الرئيسية / قراءات / روايات خطرة 2

روايات خطرة 2


*ديكستر فيلكنز/ ترجمة: أحمد شافعي


بنجاح حنيف في روايته الأولى، ارتقى إلى مصافّ الطبقة العليا من الكتّاب الباكستانيين باللغة الإنجليزية لاحقا بركاب محسن حامد (صاحب «كيف تصبح ثريا قذرا في آسيا الناهضة») ودانيال معين الدين (صاحب «في غرف أخرى، عجائب أخرى»). لكن في حين يتركَّز أغلب الأدب الروائي الباكستاني- كأعمال محسن حامد- على حياة الطبقة العليا، أو على التقاليد الإقطاعية الآفلة- شأن أدب معين الدين، يركز حنيف على عناصر المجتمع الوضيعة، وإخفاقات حراس بلده الذين لا مثيل لهم. قالت تشيكي ساركار- رئيسة دار راندم هاوس الهندية وقت نشر «المانجو»- إن حنيف يمتاز بتواضع نشأته نسبيا. فقد نشأ في أسرة من الطبقة الوسطى، والتحق بمدرسة حكومية، وبقي في باكستان حتى الكلية، واقترب بسبب عمله في الصحافة من كفاح الباكستانيين العاديين وإحباطاتهم. قالت إن «حنيف يكتب بالإنجليزية، لكن عالمه وخياله وطرافته تأتي جميعا من اللغة غير الإنجليزية، فهو يكتب بروح العامية».
يعيش حنيف في حي الديفنس «Defence» وهو حي عريق المنازل يطلّ على بحر العرب. وهو من ألطف الأماكن في كراتشي، ويمتلئ بنوعية الناس التي يمكن أن تقبل على شراء روايات حنيف، ولكنه في الوقت نفسه حي ذو ثراء خادع. فكثير من البيوت متمترس وراء أكياس الرمل والجدران الخرسانية ومحميٌّ بحرس مسلحين، وفي الحي منزل وزير الإسكان الحالي في محافظة السِّند، على بعد بضعة منازل من منزل حنيف، ويبدو أشبه بحصن. المولّدات تواجه نقص الكهرباء المزمن في المدينة. وقد يبدو أن ديفنس هو حي فاحشي الثراء، لكن بوسع المرء في كراتشي- كما قال لي كاتب باكستاني- أن يعيش حياة فاحشي الثراء بدخل لا يتجاوز مائة ألف دولار سنويا.
يعيش حنيف في بيت مريح من طابقين، تحيط به الأسوار شأن بقية البيوت. لكنه لا يوظف جيشا من الخدم، وبيته من الداخل بسيط بعيد عن المباهاة. حينما تعبر بوابة البيت يحييك كلبان لدى حنيف، وهذه لمسة غربية بسيطة، فالكلاب في المجتمع الإسلامي تعد بصفة عامة نجسا.
يبذل حنيف ما في وسعه للبقاء على اتصال بـ «نبض الشارع». فيعود بانتظام إلى قريته ليرى أصدقاءه القدامى. وغالبا ما يكتب بالأردية ـ مسرحيات وأغنيات وأعمالا صحفية ـ ويظهر في التليفزيون الناطق بالأردية. ويقول إن تأثير أعماله الأردية أوضح، وإن عددا أكبر من الناس يتصل به للتعليق على مقالاته، وإن نقده للحكومة أو الجيش يكون أقوى أثرا. ولكن أعنف كتاباته لا يصل دائما إلى الجمهور الأوسع. فقد ظلت «المانجو» لثماني سنوات بعد نشرها بالإنجليزية دون أن تصدر بالأردية. وحينما يظهر هو وبوتشا- التي تمثل في الأفلام والمسلسلات الناطقة بالأردية- في العلن، يتعرف الناس عليها أكثر مما يتعرفون عليه.
على مدار سنوات من قراءة حنيف للصحافة الباكستانية، بدا أنه لا يمرّ يوم بدون خبر على الأقل عن هجمة على امرأة: أطلق عليها شقيقها الرصاص، أو رجمها جمع من الناس بالحجارة حتى الموت، أو حكم عليها بالإعدام بعد اتهام عائلة زوجها لها بالإساءة إلى النبي. وحينما وصلت إلى كراتشي، كانت القصة الرائجة قصة امرأة أحرقها أقاربها.
في عام 2008، بدأ حنيف يتخيل قصة امرأة تقاتل انتقاما من المجتمع الباكستاني البطريركي. قال «خطرت لي فكرة هذه البطلة الخارقة التي تطير في الجو وتركل المؤخرات». كما أنه استوحاها من رئيسته في نيوزلاين، وهي محررة تدعى «راضية باتي» وكانت تدفعه دفعا إلى تعقب كبار المسؤولين النافذين. «كنا نكتب الأخبار أيامها على لفائف طويلة من الورق، فكانت تجلس معي وتقرأ المواد سطرا بعد سطر، كانت مقاتلة حقيقية، لا مكان في قلبها للخوف».
بعد محاولات قليلة، وجد حنيف أنه لا يشعر بالارتياح للكتابة بغرور بطلة خارقة، «كنت أخشى أنني أكتب نوعا رديئا من أفلام هونج كونج»، فعدل عن الفكرة. ثم خطر له سيناريو آخر. كانت والدته، قبل سنوات، قد عانت من مرض ما نقلت على أثره إلى المستشفى. فقضى معها أياما هناك، في عنبر تعمل فيه على مدار الساعة ممرضات أغلبهن من المسيحيات، والمسيحيون أقلية ضئيلة الحجم في باكستان. قال حنيف إن «في باكستان مؤسسات كثيرة للغاية لا تعمل على الإطلاق، فبهتني ما رأيته في أولئك الممرضات من تفانٍ. رواتبهن منخفضة للغاية. وليس هناك من يشرف عليهن، وفي منتصف الليل، كنت أجدهن مستمرات في العمل بأكبر قدر ممكن من التفاني».
خطرت لحنيف فكرة الكتابة عن ممرضة في مستشفى بال. «أليسْ باتي» (باسم محررته القديمة) شابة شديدة القوة: ذكية مستقلة ثائرة إلى حد الطيش والتهور. تعمل ممرضة في «مستشفى القلب المقدس لجميع الأمراض»، وهي كيان كاثوليكي متداع في كراتشي يعاني من الفساد وقلة التمويل والقذارة الرهيبة: فالجرذان تبني أعشاشها من شعر الناس، وأجولة الخيش المملوءة بالأجزاء البشرية تتكدس في الأركان. أليس مسيحية، ابنة معالج ديني، من حي مسيحي حقير يدعى «المستعمرة الفرنسية». تنحدر الممرضة من عائلة «كناسين» أو بوابين، وهي مهنة يوشك المسيحيون أن يسيطروا عليها. ترى أليس في المستشفى أحط أوجه كراتشي، ترى قتلة ومتحرشين لا يعرف بأمرهم أحد، وجثث لا يتسلمها أحد. ولكن أليس تصر ـ قبل أي شيء آخر- على الدفاع عن نفسها أمام موجة لا نهاية لها من الإهانات والهجمات:
«لم يمض يوم، أي يوم، دون أن ترى امرأة مضروبة برصاصة أو بالأيدي، مختنقة أو مخنوقة، مسمومة أو محروقة، مشنوقة أو مدفونة حية. زوج يشك، أخ يحمي شرفه، أب يحمي شرفه، ابن يحمي شرفه، حبيب مهجور يحمي شرفه، مزارعون متخاصمون يسوون نزاعاتهم على الري، مرآب يحصّل فوائده: بدا أن أغلب نزاعات الحياة تتم من خلال بشاعات في أجسام النساء.
في مدينة أخرى، ربما كانت أليس لتتصل بالشرطة. لكن علاقتها الوحيدة بقوات تنفيذ القانون تتمثل في تيدي بات لاعب كمال الأجسام الذي يعمل ليلا ضمن فرقة إعدام شرطية. يقع بات ـ وهو أبله جهير الصوت كأنه مغتصب فاجر ـ في غرام أليس، ويعترف بحبه لها وهو يحتجزها في إحدى نقاط التفتيش. وحينما تصدُّه، يخرج من المستشفى يائسا ليطلق رصاصات في الهواء، فيفزع سائق شاحنة، ليضغط على الكوابح، مما يتسبب في انحراف مركبة، ومصرع خمسة تلاميذ كانوا يعبرون الشارع، فيثير ذلك شغبا ينتشر في شتى أرجاء كراتشي، وخلاله يقوم آلاف المواطنين المضطهدين باقتحام المطاعم، وحرق الإطارات، وقلب السيارات، وتستمر الفوضى ثلاثة أيام، يموت خلالها أحد عشر شخصا، وتخلو أحياء كاملة من سكانها، قبل أن تستقر الأمور. «وتبدأ الجرائد في التنبؤ بأن ’الحالة الطبيعية ترجع بخطى ثقيلة إلى المدينة، كما لو كان الجميع خرجوا في رحلة ورجعوا منها بكواحل ملتوية».
«السيدة أليس باتي» كتاب طريف، خفيف أكثر مما يوحي موضوعه، ولكن قوته تكمن في تصويره كيفية سحق أليس بلا رحمة. وأخيرا، توافق أليس على الزواج من تيدي- لرغبتها في المقام الأول في الانتقال إلى شقة أوسع- لكنه يحار أمام اعتزازها بنفسها ويحاول أن يجعلها تتصرف تصرف زوجة عادية. وحينما تحاول أن تتركه، يشعر بإهانة ويسعى إلى علاج دائم لكرامته: فيرمي على وجهها ماء نار. وكأن حنيف يقول إن أليس وإن تكن بطلة خارقة، لكن حتى البطلة الخارقة في باكستان لا يمكن أن تنتصر.
***
يقع نادي الصحافة في كراتشي في قصر أقيم أثناء الحكم الاستعماري، بشبابيك خشبية طويلة تحول دون الحرارة، ونخيل يصطف على جانبيه. يجلس الصحفيون إلى موائد يدخنون ويثرثرون. وفي عصر كل يوم يتجمع أصحاب المظالم ليتظاهروا أمام النادي، وقد يصل عددهم أحيانا إلى الآلاف. ذلك طقس غريب: فالمتظاهرون يأتون إلى الصحفيين، بدلا من أن يحدث العكس. قال لي حنيف ـ الذي يتردد على النادي بانتظام ـ إن «الأمر ينجح بهذه الطريقة لأن الصحفيين أشد كسلا من أن يخرجوا بأنفسهم».
تعمل الصحافة الباكستانية في ظل مزيج غريب من الامتيازات والقيود. يكفي أن تتناول إحدى الجرائد الجيدة الناطقة بالإنجليزية ـ مثل نيوز «الأخبار» أو دون «الفجر» ـ لتجد فيها تغطيات عميقة لقضايا الأمن الوطني، والفقر، والفساد الحكومي. ولكن في ما لا يتجاوز حدودا غامضة ومتغيرة، لن ترى صحفيا يشطح إلا وهو يخاطر. ففي عام 2010، تعرض عمر تشيما ـ الذي كتب عن المعارضة داخل الجيش ـ للاختطاف على أيدي رجال في زي رسمي شرطي شاع اعتقاد على نطاق واسع بأنهم عناصر من جهاز المخابرات الداخلية. حلقوا شعر رأسه، وأذلوه جنسيا، وألقوا به على بعد أميال من منزله، بعد إنذاره بالتوقف. وفي السنة التالية، نشر سليم شاهزاد أخبارا تقطع بأن القوات المسلحة قد تعرضت لاختراق من القاعدة. فضرب حتى الموت وألقيت جثته في ترعة.
اختراق الميلشيات الإسلامية للقوات المسلحة طالما كان موضوعا خطيرا، والتجديف ـ في ظل قوانين البلد ـ موضوع آخر لا يقل خطورة. وفي السنوات القليلة الأخيرة ظهر موضوع ثالث هو التمرد الدموي في محافظة بلوشستان حيث اتهم الجيش وأجهزة المخابرات بحملة اختطافات وتعذيب وإعدامات. وبحسب تقارير لجنة حماية الصحفيين، تعرض ثلاثة عشر صحفيا ممن يقومون بتغطية بلوشستان للقتل منذ عام 1992. وفي عام 2014، تعرض حامد مير ـ أشهر صحفي تلفزيوني في باكستان، وقد انتقد الجيش وجهاز المخابرات الداخلي في مقالات له ـ لإطلاق ست رصاصات من مسلحين مجهولين وهو يسوق سيارته إلى العمل. يقول مير إن قناته منذ ذلك الحين توقفت عن الإفراط في تغطية أخبار بلوشستان.
في عام 2012، طلبت مفوضية حقوق الإنسان في باكستان من حنيف أن يكتب سلسلة مقالات عن المعارضين الذين اختفوا في بلوشستان. جمعت مقالات حنيف هذه في كتاب بعنوان «البلوشي غير المفقود ومفقودون آخرون»، كما نشرت في جرائد ناطقة بالإنجليزية. بعد صدور الكتاب، تلقى حنيف اتصالا من صديق قديم في القوات الجوية أصبح جنرالا. قال الصديق «سمعت من يتكلمون عنك بسوء، لماذا تخاطر بنفسك؟». اعتبر حنيف الرسالة تحذيرا محسوبا، «كان يبلغني رسالة».
كانت هناك إشارات أخرى إلى أنه حتى النخبة الناطقة بالإنجليزية لم تعد آمنة. في يناير 2011، لقي سلمان تاسير محافظ البنجاب مصرعه رميا بالرصاص بعد أن أدان إعدام امرأة مسيحية فقيرة اتهمت بالإساءة إلى النبي إثر رفض نساء الشرب من إناء لمسته تلك المرأة. «وكان ذلك تحولا جذريا» وفقا لتقدير الروائية كاملة شمسي.
في ابريل الماضي، كانت سابين محمود ـ وهي صديقة مقربة لحنيف تدير قاعة فعاليات محلية تحمل اسم «الطابق الثاني» ـ تخطط لحلقة نقاشية تضم زعماء من البلوش. وخشية أن يصدر رد فعل سلبي عن جهاز المخابرات الداخلية طلبت من حنيف النصيحة. قال لها إن الأمر ينطوي على مخاطرة كبيرة، ولكن سابين قررت المضي قدما برغم أي شيء.
كان حنيف خارج البلدة في ليلة المناقشة، لكنه تابعها من خلال تويتر، ولم يشعر بالارتياح إلا حينما انتهت الحلقة بدون وقوع حوادث. ولم تمض دقائق إلا وجاءه اتصال هاتفي من صديق: مسلحون أوقفوا سيارتهم بجوار سيارة سابين محمود وأطلقوا الرصاص فقتلوها وأصابوا والدتها. قال «صدمني ذلك بحق. لقد كنت أقول لنفسي، مثلما كانت سابين تقول لنفسها، إننا صغار للغاية، فمن الذي يبالي بمائة وعشرين شخصا يجلسون في غرفة يتكلمون، حفنة من الفاشلين المتشابهين؟» موت سابين محمود كان مقياسا لمدى تغير الأوضاع في باكستان. فصارت المقالات التي كتبها حنيف عن بلوشستان «مستحيلة الآن» كما قال.
أعلنت الشرطة أنهم اعتقلوا مشتبها به في القتل، ولكنه لم يبد من أي وجه قاتلا، فقد كان طالبا في إحدى أرقى الجامعات الباكستانية. ويشك كثير من أصدقاء سابين محمود في أن جهاز المخابرات الداخلية هو الذي اغتالها. في سبتمبر، لقي سائقها الذي شهد الاغتيال مصرعه هو الآخر رميا بالرصاص. وبعد مصرع سابين محمود، تجمَّع عدد كبير من الأنصار أمام نادي الصحافة وخططوا لمظاهرات تطالب بالكشف عن حقيقة ما جرى لها. وانضم لهم حنيف. قال «إنني لست متظاهرا بطبيعتي، لكن بدا لي أن ذلك هو الشيء الذي يليق بي أن أفعله»، قال إن الجمع كان معقولا، يبلغ نحو مائتي فرد، ولكن العدد سرعان ما تضاءل، فلم يحضر في اليوم العشرين- بحسب ما قال لي حنيف- غير ثلاثة أشخاص.
يبدو أن جمهور حنيف لم يفقد شهيته للغضب، أو للسخرية على أقل تقدير. ففي جلسة نقاشية في مهرجان كراتش الأدبي وقفت من وسط الجمهور امرأة وطلبت من حنيف أن يكتب رواية متألقة مثل روايته الأولى. قالت إن «رواية ’علبة المانجو المتفجرة’ كانت شديدة القرب من الحقيقة. النسخة التي لدي بليت الآن، فقد استعارها مني أكثر من عشرة أصدقاء».
عمل حنيف الجديد يحمل عنوان «زوجة الدكتاتور» وهو عمل غنائي كتبه مع الملحن محمد فيروز وسوف يشهد مركز كينيدي افتتاحه في يناير. شخصيات العمل الرئيسية لا أسماء لها، فقط السيدة الأولى وزوجها شخصيا، ولكن هناك شبها لا تخطئه العين بينهما وبين برفيز مشرف وزوجته سبحة Sebha. الدكتاتور المعني لا يظهر نهائيا على المسرح. وفي حين تنهمك زوجته في التخلص من المتظاهرين الغاضبين وفي التذمر من زيجتها، يكون هو في الحمام، لا تمثله غير أغنية لاذعة ينشدها معاونوه بالنيابة عنه:
حينما تكون مرغما على قهر
مائتي مليون شخص
تكون بحاجة إلى وقت للراحة.
وبعد أن تفبرك الانتخابات
وبعد كل أفعالك الإيجابية
تحتاج بضع لحظات للتأمل في ذاتك
تحتاج وقتا لنفسك.
هذا النوع من التأثير الضاحك بات شديد الندرة في كتابة حنيف الذي بات ينحو منحى مأساويا باطراد. في العام الماضي طلب منه فيروز التعاون معه في أوبرا عن بينظير بوتو. كان حنيف يفكر في تأليف كتاب عنها، لكنه قرر أن حياتها- المليئة بالموت والفساد والخيانة- أشد دراماتيكية مما ينبغي. قال لي حنيف إنها «حياة مغالى فيها». لكن الأوبرا بدت وسيطا ملائما. «في الأوبرا، كل الناس تتعرض للقتل، وكل الأشياء مغالى فيها على أي حال».
عرف حنيف بوتو معرفة سطحية عابرة، فحينما كان يعيش في إنجلترا، كانت هي الأخرى تعيش هناك، هاربة من مذكرات اعتقال صدرت في حقها إثر فضيحة أدت إلى انهيار حكومتها. وكانت بين الحين والآخر تتردد على بي بي سي لتعلق على الأخبار الواردة من الوطن.
في عام 2007، حصلت بوتو على عفو، ورجعت في أكتوبر من ذلك العام إلى باكستان للترشح لولاية ثالثة. وفي غضون ساعة من وصولها، هاجم تفجيري انتحاري موكبها، مما أسفر عن مقتل أكثر من مائة وأربعين شخصا. قال حنيف «لم يخطر لأحد أن يحدث مثل ذلك مرة أخرى. فما كادت تنجو حتى باتت آمنة»، ولكنها هوجمت بعد شهرين من نجاتها مرة أخرى، إذ هاجمها تفجيري انتحاري ورجال مسلحون. وفي هذه المرة لقيت مصرعها».
تعتزم أوبرا بيتسبرج عرض أوبرا «بوتو» في 2018، وفي حين يكتب حنيف النص، يتبادل هو وفيروز الأفكار عبر مكالمات دولية. وفي النص بعض لحظات حنيف الكوميدية الفوضوية: فمن الشخصيات الرئيسية وزير يدعى «مولانا ويسكي»، وبينظير تنادى باسم تدليلها في طفولتها وهو بينكي. ولكن أغلب القصة يبدو غارقا في ثلاثين عاما من الاضطراب السياسي والاجتماعي. تتكون الأوبرا من ثلاثة فصول، كل منها يتركز على وفاة صاخبة: شنق والد بينظير على يد ضياء الحق، وانفجار طائرة ضياء الحق، واغتيال بينظير.
من المؤكد أن «بوتو» سوف تحدث صخبا في باكسان، سواء عرضت فيها أم لم تعرض. لأن قسما كبيرا من الشعب الباكستاني يقدس ذكرى عائلتها، ولأن لغز اغتيالها لم يحل بعد. وتجري حاليا محاكمة مشرف ـ الذي كان رئيسا في ذلك الوقت ـ في قضية الاغتيال. وهو يصر على أنه فعل كل ما في وسعه لحمايتها عندما تلقى تقارير من المخابرات تفيد باحتمال تعرضها لهجوم. لكن نصيرا لبوتو في الولايات المتحدة هو مارك سيجل شهد بأن مشرف رفض طلبا من بوتو بتوفير مزيد من الأمن وقال لها إن «أمنك يعتمد على العلاقة بيننا».
كما أن تركة بوتو لم تزل باقية بطرق أكثر إلحاحا. فجماعة الطالبان التي ازدهرت خلال عهدها تحشد قواها حاليا في أفغانستان، والجماعات التابعة لها تخوض حربا مع الدولة الباكستانية. وفي مقالة حديثة كتبها حنيف في التايمز، عدَّد الكاتب سلسلة هجمات في باكستان، من بينها غارة على مدرسة أدت إلى مقتل مائة وأربعين طفلا. وزعم الجيش بعدها أن الهجمات دليل على أن «الأهداف الصعبة» كالمطارات والقواعد العسكرية باتت عصية على الاستهداف. كتب حنيف أن «اللغة المستعملة في نقل أخبار المذابح والتعليق عليها جاءت احتفائية وعادية بصورة مقززة. وصف الطلبة بالشهداء. ولقيت شجاعتهم الثناء. وكم يحتاج المرء من الشجاعة كي يتلقى رصاصة في رأسه … هذه شهادة مفروضة، وليست علامة قوة. بل علامة عجز مطلق».
للمرة الأولى منذ سنين، بدأ حنيف يتساءل عن مستقبله في باكستان. فقد طلبت منه زوجته بوتشا أن يتوقف عن الظهور في التلفزيون خوفا على أمنه. قالت لي «إنني أفكر في هذا الأمر طيلة الوقت. فلا ينبغي أن يكون المرء مسموع الكلمة في باكستان كي يتعرض للقتل. والذين نخاف منهم هم الذين لا نعرفهم». وهي حنيف يتكلمان عما لو كان أجدر بالأسرة أن ترحل من البلد. في الوقت نفسه، يشجع هو الشائعات التي تتردد أحيانا عن كونه يعيش خارج باكستان.
عندما كان حنيف يعمل في بي بي سي، كان يذهب كل يوم إلى العمل راجيا ألا تتصدر باكستان الأخبار في يومه ذلك. ونادرا ما كان رجاؤه يتحقق. وقد كان في ذلك نفع لكاتب منخرط في السياسة. فالمجتمعات المضطربة سياسيا غالبا ما تنتج أدبا عظيما: روسيا في فترة أفول القياصرة، الهند في أعقاب الاستقلال، أمريكا اللاتينية في أعقاب الحرب العالمية الثانية. وباكستان ـ التي تعيش اضطرابا يمكن الاعتماد عليه منذ عام 1947 ـ كانت لحنيف معين شخصيات وأفكار لا ينضب. ولكنه يصر على أنه كان ليصبح أسعد حالا لو هدأت البلد بطريقة أو بأخرى. قال «إنني لا أريد الرحيل. لو كانت باكستان طبيعية ومملة، لكنت أحببت ذلك. وأنا مستعد أن أغلق فمي لفترة، لو أن هذا هو الثمن».
• عن ذي نيويوركر
__________
*جريدة عُمان

شاهد أيضاً

أسلاك شائكة للكاتب مصطفى لغتيري في طبعة ثالثة

خاص- ثقافات بعد نفاد طبعتها الأولى والثانية، تصدر رواية “أسلاك شائكة” للروائي المغربي مصطفى لغتتيري …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *