الرئيسية / مقالات / رحلة الشهيق

رحلة الشهيق



*د. محمد بكر البوجي


خاص ( ثقافات )
صباح الجمعة السادس من مايو، اتصل بي هاتف ليخبرني أنه في بيت حانون وهو بانتظاري للسفر إلى معرض الكتاب الدولي الفلسطيني في رام الله، لم أكمل إفطاري وبسرعة البرق كنت جاهزا إنها الفرصة التي قد لا تتكرر فلم أخرج من الحارة منذ ستة عشر عاما، خلال دقائق كنت أستقل السيارة إلى معبر بيت حانون، كانت الإجراءات سهلة جدا، لم يوجد في المعبر غيرنا، غادرنا الحاجز الكبير إيرز وأنا أنظر خلفي خوفا من أن يتراجعوا عن منحي تصريح المرور، السائق الذي أقلنا بسيارته من فلسطيني السبع 48، أخذ يشرح لنا أسماء القرى العربية المدمرة التي نمر بها: حمامة وهربيا والمجدل وأسدود وبشيت ويبنا وزرنوقة، ثم أخذت السيارة جهة الشرق تجاه القدس التي يمنع علينا دخولها، رأينا قرى عربية مدمرة كثيرة, لم يبق منها شيئ سوى آثار أشبه بالآثار الرومانية، وصلنا قرية القسطل، ثم دخلنا حاجز قلنديا الرهيب الذي يعد عار في جبين البشرية، وقد رأينا الجدار الرهيب الذي يفصل القرى العربية عن بعضها، إنه جدار فصل عنصري من الطراز الأول يؤذي المشاعر الإنسانية كما يؤذي الأرض وأصحابها، وصلنا رام الله ونزلنا الفندق المخصص لنا من وزارة الثقافة الفلسطينية، كانت بانتظارنا شابة غاية في الأدب والجمال، إنها بتول، مندوبة وزارة الثقافة، أحبتنا كثيرا فبادلناها شعورا فائضا، سعيدة هي بأبناء الوطن القادمين من غزة ، نشيطة ، تجيب على كل تساؤلاتنا بابتسامة وديعة هادئة، صبية تمتلك قدرات فائقة من الحيوية والمعارف والعلاقات الإيجابية ، الفندق فخم من أفضل الفنادق هناك، الكهرباء لا تقطع، المياه عذبة دفاقة، الناس طيبون، يحبوننا، أو يشفقون علينا، موظفو الفندق لا يرفضون لنا طلبا وما أكثر طلباتنا ! إنهم أشبه بالملائكة، يقدمون لنا كل ما لذ وطاب، هل فعلا نحن هنا !! هل غادرنا القفص الحديدي ؟؟ لا نصدق ذاتنا، نتحسس أنفسنا، تركنا الإضاءة والتلفاز وكل الأدوات الكهربائية تعمل امتحانا للكهرباء بل انتقاما منها كما عبر عن ذلك الكاتب الرائع أكرم الصوراني، توجد غرفة ضيافة لأجهزة الحاسوب، دخلناها وكنا نصرخ على بعض، ثبت ما كتبته قبل قطع الكهرباء، يسمعنا الموظف فيضحك قائلا: إنها لا تقطع هنا نهائيا، وكذلك المياه والحياة كذلك، ثم أردف قائلا: أعانكم الله في غزة نحن نتتبع أخباركم أول بأول، أنتم أهلنا وأخواتنا .
بدأ خبر وصولنا يتسلل عبر مواقع التواصل الاجتماعي وبدأت وفود الزوار من المقيمين هناك في زيارتنا، امتلأت الدنيا فرحة، لم يعد معنا وقت حتى للرد على مكالمات الأهل في غزة، جاءت وفود من معظم الدول العربية ومن داخل 48، ومن الضفة الغربية والقدس، جاءوا ليروا أبناء غزة، نحن أصدقاء افتراضيون على الفيس، أما أن نتقابل وجه لوجه فهذا ما لم يصدق، أصبحت علاقاتنا واقعة وحقيقة، كان لقاءؤنا معهم أشبه بالحلم، عناق طويل وصور متلاحقة ووفود متسارعة جاءت لتطمئن علينا وتتعرف، جاءوا رجال ونساء، عشنا حالة من الذهول، هل هؤلاء أصدقاؤنا على الفيس ، إنهم أجمل بكثير .
في المساء الأول اتصل بنا سعادة الدكتور ايهاب بسيسو وزير الثقافة الفلسطيني ليدعونا للعشاء في لقاء خاص معنا، إنه شاب جميل المنظر، بهي الطلعة، صافحنا جميعا وتكلم معنا بحرقة وألم، ثم تحدث عن أفكاره الثقافية المستقبلية، كان رائعا حد الدهشة في طرحه أفكارا شبابية، أفكارا كونية، أفكاره غزة بحاجة إليها، كانت غزة محور حديثه ورؤيته، وضمن ما قاله: أنني أرسلت أكثر من ستين طلب تصريح لغزة، لكن ما صدر حتى الآن سبعة عشر، والباقي لا زلت على تواصل مع جميع الجهات المعنية لإحضار الباقي هنا، ليشاركونا فرحة افتتاح المعرض، كانت ابتسامته توزع علينا مع نظراته بالتساوي بين الجالسين، حدثنا عن مشروع المعرض الدولي للكتاب وكيف دعا معظم الدول العربية وكان رأيه أن يكون على شرف دولة الكويت الشقيق وذلك لاعتبارات سياسية وفكرية تحدث عنها بإسهاب، فاجأنا كيف يفكر هذا الوزير الشاب بطريقة استراتيجة تلتحم مع طموحات شبابنا ومستقبلهم , وتمنى أن يكون المعرض القادم في غزة , ويفكر في ذلك بالرغم من العقبات المنتظرة أمامه، لكن لديه إصرار شديد على التفاعل مع مثقفي غزة وشبابها .
شاركنا في اليوم التالي بالمعرض، قد لا تصدقون أنني رأيت الآلاف خارج أسوار المعرض ينتظرون دورهم للدخول المجاني، والآلاف داخل المعرض يتجولون، نجد أردنيين وكويتيين وتونسيين ومغاربة ومصريين وخليجيين، وفلسطينيين من كل بقاع الأرض، إنها تظاهرة ثقافية عربية الأول من نوعها في فلسطين، إنها الأمة العربية بكافة دور نشرها ومثقفيها، شبابها وصبايها، حرية مطلقة في التعبير، حرية مطلقة في السلوك، القوانين محددة داخل عقولنا وثقافتنا، السيارة تقف بأدب إذا أردت قطع الشارع عن بعد عشرين متر، الماء العذب بطريقة حضارية في كل زوايا المعرض، الفن التشكيلي حاضر في المعرض، التراث الشعبي العربي كذلك، مرت الأيام كالبرق، كلمح العين ، هل نحن نعيش أضغاث أحلام أم حقيقة ؟ .
كانوا يبحثون عن فريق غزة لالتقاط الصور معنا، كل العرب فعلوا ذلك حتى كبار الكتاب كانوا يفتخرون في التقاط الصور معنا، وكأنهم يرثون حالنا، ويتعاطفون معنا، كانوا يتسابقون لإهدائنا كتبا وروايات وأشعارا، ويخطون عليها توقيعهم، هل لديهم فكرة بأنه اللقاء الأول والأخير !!
كانت ندوتي قلت فيها ( جئتكم من هناك، من بعيد، إنها معلقة بين الكاف والنون، بين الفاء والسين … من هناك، من غزة )
وكان التصفيق الحاد، هل لأنني من غزة !!
بعد المحاضرة سألتني صديقة ما معنى ( بين الفاء والسين ) قلت: قد يكون بين فتح وحماس، أو بين فلسطين وسيناء . هكذا خرجت بالصدفة وكانت لها دلالتها . أزف موعد رحيلنا، ينتهى التصريح غدا مع موعد إغلاق المعابر، لكن لم يسمح لنا بالخروج من معبر قلنديا، لأن المعابر مغلقة، عدنا أدراجنا وكانت وفود عربية جاءت الى الفندق وامتلأ عن آخره، كان اقتراحنا أن ننزل على حسابنا في فندق بسيط، ونحن في طريقنا إلي الفندق البسيط اتصل سعادة وزير الثقافة الدكتور إيهاب بسيسو قائلا: اتجهوا إلى فندق ( بلازا ) وهو الأفخم في رام الله، أنتم أبناء غزة لن يعلوا عليكم أحد، أنتم ضيوفي هنا , كم كانت كلماته بلسما على جرح نفسي غائر، سعدنا بك أيها الوزير، ثم جاءنا مرة أخرى ومرة أخرى، ثم جمعنا بالوفد الكويتي في سهرة من أجمل السهرات الثقافية، ثم جمعنا بالناشرين وباقي الوفود العربية، ثم بالسيد الرئيس، كانت كلمات وداعه لنا تخرج من قلب شاب يعرف معنى الانتماء ومعنى الوطن ومعنى الايثار ومعنى حرق الذات من أجل الكل، ثم أمر بسيارة كبيرة توصلنا إلى معبر غزة، وقد أطمأن علينا فردا فردا، هو شاب لكن شعرنا بأنه أب للجميع من موقع مسئوليته، صراحة أقولها لأول مرة أشعر أن وزير ثقافة فلسطيني معني حقيقة بالثقافة خاصة الشبابية منها . لأول مرة أسمع من وزير ثقافة عربي رؤية استراتيجة مسقبلية للثقافة، لكن يبدو أن الوضع المالي لدينا لا يساعد على تنفيذ طموحات الشباب الكبيرة .

شاهد أيضاً

المصابيح الزرق انطفأتْ من زمان

*خليل النعيمي كنا صغاراً، وكانت «الحسَكَة» كبيرة. كبيرة جداً علينا. كنا ثلاثة: هشام وعوّاد وأنا. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *