الرئيسية / نصوص / إيزابيل الليندي: من ذا الذي يرغب بابنة؟

إيزابيل الليندي: من ذا الذي يرغب بابنة؟


ترجمة: عبدالله الزماي*


توفيت ابنتي باولا في السادس من ديسمبر لعام 1992م في مرض نادر متعلق بالدم، والذي لا يجب أن يكون مميتا هذه الأيام. لكن بإهمال في المستشفى، حيث أعطيت جرعة دواء خاطئة ودخلت بغيبوبة وبعد خمسة أشهر حين أعادها لي المستشفى أخيرا، كانت في حالة غياب عن الوعي.
أخذتها إلى البيت واعتنيت بها حتى توفيت بسلام على ذراعي. كانت في الثامنة والعشرين من العمر، فتاة جميلة وذكية وذات قلب سخي. وكانت تعويذتها: “أنت لا تملك إلا ما تمنح، بالعطاء ستصبح ثريا”.
الحزن على فقد باولا كان كالمشي وحيدة في نفق طويل مظلم. استغرق الأمر عدة سنوات لأصل إلى نهاية النفق وأبصر النور من جديد. كانت سنوات من الارتباك والحزن، شعرت لأوقات بمخلب في حلقي وأنني بالكاد أتنفس. ودون حتى أدنى وعي مني كنت أتشح بالكامل بالسواد.
حاولت أن أكتب ولكن كانت محاولاتي دون جدوى. أنفقت ساعات أحدق في حاسوبي أو أذرع الاستديو بخطاي، وتفكيري مشلول. الجفاف الداخلي مرعب بالنسبة لشخص يعيش لأجل الكتابة. عبثا أستدعي التفكير. حتى المشاعر المتسخة قد هجرتني. بعد ثلاث سنوات من الشلل العاطفي. قرر زوجي ويلي وصديقتي تابرا أنني أحتاج أن أملأ خزائني واقترحا أن نذهب في رحلة إلى الهند، لأنها -كما يقولون- من التجارب التي تضع بصمة في الحياة. أرض مليئة بالتناقضات جمال استثنائي وفقر مدقع وبالتأكيد سأجد إلهاما ما هناك. قبلت على الرغم من أنني لم أكن راغبة في السفر وبالذات إلى الهند، أبعد نقطة ممكنة عن موطننا قبل أن ابدأ العودة مرة أخرى من الجانب الآخر من الكوكب.
يمتلك سريندر -سائقنا ودليلنا في الهند- من الشجاعة والخبرة ما نحتاجه خلال تنقلنا في الطرق الريفية المتعرجة والطرق المرورية في المدينة المجنونة، السيارات المراوغة والحافلات وعربات الحمير والدراجات وأكثر من بقرة جائعة.
لا أحد مستعجلا -الحياة طويلة- ما عدا الدبابات المتعرجة ذات الطوربيدات السريعة والتي تقل عائلة من خمسة ركاب فوقها. لم يكن لدينا حزام أمان، كان معنا القدر، لا أحد يموت قبل أوانه. كان سريندر قليل الكلام، وتعلمت أنا وتابرا ألا نوجه له أية أسئلة لأن الشخص الوحيد الذي أجاب عن أسئلته هو ويلي.
في إحدى الظهيرات المتأخرة، كنا نتجول في الريف، في منظر طبيعي مغبر ومحمر، حيث القرى متباعدة والسهول ممتدة على مد النظر. رأينا شجرة منفردة، ربما كانت أكاسيا، ومجموعة تتكون من أربع نساء وعدد من الأطفال تحت أغصانها. تساءلنا ماذا يفعلون هناك، في منتصف اللامكان، بعيدا عن منازل أو بئر. كانت الشمس تتجه نحو المغيب والسماء مبقعة بلون الشفق. طلبنا من سريندر أن يتوقف، وسرت أنا وتابرا نحو النساء. أخذن بالتراجع، لكن فضولهن تغلب على خجلهن وعما قليل كنا سويا تحت الأكاسيا محاطين بأطفال عراة.
كانت النساء يتوشحن بملابس من الساري مغبرة ومهترئة. كن صغيرات بشعر أسود طويل، وبشرة جافة وعيون غائرة مدعجات بالكحل.
يفتقر الناس في الهند، كما في معظم بلدان العالم، إلى مفهوم المساحة الشخصية، الذي ندافع عنه بضراوة في الغرب. وبسبب انعدام لغة مشتركة بيننا، حيينا بعضنا البعض بالابتسامات ثم فحصتنا النساء بأصابع جريئة لمسن ملابسنا ووجوهنا وشعر تابرا الأحمر والمجوهرات الفضية التي للتو اشتريناها في اليوم السابق. نزعنا أساورنا وقدمناها للنساء اللواتي أخذنها ببهجة. كانت كافية لهن بمقدار اثنتين أو ثلاث لكل واحدة.
إحدى النساء التي كانت بعمر باولا، تناولت وجهي بيديها وقبلت جبيني بخفة. شعرت بشفتيها العطشى، ورائحتها وأنفاسها الدافئة. كانت مثل إيماءة غير متوقعة، وحميمية جدا، ذلك أنني لم أستطع لجم دموعي. ربتت النساء الأخريات على كتفي بصمت، وقد اندهشن من ردة فعلي. استدعانا من جهة الطريق صوت بوق السيارة الذي أطلقه سريندر. إنه وقت الذهاب. ودّعنا النساء وعدنا إلى السيارة، لكن واحدة منهن تبعتنا. لمست كتفي فالتفت، كانت تحمل صرة صغيرة. اعتقدت أنها ستعطيني شيئا ما عوضا عن الأساور فحاولت أن أوضح بالإشارات أنه ليس من الضروري ولكنها أرغمتني على أخذها.
لم تكن تزن شيئا تقريبا، بدت وكأنها حزمة من الخرق. لكن حين عدت لأطويها، فإذا بها طفل رضيع، حديث الولادة، كان صغيرا وأسمر. عيناه مغلقتان ولا تبدو رائحته مثل بقية الأطفال الذين سبق وأن حملتهم، رائحة لاذعة من الرماد والغبار والبراز. قبلت وجهه، ودعوت له وحاولت أن أعيده لأمه ولكنها عادت مسرعة إلى الأخريات بينما أنا واقفة هناك، أهدهد الطفل، غير مستوعبة لما حدث.
أتى سريندر بعد دقيقة يصيح ويجري. انتزع الطفل من ذراعي واتجه نحو النساء ولكنهن هربن مذعورات من حنق الرجل. بعد ذلك انحنى ووضع الطفل على الأرض الجافة تحت الشجرة، بينما النساء يراقبنه من مسافة آمنة.
بذلك الوقت كان ويلي قد أتى أيضا، دفعني وأعادني حثيثا إلى السيارة وهو يكاد يرفعني عن الأرض، تتبعنا تابرا. أدار سريندر محرك السيارة وابتعدنا، وأنا أدفن وجهي في صدر زوجي.
“لماذا تحاول تلك المرأة أن تتخلص من طفلها؟” غمغم ويلي.
“إنها بنت. من ذا الذي يريد بنتاً؟” أجاب سريندر وهو يهز كتفيه.
تمتلك بعض القصص القوة للشفاء. ما حدث ذلك اليوم تحت شجرة الأكاسيا حل العقدة التي كانت تخنقني، أماط شبكة الشفقة على الذات بعيدا، وأرغمني على أن أعود إلى العالم وأترجم فقدي لابنتي إلى حدث.
لم أتمكن من إنقاذ تلك الطفلة أو أمها اليائسة أو الملايين من النساء مثلها، ولكن بإمكاني على الأقل أن أحاول التخفيف كثيرا في حياة بعضهن. كان لدي حساب بمدخرات لا أمسها كنت أخطط لاستثمارها في شيء ما يجعل من باولا فخورة. في تلك اللحظة تذكرت أنها حينما كانت على قيد الحياة كنت أهاتفها وأطلب منها النصيحة -حياتي كمهاجرة جديدة في الولايات المتحدة وزوجة أب لأولاد ويلي المدمنين كانت بالأحرى مجهدة جدا- وكانت تأتي إجابتها دائما بشكل سؤال “أمي، ما الشيء الأكثر كرما لتفعليه في هذه الحالة”؟
“الآن عرفت ما سأفعل بمدخراتي” أعلنت لويلي وتابرا. “سأنشئ مؤسسة لمساعدة النساء والأطفال”.
وبالفعل قمت بذلك حالما عدت إلى كاليفورنيا، لم أكن أتخيل أن تلك البذرة ستصبح عبر السنوات شجرة كبيرة كالأكاسيا.
__________
جريدة الرياض عن موقع الكاتبة الشخصي.

شاهد أيضاً

رسائل الاسكندر إلى أمّه لم تُنشر من قبل

ثقافات – مرزوق الحلبي 1. لا تصدّقي يا أمّي أنني فتحتُ الهندَ والسندَ وأن الممالكَ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *