنا رجل في وحدة قاتلة، لا تدرين كيف أنقذ غناؤك يوما بعد يوم ذلك الرجل، أنتِ بالطبع لا تعلمين ذلك، ولا تدرين كيف شجعتِني وأسديتِ جميلا إلى عملي، أريد أن أشكرك من أعماق قلبي. فكرتُ أن أكتب ذلك في ورق متفرق وألقي به من نافذة المصنع كالمنشورات.
ولكن لو فعلتُ ذلك من المؤكد أن فتاة المصنع ستصدمها المفاجأة، وستكون معضلة لي، لو فقدتُ صوتها بسبب ذلك. سيكون إثماً كبيراً، لو كان تعبيري عن الشكر سببا في جفاف نبع ذلك الغناء البريء. ظللتُ وحيدا أتقلب في القلق والخوف.
ربما يكون… حبًا. في ليلة هادئة من ليالي شهر فبراير الباردة.
حدثت فجأة جلبة، سببها صياح أحد السكارى في طريق المصنع الضيقة. فأصغيتُ السمع:
«ل… ل… لا تسخري مني! ما الغريبُ في أمري؟ لا يوجد ما يجعلني أضحوكة لمجرد أنني شربتُ الخمر التي نادرا ما أقربها. I can speak English. لقد ذهبتُ إلى مدرسة ليلية. أكنتِ تعلمين يا أختاه؟ لا تعلمين، أليس كذلك؟ أنا أتردد سرًا على مدرسة ليلية كل يوم بدون علم أمي. فيجب أن أصبح شخصا عظيما. ما الغريب في الأمر يا أختاه؟ ما الذي يجعلك تضحكين هكذا؟ ومع هذه الحالة يا أختاه، فأنا سألتحق بالجيش. عندها أرجو ألا تصيبك الدهشة. فأخيك الصغير السكير يستطيع العمل مثل باقي الرجال! عذرا… كنت أكذب، لم يتقرر بعد ذهابي للجيش. ولكن انظري يا أختاه!
I can speak English. Can you speak English؟ Yes، I can.
يا لروعة تلك اللغة الإنجليزية. أختاه، قولي لي بوضوح: «أوه يا لك من أخٍ صالح!» هيا… قوليها لي، إن أمي لا تفهم شيئا!…».
فتحتُ شُرّاعة النافذة الورقية قليلا، وألقيت نظرة على الطريق أسفل غرفتي. ظننتُ أنها شجرة برقوق ذات زهور بيضاء، ولكن كان الأمر مختلفا. كان معطف مطر أبيض اللون يرتديه ذلك الأخ الصغير. كان الأخ الصغير يرتدي معطف المطر هذا في غير وقته، ويقف ملصقا ظهره في سور المصنع تماما، وفوق السور إحدى فتيات المصنع تطل بنصف جسمها الأعلى من نافذة المصنع، وتراقب بقلق أخيها الأصغر وهو في حالة سُكْر.
كان القمر ينير السماء، ولكن رغم ذلك لم أستطع أن أرى بوضوح ملامح وجه ذلك الأخ الأصغر، ولا ملامح وجه فتاة المصنع كذلك. كان وجه الأخت الكبرى مدورا يميل قليلا إلى البياض، وكانت تضحك على ما بدا لي. أما وجه الأخ الأصغر فكان يميل إلى السمرة، ويبدو وجها طفوليا. هجمت عليّ بشراسة كلمة (I can speak) الإنجليزية من فم ذلك السكّير. «في البدء كانت الكلمة»… «كلُ شيء به كان». كنتُ وكأنني أتذكر فجأة أشعارا نسيتُها. كان مشهدا طفوليا ساذجا، ولكنه بالنسبة لي يصعب نسيانه.
لا أعلم هل كانت فتاة المصنع في تلك الليلة هي نفسها الفتاة ذات الصوت الحسن أم لا. ربما لم تكن هي.
……………………….
* نُشرت في مجلة «واكاكوسا» عدد فبراير 1939.
المصدر: الاتحاد الثقافي

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *