الرئيسية / فكر / مرسيا إلياد.. استعادة المقدّس

مرسيا إلياد.. استعادة المقدّس


*ماري – أنياس لمبير/ ترجمة – أحمد حميدة


كعالم مرموق في الأنثروبولوجيا وتاريخ الدّيانات، تناول مرسيا إلياد بالدّراسة، ولسنين طويلة.. مكانة المقدّس ومدى حضوره في قلب الحضارات، فأبان في دراسات معمّقة وبالغة الوجاهة الطّبيعة الكونيّة لذلك المقدّس وللبنى الأسطوريّة الذي تدعمه. لقد سخّر مرسيا إلياد كلّ حياته (1907-1986) لدراسة الدّيانات والمجتمعات البدائيّة، وظاهرتي الدّين والمقدّس، فأعاد الاعتبار للمقدّس خلال القرن العشرين، خارج حدود أيّة ديانة شكليّة ساهمت في إفقاره.
يرى مرسيا إلياد أنّ المقدّس ليس بعلامة على مرحلة استثنائيّة للوعي كما يفهمه فلاسفة القرن العشرين العقلانيّون، كما أنّه ليس نتاج عقليّة بدائيّة، وأنّه ليس بالضّرورة ميزة مرتبطة بالدّين، بل يبدو المقدّس في نظره، وعلى العكس من ذلك، عنصراً جوهريّاً في وعي الإنسان، يجعله يضفي معنى ما على الأشياء، أي قيمة ضمنيّة.. جوهريّة، تتجاوز القيمة الماديّة العاديّة لشيء أو لحدث ما. لقد تركّز اهتمام إلياد على وصف وظيفة ذلك المقدّس باعتبارها وظيفة أساسيّة، تمكّن الفرد من استعادة البعد الكامل لوعيه الإنسانيّ.
كتجربة جذريّة «للآخر المختلف»، الذي يحلّ فجأة في اليوميّ، يتعارض المقدّس مع كلّ ما هو دنيويّ. ويعتبر إلياد أنّه داخل كلّ إنسان، تنطوي حاجة أكيدة وملحّة، على قدر ما من اليقظة، متحفّزة إلى القداسة والتديّن: إنّه الإنسان المتديّن أو الـ«أمو ريليجيوسيس».
أبعاد المقدّس
لقد برهن مرسيا إلياد أنّه في تعدّد الديانات وتباين الشّعوب وتفاوت الأزمان، ثمّة وحدة للمقدّس، مقدّس يتجلّى في الصّور والرّموز والسّلوكات التي تكتسي أشكالاً عدّة ومختلفة. وبالنّسبة إليه، وهو الذي درس بشكل مستفيض ومعمّق كلّ الدّيانات، ليس هناك ديانة أرفع من أخرى، كما أنّه لا ديانة تعادل أخرى، فكلّ ديانة تنطوي على كشف خاصّ.. استثنائيّ.. للمقدّس، ولكنّها تحتوي في الآن نفسه على كلّ بُنَى هذا المقدّس. كلّ منها يمثّل طريقاً خاصّة إلى تقليد أو عرف ما، ولكن أيضاً إلى حقيقة كليّة.. مطلقة، وبُعْدٍ كونيّ. فكلّ أعمال إلياد تكشف، عبر دراسته للميثولوجيّات ولرمزيّة اللّغة، عن آثار ذلك السّعي الحثيث عبر أروقة الباطن ودهاليز الرّوح، لإدراك البعد الكونيّ للوجود، وليس ذلك بعمل علاّمة خبير، وإنّما هو المعيش الرّوحيّ لرجل، كان قادراً على الإصغاء، وإلقاء السّمع لكلّ ظاهرة يتناولها بالدّرس، فأعماله توفّر لنا مساراً روحيّاً حقيقيّاً، يقود إلى قلب باطن الإنسان، من خلال شبكة تتيح لنا اكتشاف المستويات المختلفة لحقيقة ومعيش المقدّس (النّموذج، الأسطورة، الرّمز، الشّعيرة، تجلّي المقدّس..)، وذلك.. عبر ما يشبه المسار التّلقينيّ.

النّموذج والكائن
لقد بيّن مرسيا إلياد أن بُعْد المقدّس في الوعي يقترن بشدّة، بالوظيفة الرّمزيّة، وتلك الوظيفة هي أداة ضروريّة للإنسان كيما يتعرّف على المقدّس، ويفكّ رموز الحقائق اللاّمرئيّة.
كلّ الحضارات والأعراف عملت على ترجمة تلك الحقائق الأساسيّة الكامنة في اللاّوعي الجماعي، وفي المتخيّل الكوني، اعتماداً على ثلاثة مفاهيم أساسيّة: النّموذج الأصليّ، الأسطورة والشّعيرة.
ويسبق النّموذج الأصليّ.. وجود الخلق، وهذا النّموذج الأصليّ عابر للذّات البشريّة، ولا ينتمي أبداً، إلى أيّما زمن من الأزمنة التّاريخيّة، وإن كان بشكل مفارق دائم الحضور في التّاريخ. واختباره يظلّ أمراً مستحيلاً بالنّسبة للإنسان الذي يعيش في العالم المرئيّ، ويرتبط هذا النّموذج في فكر إلياد ارتباطاً وثيقاً بمفهوم الألوهة، كما يقرن إلياد فكرة النّموذج تلك.. بالكائن.. كمستودع من الاحتمالات الوجوديّة. محيط من الاحتمالات، بداخله تكمن كلّ مصادر النّماذج المُهيكلة.. المُنكشفة في الأساطير. فالنّموذج الأصلي هو سبيل من السّبل المفضية لإدراك بداية الوجود أو أسطورة البدايات.
ويختلف تصوّر إلياد للنّموذج الأصلي عن ذاك الذي كان لكارل غوستاف يونغ. ففيما كان يونغ يرى أنّ النّماذج هي جزء من بنَى اللاّوعي الجماعي، كان إلياد يعتبر النّموذج الأصلي، وكما كان يرى ذلك أفلاطون وسانت أوغستان، «المنوال الأمثل المُنكشِف في الأسطورة، والذي يتمّ تجديده بوساطة الشّعائر».
قوّة الأسطورة
ويعتبر مرسيا إلياد أنّ ما من ديانة إلاّ وتحمل في داخلها الوسائل الموصلة إلى النّموذج الأصلي، الذي يجد ترجمته في الأسطورة، كما يبيّن أنّ هذا النّموذج أحياناً ما كان محجوباً بالأسطورة، وأنّ الأسطورة هي التي تكشفه وتجعله متاحاً، وإذا كان النّموذج الأصلي هو مصدر كلّ خلق وسابق للوجود، فإنّ الأسطورة هي رواية للبدايات، والمثال الشّكلي الذي يقصّ لنا كيف انتظمت الأشياء، وكيف انبنت في تفاعلها مع بعضها البعض، وكيف غدت كُلاًّ متماسكاً، نظاماً بيّناً أو.. كوناً. فالأسطورة تشكّل مثالاً مهيكَلاً، وهو في الحقيقة مِفْصَل علاماتٍ خاضعة لمبادئ تماثُلٍ، تيسّر انكشاف المقدّس، أو إدراك ما هو إلهي، وبروز المحتوى التخيّلي.. النّموذجي والمقدّس في رحم الخلق.
تثبّت الأسطورة «الأمثلة النّموذجيّة لكلّ أعمال البشر التي لها معنى»، فتهيّئ بذلك فضاءً مسرحيّاً تدور فيه الصّراعات الدّاخليّة والخارجيّة للإنسان. والأسطورة تعود بنا دوماً إلى حقيقة العالم، فهي الحيّز الذي تنشأ فيه مسألة ما انطلاقاً من تساؤل، والذي وفقاً لطبيعته العميقة يغدو شيء ما.. خَلْقاً.
الوظيفة الرّمزيّة للخيال
كما سبق أن أوضحنا، فإنّ الوظيفة الرّمزيّة، هي الأداة الأساسيّة التي تسمح للوعي بالوصول إلى الحقائق المخفيّة، إلى أسرار البدايات أو الأنماط البدائيّة، فحين تكون مقترنة بتنامي الخيال الفاعل والمبدع، أو متّسقة مع «الخيال المكتمل»، الأثير لدى هنري كوربان، فإنّها تسمح بمنح معنى للتّجربة المعيشة، والخيال المبدع هو هذا العالم البينيّ المتموضع بين العالم الدّنيويّ الملموس والعالم المجرّد والمثاليّ.
والخيال المبدع هذا، هو حيّز باطني تلتقي عنده المتناقضات والمفارقات، والذي يسمح بالوصل بين أبعاد من أجناس متعارضة، ويصل هذا الحيّز داخل الإنسان بين السّماء والأرض، فيجعله يتلمّس جذوره السّماويّة والأرضيّة. وبإحياء وإنعاش هذا الخيال المبدع يمكن أن نفكّ المتقابلات، ونماثل بين المتضادّات.
والجمع بين أبعادٍ من أجناس متعارضة، هو الحالة الملائمة التي تسمح بتلامُسٍ دائم مع القوى المثاليّة التي تنطوي عليها بداياتنا، فيما وراء الخلق حتّى، لأنّها تسمح بالعثور ثانية على الوحدة بعيداً عن الثّنائيّات. فهي تمكّن إذن بالارتقاء إلى مستوى آخر من الحقيقة.
الجغرافيا المقدّسة
أن نعيش المقدّس ثانية فإنّ ذلك يتمّ في مكان وزمان شديدي الخصوصيّة والرّمزيّة، يعرّفهما مرسيا إلياد في «المقدّس والمدنّس»، وفي «أسطورة العود الأبديّ»، على أنّهما الجغرافيا المقدّسة، فالخاصيّة المميّزة للزّمان.. هي تلك التي يكون الزّمن وفقها دوريّاً، زمن يعود بنا إلى البدايات، ويسمح بإنعاش وتجديد حياة الفرد والجماعة. أمّا المكان فهو موجّه بشكل محكم ودقيق (وفق الجهات الأصليّة والوجهتين العموديّتين) لتمكين الإنسان من تحديد مكانته في الكون، وإضفاء معنى ما على حياته وأعماله. فما من حضارة إلاّ وتطبّق هذه الجغرافيا المقدّسة، التي كانت ولم تزل، توجّه طقوس بناء المعابد، تشييد المدن، وحتّى إقامة مراسم التّتويج، كما نعثر عليها في المباني العملاقة، وفي التّقويمات التي توقّع الأعمال على نحو دوريّ. ويساهم التّقويم كسيرورة في إنعاش المكان، الذي تكون فيه الطّقوس مناسبات للوصل بين المقدّس والمدنّس، وبالتّالي فهي تبثّ الحياة من جديد في الجماعة بكاملها. الجغرافيا المقدّسة.. عبارة عن مربّع سحريّ يلقي بالأسطورة على الأرض، ويصل كلّ المسالك التي تقود من المدنّس إلى المقدّس.
الطّقس الوسيط
يرى مرسيا إلياد أنّ العالم الملموس الذي نشاهده يغدو كونيّاً بفضل الوجود في فضاء مقدّس، وخاصّة بفضل التكرار الدّوري المنتظم للطّقوس في ذلك الفضاء، فتكرار الطّقوس بصفة دوريّة، هو الذي يبقي العالم المرئيّ على علاقة بالنّموذج الأصلي. فعبر الطّقس الدّينيّ، كان إنسان المجتمعات القديمة يدير ديناميكيّة المقدّس. وبفصل الطّقوس المتكرّرة، يُدفع بالإنسان نحو الزّمن الأسطوريّ، حيث كانت أوّل مكاشفة للنّماذج الأصليّة، فالطّقس باعتبار وظيفته كوسيط.. يعمل في اتّجاهين: فهو من ناحية يعمل كمحوّل للطّاقات الدّنيويّة، والذي بواسطته تغدو الحقائق الماديّة والدّنيويّة، حقائق مقدّسة، ومن ناحية ثانية فهو يسمح بانبثاق المقدّس في الدّنيوي. إنّه يحفظ الطّاقات والمبادئ الجوهريّة، ويؤمّن العلاقة بين محتوى النّموذج، بعيداً عن كلّ خَلْق، والعالم المخلوق. بوساطة الطّقس يصبح بإمكان المرء محاكاة سلوك نموذجيّ، وأن يعيش ذلك السّلوك في مكان وزمان محدّدين.
الطّقس المتمثّل دوماً في تكرار حركة نموذجيّة كانت تمارس منذ بداية الأزمان من قبل الأسلاف، أو من قبل الآلهة، ويحاول الكائن التّماهي مع ذلك الطّقس، عبر تجلّيات المقدّس، فالطّقس يتطابق، تبعاً لتكرّره، مع «نموذجه الأصليّ»، ويتوارى بذلك.. الزّمن الدّنيويّ. ولكنّ إلياد يبرهن على أنّ الطّقس الأساسيّ، الذي قد يجدّد النّموذج الأصليّ، قد يكون ذلك الذي يجعل من كلّ إنسان أو كلّ جماعة مركز ومحور العالم، أي حيّز تناقض، حيث التصدّع والتّواصل بين مختلف مستويات الكون تكون ممكنة. ويفترض في هذا التمشّي أن يقود إلى تجاوز كلّ عوامل التّنافر بين الثّنائيّات، التي تكون قد أصبحت متكاملة.
وقد نقل إلياد الجغرافيا المقدّسة ليجعلها تنسحب على الكائن البشري مموضعا إيّاها في رحم «الخيال المكتمل».
المندالا.. صورة رمزيّة للكون
تقترح علينا أعمال إلياد إذن أن نمضي في مسار حقيقيّ، في مسلك باطنيّ وروحيّ يتيح لنا العبور من المدنّس إلى المقدّس. وينطلق فكر إلياد من مركزٍ، يقيم عنده العالم العصيّ عن الوصف، عالم النّموذج الأصليّ والاحتمالات. وذلك المسار، كما بيّن فرناند شوارتز في دراسة خصّصها لإلياد، يمكن أن يشبّه بالمندالا، التي يُجسّمُ فيها العالم المرئيّ بدائرة، مرسوم بداخلها مربّع يمثّل «الخيال المكتمل» أو الرّمزيّ. هكذا أمكن لإلياد أن يعيد الاعتبار للمقدّس، وأن يمنحه بعده الكونيّ الحقيقيّ، بعيداً عن كلّ دين أو مذهب. شغوفاً بعصر النّهضة، كان يحلم بمعرفة كليّة، تنبثق من لقاء بين الثّقافات الشّرقيّة، المعارف البدئيّة، وكلّ ما أنتجه الغرب، فكان بهذا المعنى مؤسّساً لحكمة كونيّة غدت متاحة للجميع، والدّاعية إلى عود لزمن البدايات، والمدافع عن ضرورة تصالح الإنسان مع المقدّس الكامن في جوهر كينونته.
____
*الاتحاد الثقافي

شاهد أيضاً

كتاب الدين والاغتراب الميتافيزيقي

*د. عبدالجبار الرفاعي تأتي أفكارُ كتاب (الدين والاغتراب الميتافيزيقي) في سياق ما جاء في كتابي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *