الرئيسية / إضاءات / كازانتاكي..ترحل مثل ملك نال نصيبه من الوليمة

كازانتاكي..ترحل مثل ملك نال نصيبه من الوليمة




لطفية الدليمي



مناجيات مع كازانتاكي
17

أنهي مناجياتي معك وأنت تمضي بعيدا ولاتلتفت وتجتاز العتبة مثل أبطال التراجيديات الإغريقية وكأنك بروميثيوس سارق النار، كنت تقول متشبثا بالأمل:
-أنا بخير ، عاد دمي الى حالته الطبيعية وعدت الى الشرنقة بصحة جيدة، بدأت فرنسا تتعرف عليّ وتكرمني ، تأخرت فرنسا قليلا ولكن لايهم، انا لاأهتم بكل هذه الأمجاد فقد تجاوزت كل طموح وأمسيت الآن استنشق عبير الهاوية المرّ.
-وما زلت تترجم الالياذة وتكمل أناشيد الأوديسة وستسافر الى الصين.
– لن اتوقف عن العمل ففي داخلي تغلي كتب كثيرة. 
تقرأ لك السيدة بوارييه الفنجان وتقول بصوت راعش : سيدي لا تسافر إلى الصين إني أرى قبرا فاغرا في قعر فنجانك، لا تسافر بحق الله ..
تقول ضاحكا : على حد علمي ان القبر يدل على الزواج كما في الأحلام .. صبيحة سفرك عادت تقول لك :لاتسافر أرجوك حلمت أحلاما سيئة، فتقهقه وإيليني تحاول اقناعك بالعدول عن الرحلة:- ألسْتَ انت القائل بأننا أحرار؟؟ “إن شئت دخلت وإن شئت لا أدخل” هكذا قال بطلك الكريتي عند أبواب مدينة هيراكليون- نحن أحرار في سفرنا أو عدمه.
كنت تقهقه وتقول لها : هيا يا رفيقة المعركة، هل ستلقين سلاحك وانا المبتهج بخدمتك لي كدليل في بكين؟
قوبلتما بحفاوة قل نظيرها في الصين ، زرتما المعابد والجامعات والقرى مع مراعاة عدم ارهاق صحتك ، وأرسل رئيس جامعة بكين طالبة شابة لتعينك على النزول من السيارة وصعود الدرجات القليلة ،قلت “لست هرما ولا عاجزا، ولكن هذا الأمر يروق لي” وسلمت ذراعك للفتاة.
– تخبرنا ايليني أنك أخذت لقاحات ضد الكوليرا والجدري في مدينة كانتون فتورمت ذراعك وأخفيت الأمر عنها ،وفي اليابان ازداد الأمر سوءا، وكان الأوان قد فات لعلاجك وفي طائرة العودة احسست بالإنهاك وذويت مثل زهرة محتضرة ونصحك الأطباء بالتوجه الى المستشفى في فرايبورغ ،وبخ الطبيب إيليني : أتأتين به وهو على هذه الحالة ؟؟وكانت تردد : حاول انقاذه يادكتور أكدوا لي انك قادر على ذلك.
كانت تنتحب ، وقلت للطبيب “انظر إن شوارع فرايبورغ مبتلة ، إنها لم تمطر، هذه دموع زوجتي” بعد أسابيع النقاهة أخبرتك ايليني انهم أرادوا بتر ذراعك وقد عَزمَت على قتلك، تقول لها:
– تقتلينني؟
-نعم ، كاتب وبدون يد يمنى ولا يجيد املاء كتابته.؟
-هات لي ورقة وقلما: وبدأت تجرب الكتابة باليد اليسرى.
وأنت راقد في المستشفى -وكنت مرشحا لنوبل الآداب – تمنح الجائزة الى البير كامو وخوان رامون فتقول لايليني وأنت تصارع الألم : لنكتب برقية حارة للأصدقاء.
الحمى تواصل ارتفاعها والطبيب يطمئن زوجتك : سيعيش نيكوس طويلا ،لكنك تصاب بتسمم معوي فيمنعونك من الطعام وترتفع الحمى وتضيق أنفاسك وعندما يعطيك الطبيب حقنة كورتيزون تمد ذراعك وتهمهم:
-الآن، إنها النهاية..
كنت مدركا أنك ماض نحو الهاوية وكنت ترى: الماضي والحاضر والهاوية المظلمة.
-لكني لم أقل أية كلمة متشائمة، كنت أستند الى وسائدي وأشكو من عطش قاتل وايليني تناولني اقداح الماء كل آونة ولا أرتوي ثم تجتاح الغشاوة بصري.
تقول ايليني : وذبلت عيناك تماما وغادرتَ بهدوء فأغمضت هي عينيك اللتين ماعادتا تريان الشمس أبدا، وصاحت: ايتها النجوم والأشجار والليل: إن الذي أحبكم كثيرا لم يعد موجودا.
مضيت شامخا وأسلمت روحك مثل ملكٍ أخذ نصيبه من الوليمة ثم وقف وفتح الباب واجتاز العتبة.
___________
*المدى

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *