الرئيسية / إضاءات / الأطفال ليسوا على أجندة الشعراء

الأطفال ليسوا على أجندة الشعراء


*غيث خوري



يعد أدب وثقافة الأطفال أحد أهم التوجهات الحضارية بالنسبة للأمم، وأحد أهم مقومات النهوض المجتمعي، لذا دأبت الأمم دوما على إنتاج أدب خاص بالطفل قادر على تنمية معارفه العلمية وذائقته الفنية.

وقد شهدت الثقافة العربية حضوراً لأدب الطفل بمختلف أشكاله خلال حقب زمنية مختلفة، إلا أن هذا الإنتاج الأدبي تركز في الغالب ضمن النطاق السردي، قصة ورواية أو حتى مسرح، ولم يحظَ شعرُ الأطفال في الوطن العربي بالاهتمام الذي يستحقّه، كذلك الذي حظيت به زميلتُه قصةُ الطفل، سواء على صعيد الإنتاج أو النقد والدراسة، إلا فيما خلا بعض المراحل الزمنية التي شهدت انتعاشا في إنتاج شعر الأطفال، أو ظهور بعض الأدباء الذين صبوا اهتمامهم في هذا الجانب ك«أحمد شوقي»، و«سليمان العيسى» و«كامل كيلاني»، وسواهم ممن ترك عدداً من الدواوين الطفلية.
ولكن هذه الطفرات الشعرية، ما لبثت أن خمدت، وأخذت تطلّ على استحياء، ونقُص الاهتمام بها شيئاً فشيئاً، لأسبابٍ متعدّدة، كما يرى د.وليد مشوِّح في مقاله «متطلبات أدب الطفل في عصرنا» إذ يقول: «فالشعر الذي ينشر للطفل، شعرٌ (على غالبيته) منظومٌ، سطحيٌ، ساذج، فيه رخاوة تدل على عدم معايشة التجربة والوصول إلى كمالها، بل لقد استسهل الكثيرون ممن (تنطعوا) لموضوعة شعر الطفل هذا الجنس للحصول على استكتاب أو جائزة، والقصة ليست بأفضل حال من الشعر، حيث بقيت في أجواء (أرنوب وثعلوب والشجرة الباكية، والطير الجريح)، وقد حاول كتّابها أن يوصلوا هذه الشخصيات المكرورة إلى الطفل عبر حوار ساذج مع ظلال شاحبة من خيال جد بسيط».

وللوقوف على أسباب غياب شعر الطفل، وتراجع الاهتمام به، استطلعت الخليج آراء مجموعة من الشعراء الإماراتيين.
قال الشاعر أحمد محمد عبيد، إن الكتابة للأطفال بالعموم تحتاج إلى تقنية ومؤهلات محددة واستعداد خاص من قبل المبدع أياً كان مجاله، وخاصة في مجال الشعر كون القصيدة أكثر الأنواع الأدبية تكثيفا واختصارا وحصرا للمعاني وتوريتها، وبذلك يصعب على الشاعر أحياناً تقديم لغة شعرية تناسب الأطفال دون الإخلال بمستوى القصيدة وجعلها تناسب رؤيتهم للحياة.

وأشار عبيد إلى عدم إلمام بعض الشعراء بالمسائل الفنية والتقنية التي يحتاج إليها لكتابة هذا النوع من الشعر، الذي يتطلب توافر الكثير من الخبرات التربوية والإبداعية والإلمام بالجانب النفسي لدى الأطفال حتى يكون الشاعر على خط تماس مباشر مع ذائقة الطفل وفكره، أخذا بعين الاعتبار لأي مرحلة عمرية يكتب كون الطفل تتبدل طرائق تفكيره بسرعة نتيجة الخبرات التي يكتسيها ويراكمها باستمرار، وهو ما يخلق تحديا آخر أمام الشاعر في صوغ المعاني والمفردات الموجهة للطفل حسب عمره.

وتابع أن لكل عصر طرقه الخاصة في التفكير والكتابة، لذا فإن شعر الأطفال يجب أن يتميز بمواكبته للتغيرات الحضارية، وتعبيره عن مختلف الجوانب الحياتية التي تهمُّ الأطفال في المجتمع، مستمداً أطره الفنية من ثقافة وأدوات العصر وآليات العيش والتواصل فيه، بما يؤدي إلى تقديم قصائد حية ومفيدة للطفل.

وأرجع الشاعر خالد الظنحاني، سبب تراجع هذا النوع الشعري، إلى أن أدب الطفل يحتاج إلى الدقة والتروي والكثير من الممارسة، واليوم نجد الكثير ممن يدخلون هذا المضمار، ولكنهم لا يصلون بالضرورة للطفل، ونجد عدداً من الشعراء الذين كتبوا للأطفال، ولكنهم للأسف كتبوا بعقلية الكبير أو الوصي، وطغى على شعرهم النزعة التلقينية الوعظية التي حاولوا تسويغها تحت شعار تعليم الأطفال، وإغناء عقولهم بالمعارف والخبرات، رغم معرفة الجميع بنفور الصغار من هذا الطراز من التعليم، وأضاف نحن لا نريد أن نكتب بعقلية الوصي وإنما نريد أن نصل إلى قلوب وهموم الأطفال بقصائد تحرك خيالهم وإبداعهم، ولذا لابد من البحث عن تلك المفردات المناسبة من دون الهبوط بمستوى اللغة. 

وأشار الظنحاني إلى أن هذه الشروط التي يتطلبها شعر الأطفال تجعل الكثير من الشعراء يبتعدون عن كتابته، إضافة إلى أن هناك من يُخرج شعر الطفل من أجندته واهتمامه، فيتجاهل هذا النوع على اعتبار أنه أقل أهمية، وفي هذا خطأ كبير لأننا اليوم وأكثر من أي وقت مضى، إذا أردنا تفعيل سمات الإبداع في المجتمع لابد أن نبدأ من الأطفال والنشء عبر إنتاج تلك الأعمال التي تحفز عقولهم وتنشط مخيلتهم وتطلق طاقاتهم الإبداعية.

وتابع أن القصة على سبيل المثال تتمتع بقدرة أعلى من القصيدة على جذب الأطفال، من خلال عناصرها التي تعزز الخيال وتجعل الطفل يتفاعل مع مجرياتها وتفاصيلها المتعاقبة والمتغيرة، وهذا العنصر التشويقي هو ما تفتقر إليه القصيدة، لذا لابد من الانتباه إلى أهميّة توظيف القصة والحكاية في قصيدة الطفل، لما تحملان من خيوط دراميّة تشدّ انتباه القارئ الصغير، وتجعله أكثر اندماجاً بأجواء النص.

وفي جانب آخر رأى الشاعر كريم معتوق، أن الشاعر يحرص عادة على تجويد قصيدته، وكلما كبرت تجربته كان أكثر حرصا على أن تكون نخبوية من ناحية وجماهيرية من ناحية أخرى، والأطفال ليسوا في أي من هذين الجانبين، فليسوا هم الجماهير، وليسوا هم النخبة.

وأضاف أن جميع المنظومات الموزونة للأطفال ليست شعرا، فلا يوجد شعر للأطفال بل هناك نظم موزون للأطفال، نراه في مناهج التربية سواء في المراحل الابتدائية أو الإعدادية، أما الشعر كما يعرفه الشعراء والنقاد فليس من خصائص أدب الطفل، إنما الحال هي أن هناك من لديه موهبة في كتابة منظومات شعرية للأطفال وهي موهبة لا تتأتى للجميع، ولا يحرص عليها إلا من يكلف بهذا الأمر أو من يفكر عرضا بإنتاج شعر غنائي للأطفال، والدليل أننا لا نجد أحدا من الشعراء الكبار قد كتب للأطفال، لا امرؤ القيس ولا المتنبي ولا البحتري ولا حتى الشعراء المعاصرون أو الحداثيون قد طرقوا هذا الباب، باستثناء قلة كالشاعر الكبير أحمد شوقي الذي قدم تجربة خاصة بالأطفال، وهي تجربة محل إشادة، ولكنها ليست هي أحمد شوقي كما نعرفه، ورأى معتوق أن الكتابة الشعرية للأطفال ليست كما يشاع هي كتابة صعبة، بل هي من أسهل المنظومات عند الشاعر، إلا أنه لا يخوض غمار هذه التجربة عموما إلا بناء على طلب من أحد الجهات الرسمية أو المجتمعية المختصة بإنتاج المعرفة للأطفال.
ورأى الشاعر محمود نور، إن الكتابة للأطفال عموماً عمل محفوف بالصعاب، ولعل الشعر أكثرها صعوبةً، نظراً لما يتطلبه من رؤية وخبرة، ومراعاةٍ للاعتبارات التربوية والفنية، وتمرّسٍ نوعي بالتعامل مع الأطفال أسلوباً وسلوكاً وفكراً، لذا ما زلنا نجد خفوتا في صياغة قصيدة طفلية متميّزةٍ، تتقمّص شخصية الطفل، وتتحدّث بلسانه، وتعبر عن مشاعره ورغباته وتطلعاته.

وأضاف: من الضروري أن يكون شاعر الأطفال متمكناً من أدواته الشعرية الأساسية بما فيها جودة اللغة، وثراء المعجم، وفنون كتابة وبناء القصيدة، وإتقان العَروض، وأن يكون موهوباً وممتلكاً لأدوات الشاعر، وعليه مراعاة أن تكون ألفاظه ذات جرس موسيقي وأن تأخذ كلماته دلالات في مستوى تفكير الطفل، فالقصيدة إذا كانت ركيكةً ومكسورة الأوزان ومضطربة القوافي، لن يقبل الطفل بها.

فيما رأى الشاعر خالد البدور، أن الأمر راجع إلى النقص الكبير في كل أنواع الكتابة للطفل في العالم العربي، سواء كانت قصة أو مسرحية أو شعرا، فأدب الطفل مفقود لدينا بالمعنى العام، والكتابة للطفل عملية تحتاج إلى متخصص في معرفة الطفل من جانب نفسي ومن جانب تربوي، هذه المعرفة التي توفر الأساس لإنتاج أدب طفل متوازن يحقق غاياته. ولذا فالموضوع لا يتعلق فقط بسؤال لماذا لا يكتب الشعراء للأطفال، بل لماذا أدب الطفل متراجع وغائب في الثقافة العربية، وعندما نصل إلى الشعر نجد أنه من أصعب الفنون في الكتابة الأدبية، ولن يستطيع أي شاعر أن يكتب للطفل دون أن يكون لديه معرفة وخبرة في تكوين وتوجيه رسالة شعرية وأدبية، تصلح لكي ينقل فيها المعلومات المطلوبة سواء كانت أخلاقية أو جمالية.
___________
*الخليج الثقافي

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *