الرئيسية / مقالات / بين دولة الرئيس ودولة القهوة

بين دولة الرئيس ودولة القهوة


*بسمة النسور


خاطب الراحل مؤنس الرزاز رئيس وزراء في الأردن بكلمة أستاذ، فاحتج قائلاً بود: حرام عليك يا رجل، دفعت عمري كله لأحظى بلقب دولة الرئيس… فردّ مؤنس ممازحاً: أعتذر، لأن الدولة الوحيدة التي أعرفها هي دولة القهوة. فضحك الرئيس مطولاً، واعتبر الحكاية في سياق شخصية مؤنس المتفرّدة. تذكّرت هذه الحكاية بمناسبة سيل التهاني الجارف الحافل بخطاب تفخيميٍّ مبالغٍ به لأعضاء الحكومة الأردنية المشكلة حديثاً. وفي السياق نفسه، لا بد من استذكار إنجاز الحكومة الأردنية عام 1954، حين أصدرت قانوناً تقدمياً إنسانياً مستنيراً سابقاً عصره، تمت المصادقة، بموجبه، على إلغاء التعاطي بالألقاب على اختلاف درجاتها، واعتبرته تقليداً رجعياً متخلفاً، يعود، في جذره، إلى مخلفات العهد العثماني الذي كرّس الفرقة، آنذاك، بين أفراد مجتمع قبلي فلاحي متكافئ وبسيط، كما عزّز مفهوم الطبقية الجائر وصّنف البشر من أبناء العشيرة الواحدة إلى إقطاعيين برتبة باشاوات ومرابعين جوعى كادحين منهوب عرقهم، من دون أدنى رتبة إنسانية، تحمي أرواح أبنائهم المساقين كذبائح إلى سفر برلك، وقودا لحروبٍ لا تعنيهم. 
تمت تلك الخطوة المتقدمة والجريئة، في مرحلة الخمسينيات، في ظل ترحيبٍ كبيرٍ من الفئات المتعلمة المثقفة سياسياً المتبنية المفاهيم اليسارية الاشتراكية في زمن نهوض فكرة القومية التي كانت، في وقتها، قابلة للتصديق، حيث اعتبر استمرار التداول بالألقاب مخالفةً صريحةً لأحكام القانون.
ولا يسع الواحد منا، في اللحظة الراهنة، بنتائجها المؤسفة غير المرتبطة بتلك المقدمة التنويرية، سوى التحسّر على قانونٍ كهذا، نص وعمل على الحد رسمياً من كل مظاهر الطبقية البغيضة، وسعى إلى تطبيق روح الدستور القائم على أساس مبادئ الحرية والمساواة والعدالة للمواطنين جميعاً من دون استثناء. ومن الطبيعي أن يُصيبنا، والحال هذه، الهلع جرّاء الراهن من هذه المجانية، وهذا التمادي في التنابز بالألقاب الأكثر”فخفخةً” في المجتمع الأردني الديجتال (!)، في سياق المجاملات التي تصل إلى حد النفاق الاجتماعي الممنهج.
ثمّة استسهال غير مقبول، نمارسه جميعنا بشكلٍ آلي، تجسيداً لعاداتٍ استشرت واستحكمت، فتحولت إلى عرفٍ غير حضاري.
كلنا يدرك تلك الفكرة النمطية غير البهيّة عن صورة الأردنيين، إذ يطرحنا بعضهم شعباً محباً للوجاهة والظهور، حتى أن مصطلح معالي الشعب الأردني ليس مستهجناً لدى كثيرين. وللإنصاف، لهذه الفكرة ما يبرّرها، إذ تكاد كل عائلةٍ أردنيةٍ تضم بين أفرادها وزيراً حالياً أو سابقاً أو أياً من المناصب الرفيعة. ومن النادر أن تلتقي بأردني لا يحمل هو أو أحد أقاربه أو معارفه ألقاباً من عيار بيك، عطوفة، باشا، معالي، دولة، والقائمة تطول وتترسخ في أدبيات خطابنا اليومي، لتصبح واقعاً أكثر تأثيراً وقوة من كل النصوص القانونية التي تنظم علاقاتنا ومصالحنا، كما هو مفترض.
ويكفي أن نتأمل قليلاً في هذا الخطاب، لكي نقف على مدى انسياقنا، خلف شكلياتٍ هي خطايا إنسانية، نأمل أن يكون الزمن قد أصدر عفوه عنها، لأن من شأنها أن تكبل أذهاننا، وتعرقل قدرتنا على التماهي مع مفردات العصر، الذاهبة بعيداً باتجاه تبسيط وتكسير كل حواجز الاتصال في قريتنا الكونية الكبرى.
من هنا، يبدو تمسكنا بملامح إرث بائد، غير عملي. وإذا كانت الحكومة عازمةً حقاً العمل على الحدّ من جيوب الفقر والتصدّي لمسوغات اتساعها، فإنه ينبغي عليها، من باب أولى، تبني سلسلة إجراءاتٍ إصلاحيةٍ توعوية، تعمل على الحدّ من اتساع الفوارق بين فئات المجتمع، وتحقيق مبادئ المساواة والعدالة وتكافؤ الفرص، ولا ضير من تفعيل قوانين مهملة، بلغت من العمر عتياً، غير أنها كنوز قيمةٌ، علينا فقط نفض الغبار عنها، وبث الروح فيها.
ليست المهمة مستحيلة، لكنها تتطلب تضافر جهودٍ مخلصةٍ، ووجود رغبةٍ فعليةٍ في التغيير، للاتفاق على ميثاق شرف كل الجهات المعنية، يتم، من خلاله، اعتماد وسائل أقل تكلفاً وتفخيماً في التخاطب وتفعيل إلغاء التخاطب بالألقاب، وقد آن الأوان لنترجم شعاراتٍ تروج التغيير نحو الأفضل إلى أفعالٍ مجديةٍ، تحدّ ولو قليلاً من هذه الفوضى غير الخلاقة!
________
*العربي الجديد

شاهد أيضاً

المصابيح الزرق انطفأتْ من زمان

*خليل النعيمي كنا صغاراً، وكانت «الحسَكَة» كبيرة. كبيرة جداً علينا. كنا ثلاثة: هشام وعوّاد وأنا. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *