الرئيسية / مقالات / الروائي ديكتاتوراً

الروائي ديكتاتوراً


*أحمد الفخراني


هل الروائي ديكتاتور؟ وهل روايته هي المثال وما عداها باطل؟ إذا كان الروائي هكذا فكيف يكتب عن الديكتاتور وهو الذي يحمله في داخله؟
ما الذي يسعى الديكتاتور حقا لامتلاكه واحتكاره: الرواية. رواية واحدة لكل شيء، تخلق نسخا مصغرة للزاوية التي يرى منها العالم، وتفرضها فرضا، بالقمع وبالدم وبالاغتيالات وبالاعتقال، بالتحكم في مصادر تعدد الروايات.
يتساءل محمود درويش في إحدى رسائله إلى الشاعر سميح القاسم: لماذا لم تتبن الرواية العربية شخصية الديكتاتور؟ ويقارن بين تبني رواية أميركا اللاتينية لها، مفسرا الأمر بقول غابريل غارسيا ماركيز: ان الديكتاتور هو الشخصية الأسطورية الوحيدة التي أنتجتها أميركا اللاتينية. ويتساءل درويش عن تجاهل الرواية العربية لتلك الشخصية رغم أنها «فينا حد التماهي».
الديكتاتور روائي يقسم العالم إلى قوى الخير (أتباعه ومؤيديه) وقوى الشر (معارضيه، من يمتلكون روايات أخرى لروايته المعتمدة). يمكن القول إن الروائي أيضا يخفي ديكتاتورا، يقسم الأصوات الروائية إلى أصوات خيرة (تتبنى انحيازاته الجمالية وأصوات شريرة (تعارضها).
أتخيل دائما الروائي المصري والعربي – ابن ثنائية الخير والشر- أنه يملك بداخله حسا ديكتاتوريا مكبوتا ينفلت حينا. رغبة خفية في أن يصير الصوت الأوحد والأخير لكل شيء، بما فيها تصورات الآخرين عما يجب أن تكون عليه الرواية أرض تعدد الأصوات، الهويات، وجهات النظر، أرضاً ديموقراطية للجميع، طرق الحياة فيها بعدد أنفاس الخلائق. أرضاً ثورية متخيلة، يحررها ثوري ظاهريا، مريض بأمراض مجتمعه داخليا، ابن أهل الخير والشر، وحبكة المسار الوحيد التي تفضي إما إلى جنة عدن أو الى الجحيم.
ولأن الروائي عاجز عن التحكم بما هو خارج ضفتي كتابه، بل هو أعجز من ضبط الظلال والتصورات المتخيلة المتولدة والتأويلات ومحبة الآخرين أو كراهيتهم لنصه، فلا يملك إلا حيلتي الازدراء والعنف تجاه الأشكال الأخرى التي لا تنطبق مع تصوراته عن كتابة الرواية. تلك الأشكال هي لا نهائية في الأساس. لا يملك الروائي منفذا لهذا الحس المقموع، السلطوي، العبثي إلا عندما يطلب منه أو لا يطلب تقديم شهادة أو تصور للرواية.
فالكاتب الواقعي، سيزردي الرواية الغرائبية، راغبا أن تكون كل النصوص واقعية. بينما يزدري كاتب الرواية الغرائبية نصوص الواقع. فالعكس دائما صحيح. كاتب الروايات القصيرة، يسخر من روايات «الكعب» أو الروايات الكبيرة، حتى أنها تصدر في أوقات كبيرة محمّلة بالخجل من كونها كذلك، والعكس. لا يعني تبادل الازدراءات إلا أن القناعة الحقيقية تحت السطح بأن كل أفعال الكتابة في جوهرها أساسها زائف، وأننا دوما أمام استعراض كبير لا يؤمن أحد بأصالته. كم من نص مهدر لأن الروائي نجح بالفعل في لعبة ازدراء الأشكال، ما النصوص التي فقدت بعدم كتابتها أصلا، لأن الوصفات الجاهزة تملك القدرة على الإيذاء والعنف؟
هذا الازدراء والعنف في طريقة طرح الروائيين لتصوراتهم عن الكتابة، وتمسكهم بصيغة «التوتر» و «النفي» لأشكال لا نهائية، لإبقائهم على نموذج شديد الضيق: هو نموذج ما تكتبه «أنا» الروائي. هي وسيلة لحماية نصه، وسيلة تكشف في الأساس هشاشة إيمانه بما يكتبه، أو تضخم هذا الإيمان حد الغرور الزائف. أن يعاد تعريف الرواية دائما على مقاس نصه الخاص، فيُدخل بين ضفتي كتابه، النصوص الأخرى غير القادر على التحكم بها.
كيف يكتب الروائي الديكتاتور عن الديكتاتور كشخصية روائية، إن كان في أحد جوانبه يتسم بالتماهي معه؟ كيف ينتج نصا لا يستطيع أن ينفصل عن موضوعه لتأمله جماليا وليس سياسيا؟ هل نلمح إعجابا خفيا بقدرة الديكتاتور الأصلي على تحقيق ما لم يحققه الروائي، بقدرته التي تبلغ الكمال في إنتاج المصائر والتحكم بها، وبرغبته الأصيلة في أن يكون الروائي الأوحد للعالم؟
يمكن للروائيين العرب أن يخطوا خطوات واسعة في إدراك الكنز الجمالي لشخصيات تتداعى، تأتي أسطورية الديكتاتور وغرابته الآن من أنها لم تعد بنت التاريخ بل ضده وعلى الرغم منه. لكن من يطرد الثنائيات الإجبارية من عقل الروائي، من يرغب حقا في نصوص بمسارات مفتوحة، في جماليات تخالف ذائقته في الكتابة، قادرة على المغامرة، الاتكاء على إيمان حقيقي بأن الكتابة الهامشية، التجريبية، المنطلقة من اللاقانون إلى اللاقانون، قد تكون كتابة؟ الرواية العربية ما زالت تسعى لصوت واحد نهائي، معمم، تماما كما يرغب الديكتاتور. أسطورية تلك الرغبة أنها تأتي أيضا على عكس التاريخ. رغبة تجمع بين العشم والاستحالة. ربما يصلح روائي الصوت الأوحد كشخصية روائية تستحق تأمل جمالها الخاص، تماما كما نأمل في الكتابة عن الديكتاتور. ربما لو توافر للروائي العربي أدوات الديكتاتور القمعية من قمع واعتقال وقتل واغتيال لتثبيت نصه كدستور نهائي للكتابة المعتمدة لفعل.
________
*السفير الثقافي

شاهد أيضاً

هل تُصبحُ الفلسفة مصدرا للطمأنينة؟

*كه يلان محمد صناعة الأسئلة هي وظيفة الفلسفة بامتياز، وينشأُ المشروع الفلسفي من بذور السؤال …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *