الرئيسية / نصوص / كيف تُختصرُ المسافة؟*

كيف تُختصرُ المسافة؟*



مرزوق الحلبي


خاص ( ثقافات )
سلام علينا،
سلام عليكَ وألف سلام!
أنت لم تقصد غيابَك، 
خلفَ سترِ الليلِ،
أو طيَّ الضباب على الضباب؟
وأنتَ لم تقصد غيابَك في الكلامِ 
والروايةِ في الكتاب
هل تختبئ بين النصوصِ…نصوصِك؟
فهي ما كُتبت لتُخفي،
بل لتكشف أو تُرينا الكونَ 
في الزمن الذي انكسر وذاب…
هذا، حضورُك واضحٌ
والوجه يَضحكُ بيننا رُغمَ المسافةِ والغياب.
فأراك مُعتكفا هناكَ،
تعدُّ قهوتَك،
تُصغي لفيروزَ
__
*ألقيت في أمسية استذكارية في بلدة الكاتب (والشاعر) دالية الكرمل، يوم 25 أيار الجاري.
____________
وأراك في سفَرٍ، في مرمى أغنية، 
وشيخ، وفنجانٍ وبابْ، 
أنت الذي لا تُختزل في جُملةٍ أو قولِ فصلٍ
أنتَ الذي لا تُختصر في فقرةٍ أو فقرتين،
هو وجهك أبهى … وقلبُك يُطلع الوردَ
وهامك شامخٌ أعلى .. 
من نصوصنا كلّها
ومن نصوصك تلتقي بين الجريدةِ والكتاب
فلنتفق يا صاحبي: كلّما في الأمر،
زدتَ في عُمركَ عاما
من هنا يجري الحديثُ، ويبتدئ الحساب!
سلام علينا،
سلام عليك وألف سلام!
يا ابنَ أكثر من حارةٍ، 
يا ابنَ أكثر من مدينةْ
يا ابنَ أكثر من بلدْ
يا ابنَ أكثر من زمان … يا ابن أكثر من مكان
يا ابنَ أكثر من عددْ
سلام عليك وألف سلام!
يا ابن أكثر من فكرةٍ مشرقةٍ
من غيمة
من نجمةٍ،
يا ابنَ أكثرِ من واحةْ
يا ابنَ أكثر من بلدْ
ها أنتَ جمّعتَ الحروفَ على الحروفِ:
“صوت العدالة للأبد”
فكُن ما شئتَ،
فأنتَ اليوم أنت!
يا ابنَ أكثرِ من حارةٍ، ومن مدينةْ
ومن بلد.
سلام عليك وألف سلام!
بين أنت في الكتابةْ، وبين أنتَ في الحياةِ،
كيف تختصرُ المسافةْ؟
بين “أنتَ” في الكلامِ، وبين “أنتَ” في امتحانِ الفعلِ..
بين “أنتَ” في المجازِ
وبين “أنتَ” في الحقيقةِ، 
كيف تختصرُ المسافة؟
كنتَ ولا زلتَ الخُلاصةَ
في الأبوّةِ، والأخوّة، في التواضعِ والمحبّةِ
في الصداقةِ، في الشراكةِ، في العقيدةِ
كنتَ الحقيقة 
فعشتَ حُرًّا، من إسارِ الغيبِ أو لغَطِ الخُرافة
كيف تختصر المسافة؟
بينَ كمًّ في الحسابِ وبين نوْعٍ،
بين همسِكَ للحفيدةِ وبين نصّكَ في الصحافة!
بين صوتك ضاحكٍ في سهرةٍ
وبين صوتك في الثقافة؟
يبقيَ السؤالُ حكايةً لا تنتهي
لُغزًا يشرّفك، ويمنحك المعزّة عندنا،
بين حضورِك والغيابِ مسافةٌ،
فكيف يا سلمانُ تخدعنا وتختصرُ المسافة؟؟
________
سلمان ناطور (1949-2016) ـ كاتب فلسطيني. رحل في شباط الماضي. أبرز من وثّق التاريخ الشفوي للنكبة عبر سلسلة طويلة من تسجيل تجارب المنكوبين وخيباتهم ومعمار نفسياتهم من خلال نصوص أدبية غلبت عليها السُخرية. كتب قصة الإنسان الفرد وسط النكبة الجماعية. اتسم في شخصه وإرثه الأدبي بالتنوّر. كان من القلائل الذين لم تنفتح أي مسافة بين قولهم الوطني وبين فعلهم، بين شخصياتهم في الحيز الخاص وبينها في الحيز العام. برزت في أعماله النزعة الإنسانية وذاك التوق إلى العدالة بوصفها شاملةً للفضائل والقيَم النبيلة كلها.
_______
مرزوق الحلبي: شاعر فلسطيني
صورة الراحل سلمان ناطور بكاميرا عصام تلحمي

شاهد أيضاً

معجزة

خاص- ثقافات *إبراهيم مشارة “إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى” قال الشيخ الهرم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *