الرئيسية / إضاءات / ماريوفارغاس اليوسا:انعدام الثقة يعيق إبداعي

ماريوفارغاس اليوسا:انعدام الثقة يعيق إبداعي


ترجمة: احمد الزبيدي


في آذار الماضي احتفل الروائي الكبير ماريو فارغاس اليوسا بعيد ميلاده الثمانين (من مواليد 28 آذار 1936أركيبا في البيرو) ، وتزامنا مع هذه المناسبة صدرت رواية الكاتب الجديدة (الزوايا الخمس) والتي يعود فيها الكاتب الى جذوره البوليفية حيث منبع سرده وحكاياه، ومنبع احزان قلبه الكبيرة وافراحه الكبيرة ايضا ،حيث جذور ذاكرته. الرواية عن البيرو في تسعينات القرن العشرين ودكتاتورية فوجيموري رئيس البيرو آنذاك ، ودور الصحافة الصفراء في دعم الفساد المستشري في اجهزة الدولة من خلال نشر فضائح مفبركة لشخصيات عامة تهدد سلطة الفساد والتدهور في الاخلاق الذي استشرى في المجتمع. تبتدئ الحكاية حينما يحاول رولان غارو ، مدير صحيفة أسبوعية، تشويه وتدمير سمعة مهندس تعدين ناجح، من خلال حصوله على بعض الصور التي يظهر فيها في وضعيات مخلّة بالآداب. وبعد ذلك كل شيء يبدأ، ليعري البؤس الأخلاقي المنتشر بين صفحات الجريدة وخارجها بطريقة فجة تبعث على الاشمئزاز والتقزز.

تبدأ الرواية كما يقول الكاتب “بمشهد إيروتيكي مثير جداً لسيدات صديقات يعشن في وضعية إيروتيكية، ثم تتحول إلى قصة بوليسية، ثم إلى بانوراما للمجتمع البيروفي في خلال الشهور والأسابيع الأخيرة من ديكتاتورية فوجيموري” . تجري أحداث الرواية في العاصمة ليما، في شارع يحمل الاسم نفسه والذي كان ذات يوم شارعاً جميلا، واليوم يبدو بحالة من السوء والبؤس، و(الزوايا الخمس) حي مهم في العاصمة لِيما، حيث توجد السفارات المهمة الفرنسية والبريطانية والأمريكية والأسترالية والبلجيكية واليابانية.. ويمتاز بحيوية عالية،.. ما يعطي للحي أفقه السياسي، وما كان يعتريه من صراعات سياسية في أجواء من التطاحنات بعد انهيار جدار برلين.

عن هذه الرواية وحياة وابداع هذا الكاتب الذي نال جائزة نوبل للاداب عام 2010، كانت هذه المقابلة التي اجرتها ايلينا اغويا وهي سيدة اعمال اسبانية وكاتبة وناقدة فنية ايضا من مواليد عام 1972،تنشر مقالاتها في صحيفة ايه بي سي الاسبانية:
* هل لديك مانع ان نبدأ بالحديث عن روايتك الأخيرة، الزوايا الخمس ، ؟ وماذا تعني هذه الرواية لك في هذا الوقت من حياتك ومهنتك الأدبية؟
– حسنا، هذه الرواية، وعمليا كل القصص التي كتبتها ، جاءتني بطريقة غامضة جدا. فقد جاءتني فكرة، ان اكتب قصة عن الصحافة الصفراء، ذلك النوع من الصحافة المثيرة، التي أعتقد أنها هي واحدة من السمات المميزة لعصرنا. أعتقد أن الصحافة الصفراء موجودة في كل مكان، في العالمين المتخلف والمتقدم على حد سواء. وقد لعب هذا النوع من الصحافة دورا هاما ايام النظام الدكتاتوري لفوجيموري(رئيس بيرو بين 1990-2000 – م)، عندما استخدم النظام تلك الصحف التي تبحث عن الاثارة والفضائح لتخويف المعارضة، في محاولة لمواجهة المعارضين بتهديدهم بنشر فضائح عنهم – فضائح لم تكن لها علاقة بعملهم السياسي، ولكن بشؤون حياتهم الخاصة، والتي غالبا ما تكون مجرد افتراءات مفبركة، بغرض تشويه سمعتهم. ومثل هذا النهج يستخدم باستمرارمن قبل الانظمة الدكتاتورية ضد كل خصومها.
* يبدأ الكتاب مع مشهد مثير (ايروتيكي) غير تقليدي…
– أعتقد أن التوظيف هو الذي يحدد ما إذا كانت الاثارة أنيقة أم مبتذلة، مستترة أم مفضوحة. فالامر يعتمد على كيفية توظيف المشهد، والكلمات، والطريقة التي يتم تصوير المشهد بأكمله ، اعتقد ان الممارسة الجنسية في حد ذاتها تنطوي على قدر معين من التحضر. و في مجتمع بدائي أو شعب لا يعرف مشاهد ايروتيكية . يتحول الجنس الى مجرد تنفيس عن غريزة.عند ممارسة الجنس تسود الغرائز الحيوانية في الانسان على مشاعره واحاسيسه ، وعلى غرائزه الانسانية . ولد الفن الايروتيكي في الزمن الذي استطاعت الحضارة فيه ان تجعل الممارسة الجنسية اقل حيوانية واصبح اكثر ثراء مع مساهمات الاعمال الفنية والأدبية. وظهر عندنا عالم من الفن والادب يحيط بجميع اجزاء عملية ممارسة الحب. وهذا هو الابداع الايروتيكي. ولكن المشاهد الجنسية عندما تبتذل وتصبح وضيعة – بسبب ضعف الأداء، وعدم الكفاءة، وعدم وجود مهارة لدى من يصف أو يصور ذلك – عندها تتحول الى إباحية. ولكن أعتقد أن الايروتيكية ترتبط بالتحضر ، مع الحرص على الأعراف الاجتماعية،السائدة في ثقافة معينة، والتي تسمو بالغريزة الجنسية الحقة.
* إذاً يجب أن نتحدث عن فرويد … هل تتفق مع مفهومه عن تسامي الرغبة الجنسية الى إبداع فني؟
– نعم، دون أدنى شك. أعتقد أنه كان محقا جدا في هذا الموضوع، وأعتقد أيضا أنه كان محقا جدا في تعريفه للجنس بكونه الوظيفة البدائية للحياة. ولكنها ليست الوحيدة. عندما يسود الجنس على سبيل المثال، في الأدب والفن بشكل عام، فانه يمحو البقية، و يصبح شيئا مصطنعا الى حد بعيد ، وهو الأمر الذي لا يمثل حقا الحياة الحقيقية التي نعيشها. أنا لا اؤمن بوجهة النظر التي تعتبر الجنس ضروريا لفهم كل شيء والدافع وراء كل شيء. وهذا ما ذهب اليه التحليل النفسي وفرويد ايضا، مع ذلك يجب علينا ان نقر بعبقريته، والتي لا جدال فيها.

* هل يمكن للخيال ان يتسامى بالممارسة الجنسية بطريقة افضل مما هي عليه في الواقع؟
– أعتقد أن الخيال والاحاسيس والثقافة يمكن أن تثريها بطريقة غير عادية، ولكن يجب ان لاتذهب إلى حد يتجاوز الواقع،. الحقيقة هي أغنى شيء في هذا الامر، والشيء الأكثر أهمية فيه. خيالنا يسمح لنا أن نعيش حياة افتراضية قد تكون رائعة، وثرية للغاية، ولكن لا أعتقد أن أي فنان يجرؤ على القول بأن الخيال أفضل من واقع الحياة.
* هل حدث ذات مرة ان اندهشت عندما قمت بإعادة قراءة ما كنت قد كتبت وتساءلت مع نفسك كيف تمكنت من ان اكتب كل ذلك؟
– نعم، أنا اندهش دائما عندما أكتب. وأود أن أذهب إلى أبعد من ذلك فاقول ان اللحظات الأكثر إثارة والأكثر تحفيزاعند كتابة قصة تحدث عندما تظهر الأمور المفاجئة. على سبيل المثال، في روايتي (الزوايا الخمس)، كانت هناك احدى الشخصيات ، كنت قد اعطيتها دورا ثانويا في الرواية. لكن، وكما كان الحال في روايات أخرى، بدأت هذه الشخصية باكتساب القوة، وبدأت تنمو أكبر فاكبرفي سياق ما كنت اكتب الرواية ، كما لو أن هذه الشخصية قد قررت من تلقاء نفسها أن تاخذ دورا ووجودا متزايد الأهمية. وأعتقد أن هذه هي أكثر اللحظات الرائعة. فجأة تكتشف ان احدى شخصياتك قد دبت فيها الحياة …
* ما هي العوائق التي تقف في وجه ابداعك؟
– حسنا، ربما كان انعدام الثقة هو اكبر العوائق. على عكس ما قد يتصور المرء، فإن حقيقة أن أقضي الكثير من الوقت في الكتابة، أو أن أكون قد نشرت العديد من الكتب، لا يمنحني الثقة بنفسي: على العكس من ذلك، أنه يزيد عندي الشعوربعدم الأمان. وهذا ربما نتيجة لإفراطي في نقد الذات أو ربما لاني اطمح للمزيد وابحث عن الكمال. ولكن انعدام الأمن الذي أشعر به الآن عندما أبدأ بعمل ما، سواء أكان رواية، اومسرحية أو حتى مقال، هو أكبر بكثير مما كنت عليه عندما كتبت أول أعمالي. ومع ذلك، فانا ادرك أنه مع المثابرة والعمل الدؤوب، يمكنني أن اتغلب على انعدام الثقة.
* اعتقد أن الكتابة، بالنسبة للكاتب هي وسيلة للحياة. انت تراقب وتحلل كل شيء بطريقة مختلفة عن الاخرين. أين تكمن هذه الاختلافات برأيك؟
– يشير سؤالك إلى تعبير مشابهة للشيء الذي كتبه فلوبير، حيث قال ان “الكتابة هي وسيلة للمعيشة.” وأعتقد أن هذا الكلام دقيق جدا على الرغم من أن الطريقة التي يتم بها تختلف من كاتب إلى كاتب، بطبيعة الحال، فانا اؤمن تماما بوجود نوع من التفاني والإخلاص، وهذا يعني أن الكاتب يحمل أيضا نوعا من المجسات داخله ، ففي الوقت الذي يعيش حياته – ، مع الأصدقاء، والمحبين، – فإن هناك شخص داخله يراقب كل شيء ويقرر الوسيلة الافضل التي يمكن أن يستخدمها في عمله ككاتب.
* وهل يمكن للمرء أن يحصل على الراحة من خلال ما ينجزه: في الرسم اوالكتابة؟
– الفن هو شكل من أشكال المعرفة. الفن يساعدك على التعرف على الحياة بشكل اعمق ، وأكثر كثافة بكثير ، لأن هناك عادة مسافة صغيرة بين المرء و الحياة التي يعيشها. لكن الفن يوفر لك هذا المنظور، ذلك الأفق، والذي يمكنك من فهم العالم كما هو، والدوافع، والآليات الكامنة وراء سلوكيات البشر. هذا الوصف للواقع المستتر هو ما يوفره الفن، وأكثر بكثير من التاريخ وعلم الاجتماع وأي من العلوم الاجتماعية الأخرى.
* وحينها يكون المرء قد عبر عن مشاعره وأراح نفسه؟
– في النهاية تشعر أنه، في الواقع، مثل تطهير النفس. كما لو القيت عن كاهلك حملا ثقيلا. ولكنك تكتشف ما هو عليه وماذا يشبه فقط عندما تكون قادرا على التعبير عن ذلك، عن طريق الأدب والرسم، والموسيقى أو أي مظهر من مظاهر الإبداع الأخرى. يمكنك أن تشعر بأنه سيئ حقا ولكنك لا تعرف لماذا. وأعتقد أن هذه هي واحدة من عجائب الابداع هو أنه يمكنك من التعبير عن ما هو غير مؤكد، ومشوش، ومصدر للقلق الرهيب. ولكن كم هو رائع عندما ترى أن الابداع يعطيه شكلا ويجعله يصل للاخرين ،وفي كثير من الأحيان انت لا تعرف من اين جاء ذلك الإحساس، وذلك المزاج…. فالواحد منا يعاني من هذه الحالة المزاجية، ولكنه يفتقر إلى تفسير عميق للسبب الكامن وراءها. وأعتقد أن ذلك يمكن أن يصبح واضحا عندك فقط عندما يتيح لك الأدب أو الفن تأمل الحياة بكل مشاعرك وغرائزك واحاسيسك. أعتقد أن ذلك هو واحد من الأهداف الرئيسية للفن: الا وهو تصوير أعمق الاشياء في دواخلنا ، واكثرها سرية وخفاء.
وربما تكون قد نجحت في التعرف على نفسك من خلال التعبير عن نفسك – وربما هذا هو ما كنت تقول عنه انك لا تعرف ما هو ، ذلك الذي يأتي من اللاوعي، بطريقة غير غريزية – وتمكنت من التعرف عليه في وقت لاحق.
أحيانا اكون مندهشا واحيانا اخرى اكون خائفا. عليك أن تسأل نفسك: “هل كان ذلك داخلي؟ هل كان عندي كل ذلك؟ ومن أين يأتي ؟ “
* طبعا “ذلك يأتي منك؟”
– الأعمال الابداعية هي سير ذاتية مستترة. وربما تكون الأعمال الأدبية أكثرها على الاطلاق ، لأنها صريحة جدا، ومباشرة. فهي ليست رمزية كما هو الحال مع الموسيقى، على سبيل المثال.فالموسيقى أيضا سيرة ذاتية، ولكنها أكثر تجريدا من الادب بكثير. الأدب ليس فيه تجريد على الإطلاق. فهو واضح جدا، وملموس جدا. وهو مثل ( الاشعة السينية) لدواخل النفس البشرية، والطبيعة البشرية، وحالة الإنسان؛ ويمكن للمرء أن يصاب بالرعب من الوحوش التي تخرج من داخله. ولكن علاوة على وظيفتها التطهيرية، فانت ستتحرر منها في ذات الوقت.
* بل هو طريقة للعيش صحية تماما.وانت كانسان غير متدين اين تجد الروحانية التي يمنحها الدين للمؤمنين؟
– أعتقد انني أجدها في الثقافة، في الفن، في الأدب. فهناك نوع من الروحانية يتجسد فيها. انه شيء يخرج من ذاتك وهو ذات البعد الروحي الذي لا يجده الآخرون إلا في الدين. ولكني أعتقد أن الملحد ليس بالضرورة أن يكون ماديا بالمعنى الحرفي للكلمة فهو يمكن أن يعيش حياة روحية بشكل مكثف من خلال الفن، ومن خلال الثقافة، أو من خلال وجود الروحانية العلمانية. كل ملحد لديه قلق معين عندما يتواجه مع هذا الفكر غير المعقول من قبيل: “حسنا، هذا كل ما في الأمر، فعندما تنتهي الحياة فإن كل شيء سينتهي.” يصبح الامر غريبا جدا ومثيرا للدهشة مثل فكرة الإله، مثل فكرة الحياة بعد الموت. فمن الصعب جدا، ونحن نستخدم المنطق وحده، أن نفكر في الآخرة، وان نعتقد أن هناك بعدا آخر للحياة…
* لنتحدث عن فكرة الموت، كيف يمكن للأدب ان يواجه فكرة الموت؟
– واحدة من قواه الخارقة هو أنه يتيح لنا أن نعيش عدة حيوات. انه يأخذنا من واقعنا ويجعلنا نعيش واقعا غير عادي، حياة غنية، مغامرات خارج هذا العالم، يجعلنا نتخذ الكثير من الشخصيات والنفسيات والعقليات … هو إثراء غير عادية للحياة. ومع ذلك، وفي نفس الوقت، فان الأدب لا يضمن لنا السعادة. على العكس من ذلك، في بعض الاحيان، يجعلك غيرسعيد بشكل كبير جدا لأنه يجعلك تدرك ان هناك الكثير من الأرواح التي هي أكثر ثراء من نفسك. ويجعلك تكون على بينة من حجم تفاهتك.
* لديك خزين هائل من ذكريات الطفولة. فهل تعيد تذكره ام تعيد صياغته؟
– حسنا، أعتقد أن الواحد منا يتذكر بطريقة نسبية، لأن التذكر عملية صعبة للغاية، وانتقائية جدا. الذاكرة تمحو او تضيف اشياء كثيرة، لأن ذلك يساعدك على العيش. لا أعتقد أن الذاكرة موضوعية تماما، ولكنني أعتقد أنها مخلصة لما انت عليه ، لأنه حتى التحولات، والتشوهات التي يطبعها الحنين او الخيال في الذاكرة هي أيضا صورة لما أنت عليه ، ما كان ينقصك ، ما كنت تود أن يكون لديك وما لا تريد… هذا التمرين للذاكرة، على الأقل بالنسبة للكاتب،هو أمر أساسي. وفي الجقيقة، فان فرويد يقول أن السنوات التي تشكل شخصية الانسان هي سنوات مرحلة الطفولة و المراهقة.
* ماذا يعني الحب في حياتك؟
– الحب مثل الأدب، هو الشيء الذي يثري الحياة بطريقة غير عادية. أعتقد أنه من الصعب التواصل بدونه. الحب هو الشيء الذي يعيش في جو من السرية و الخصوصية. وتلك العلاقة، والتي تكون حادة جدا – وربما هي أغنى علاقة موجودة بين البشر – تتطلب في نفس الوقت ألفة كبيرة، تتطلب نوعا من السرية من اجل الحفاظ عليها، لأنها عندما تصبح علنية فانها تفسد، وتصبح عادية، أليس كذلك؟ ولكنه أثرى واغنى تجربة حياتية. كل شيء يصبح مختلفا عندما تتخلل مشاعرك عاطفة كبيرة: تصبح الأمور أفضل، كل شيء يصبح أكثر جمالا، وتبدأ بمواجهة الحياة بتفاؤل، والحب هوالوحيد الذي يمنحك كل هذا. انه التجربة الأعظم، والأكثر إثراء ،وفي نفس الوقت، هومصدر معاناة كبيرة، بطبيعة الحال. المآسي تأتي من الحب، من الحب التعيس. والمثاليون غالبا ما يجعلون من هذه العلاقة في صدام مع الواقع. ولكن حتى مع ذلك، أعتقد أن لا أحد على استعداد للتخلي عن الحب، على الرغم من انه يعلم بأن الحب قد تنتج عنه صدمة – واحيانا تكون رهيبة للغاية -. ولكن لا أحد يتخلى عنه. لان من يعيش هذه التجربة معناه أن يعيش ويجرب كل التجارب. الى اخر مدى وعلى أكمل وجه، وباكثر عمق على الاطلاق.
* وما هو معنى الحب في عمرك هذا؟
– أعتقد أن الحب ليست له الا علاقة طفيفة مع التقدم في السن. بالتأكيد فإن الحب الذي يجمع شابا وشابة هو أكثر مثالية، و أكثر براءة. اما الحب عند الانسان البالغ ، و الشخص المسن، فبطبيعة الحال، هو الحب الذي يتكون من الكثير من الخبرات المتراكمة، ويكون أكثر حكمة، ومعرفة أفضل للواقع. ولكن بغض النظر عن هذه الاختلافات، فانا أعتقد أن الغبطة والفرح، والشعور بالتفاؤل في الحياة التي يمنحك اياها الحب هي ذاتها التي منحها لك عندما كنت في سن المراهقة.
* دعنا نتكلم عن كتابك “حضارة الفرجة” هل تعتقد أن الثقافة الراقية لم يعد تطمح الى تغيير العالم؟
– حسنا، ما أعتقده هو أن الثقافة الراقية في طريقها إلى الزوال. وهذا، على ما أعتقد، مأساة مخيفة -الذي هو احد الأسباب التي جعلتني اكتب هذا المقال – ولانها ثقافة راقية، وبالتالي،فهي نخبوية بشكل طبيعي. انه شيء مكنوز لأقلية من الناس، وأنه من السذاجة جدا الاعتقاد بأن الثقافة الراقية هي في متناول الجميع. ليس كل انسان يمتلك الاهتمام، والفضول، والصبر أو الانضباط الذي تتطلبه الثقافة الراقية.
من ناحية أخرى، فإن فكرة جعل الثقافة في متناول الجميع هي فكرة جيدة. ومن يمكن أن يكون ضد هذا؟ ومع ذلك، في الوقت نفسه، إذا كان هذا يعني – و للأسف، فإن هذا ما يحصل في وقتنا الحاضر ، – أن الثقافة، من أجل أن تكون في متناول الجميع، يجب أن تصبح تافهة، وضحلة، وليست سوى ملء لاوقات الفراغ، او شكل من أشكال الترفيه، فإن النتيجة بشكل واضح ستكون سلبية للغاية.
وأعتقد أن هذا هو عيب كبير في عملية التعليم في وقتنا الحاضر. فالتعليم في الوقت الحاضر لا يحافظ على الثقافة الراقية ، ولكن يعاملها بازدراء. فن الخلق أو التفكير يتطلب منا النظر إلى الماضي، لأن الحاضر لا يرسم لنا سوى لوحة جرداء إلى حد ما في هذا الصدد.
* هل تعتقد أن التقنية الحديثة ساهمت في هذا التصحر؟
– بدون أدنى شك. فالجهد الفكري آخذ في التناقص تدريجيا، لأن التكنولوجيا تساعدنا على التخلي عن إجراء هذا الجهد الفكري.
* ما هو الدور الذي تعتقد أن على المثقفين القيام به في الحياة السياسية الحالية؟
– أنا أنتمي إلى الجيل الذي تأثر بشدة بأفكار المفكرين الوجوديين. وعلى الرغم من أنني في نواح كثيرة ابتعدت عن سارتر وانتقدت كثيرا اعماله، لكني أعتقد أن فكرته عن الكاتب و التزام المثقف نحو عصره، و واقعه ، و مجتمعه، كان صحيحا بشكل مطلق. لايمكن للمرء أن يكتب، أو يرسم، أو يؤلف وهو منفصل تماما عن مشاكل العالم الذي يعيش فيه. ومن الجوهري – ولا سيما، إذا كنت تؤمن بالديمقراطية – أن يشارك الجميع في البحث عن حلول للمشاكل: للحصول على إجابات على الأسئلة الكبيرة التي يطرحها المجتمع، من أجل خلق نظام حيث يمكن للمرء أن يتعايش فيه مع الآخرين ، مع وجود الاختلافات بين الافراد، وتنوع اساليب العيش، ووجود الرغبات الخاصة للافراد…
وهذا أمر أساسي، واكثر من ذلك، فانا أعتقد أن الأدب الحقيقي، والفن الحقيقي، يجب أن يعالج هذه القضية. المشكلة الرئيسية هي أنه في الوقت الحاضر، باتت الأفكار أقل أهمية من الصورة. وأعتقد أن التكنولوجيا لوحدها ليست كافية وأن طرح الأفكار في النقاش العام هو الهدف الأسمى لفهمنا لقضايا الإنسان. ولكن في وقتنا هذا يبدو أنه قد تم التخلي عنها وحلت محلها الشاشات والصور.
_________
المدى

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *