الرئيسية / مقالات / لا.. لا.. نحن لا نقرأ!

لا.. لا.. نحن لا نقرأ!


*حمد الحمد


في شهر مارس الماضي عدت إلى الكويت وبإحدى حقائبي نسخ من كتاب صدر لي في الرياض عن المجلة العربية، وهي مجلة ثقافية، وأمام نقطة التفتيش في المطار نظر الي الموظف الشاب بريبة، وهو يلمح شيئا كشفته شاشة الجهار بعد أن مرت الحقيبة الملغومة أمامه مُرغمة، قال بعد أن وقف «ما الذي في الحقيبة؟» قلت «كُتب!» قال «ممكن تفتحها؟»، وعندما فتحت الحقيبة أمامه، شاهد نسخا عديدة من كتابي الأخير عن الشاعر أحمد العدواني. اطمأن الموظف، وابتسم، وبأدب أشار لي أن آخذ حقيبتي و«أتوكل على الله»، هنا قلت له «خذ نسخة من الكتاب لتقرأه كهدية»، فرد بصوت مسموع وهو يبتسم «لا لا.. نحن ما نقرا».

غادرت وأنا أفكر بسؤال مُحير: لماذا لا نقرأ نحن العرب وخاصة الخليجيين لماذا ليست القراءة من عاداتنا وتقاليدنا، حيث نفتخر غالباً بالتمسك بعاداتنا وتقاليدنا؟.
هذا سؤال مُحير راح يدور في ذهني لأيام وأيام «لماذا لا نقرأ؟» أنا أخرج من هذه المقولة، لأنني وجدت نفسي اقرأ منذ مراحل الدراسة الأولى وأجد متعة، لكن من أعرفهم من جموع المتخرجين في الجامعات، وليسوا اقل درجة تعليمية، لا يقرؤون.
لماذا لا نقرأ؟.. لا أعرف.

وبعد تفكير وتمحيص خرجت بأن السبب الأول والأهم هو الخوف من اكتشاف حقائق لا يودون معرفتها؛ بمعنى أنهم تعلموا دروسا في المدارس، وسمعوا أحاديث بالمجالس، وخطبا في المساجد، وأنصتوا لبرامج إذاعية وتلفزيونية عن قضايا هامشية هم يودون سماعها وليس غير ذلك. لهذا لا يودون أن يسمعوا شيئا آخر، وليست لديهم الرغبة في أن يقحموا أنفسهم في القراءة، وهنا يتغير فكر آمنوا به.
إذاً القضية هي عدم الرغبة بخدش الفكر، بمعنى أن حرية الفكر ترعبهم، وفي هذا السياق أذكر في منتصف التسعينات كنت مع ابني في مدينة دنفر، حيث كان يتلقى دراسته الجامعية في أميركا، وكنا في مطعم للوجبات السريعة، وبجانبنا على طاول أخرى فتى وفتاة يتحدثان ويتحدثان، ويدور بينهما حوار بشكل هادئ. أنا لم انتبه لهما، ولكن بعد حين قال لي ابني: هل استمعت للقضية التي تدور بينهما؟. قلت: لا. فذكر القضية التي كانت محور حديث الفتى والفتاة، وهي قضية فكرية عقائدية. هنا قلت، وأنا أخاطب نفسي، ما يتناوله ذلك الفتى والفتاة في مكان عام ومسموع هنا، لا يستطيع كائن من كان في مجتمعنا الخليجي والعربي أن يتحدث به مع نفسه في غرفة مغلقة، لكون عاداتنا وتقاليدنا وقوانيننا تمنع وتحرم، بل تجرّم ذلك.
هنا أطرح السؤال المحير: هل حرية الفكر هي ما جعل تلك الشعوب تتقدم وتخترع وتتطور ونحن على حالنا؟
أعتقد ذلك. وهنا يأتي على ذهني مثل شعبي متداول عندنا في الخليج وهو «خلها على اطمام المرحوم»، بمعنى اترك الشيء كما تركه الآباء والأجداد وآمنوا به، ولا حاجة للتغير.
_____
*القبس

شاهد أيضاً

مدن أم عناقيد قرى!

*خيري منصور ما كتب عن مفهوم الملدنية ونشوئها في الغرب يندر أن نجد ما يماثله …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *