الرئيسية / مقالات / دموع دراكولا.. في فندق الطيبين!

دموع دراكولا.. في فندق الطيبين!



منى أبو النصر*



في السينما فقط يمكنك أن تضبط «دراكولا» متلبسا بدموع طيبة حنون يتذكر بها زوجته الراحلة، يتذكرها كل يوم وهو يكافح من أجل حماية ابنتهما «اليتيمة» من بطش البشر، الذين يؤمن أنهم السبب الرئيسي في موت زوجته.
في السينما فقط وجد هؤلاء الذين أجمعوا على كراهية العالم لهم حلا للفرار بحياتهم، فقرروا الاحتماء بفندق بعيد.. هناك حيث لا بشر يطردون الأحلام ولا يستبيحون المشاعر.
قبل أيام شاهدت الجزء الأول من فيلم «فندق ترانسيلفانيا» Transilvania hotel، وهو الفيلم الذي أطاح بكل أيقونات الرعب، وعلي رأسهم دراكولا، وجعل منهم شخصيات مضحكة مثيرة للشفقة، قررت اللجوء بفندق لا يعرف عنه البشر شيئا، بل وممنوعون من النزول به، تصديقا لإرثهم الطويل من الظلم والقسوة التي لاقوها على أيديهم.
***
المصادفة وحدها قادتني لمشاهدة هذا الفيلم للمرة الأولي، بعد أيام قليلة من قراءتي لقصة صحفية شيقة وشديدة الإنسانية، للزميلة الصحفية الرائعة أسماء مصطفي، كانت بعنوان «رحلة لـ (فندق ترانسلفانيا) لفاقدي البصر في سينما زاوية»، وخلف هذا العنوان تلتقي بعالم كامل أبطاله أطفال من فاقدي البصر الذين كانوا يملؤون القاعة ضحكا وتفاعلا مع أجواء الفيلم الذي استمتعوا بمشاهدة كل لقطة منه بآذانهم عبر التعليق «الوصفي». 
برنامج عرض رسوم متحركة للأطفال بالوصف، هو برنامج ترعاه كل من «مصرية ميديا»، المتخصصة في ترجمة ودبلجة الأفلام والمسلسلات والرسوم المتحركة إلى اللغة العربية، وسينما «زاوية»، حسب القصة التي نشرتها جريدة «الشروق»، ونقلت عن أسماء سمير، التي قامت بالتعليق المصاحب لعرض الفيلم، إن الوصف السمعي يحتاج شخصا يمتلك حساسية في مشاهدة الأطفال لكي يتفهم الصور المهمة التي يجب نقلها لفاقد البصر، حتى يتمكن من تجميع خيوط الفيلم، وأكدت على فكرة وصف الصور ولغة الجسد وتعابير الوجه وكذلك المناظر والملابس، في المشاهد غير المصحوبة بحوار أو في لحظات الصمت في الفيلم، حتى لا يحتاج الكفيف لسؤال «إيه اللي بيحصل هنا؟».
***
المصادفة وحدها أيضاً جعلتني أتعرف قريبا على الدكتور محمد الزيادي، مؤسس جمعية مزايا للمكفوفين، ذلك الكفيف الذي احترف آليات التعامل مع الفيس بوك، والتواصل مع الكُتاب، ومحاولة حثهم على المشاركة في مبادرته: «الثقافة تحت أطراف أصابع كل كفيف»، التي تقوم على تواصل الكتاب بمؤلفاتهم مع الجمعية لتحويلها إلى طريقة «برايل»، وهو ما يساعد على دمج آلاف القراء من فاقدي البصر في عالم المبصرين وقضاياهم وآدابهم، وتوزيع أغلبها بالمجان على مشتركي الجمعية، وبيع بعضها الآخر بثمن رمزي لصالح استمرار الجمعية التي تقف في مهب الريح لعدم الالتفات اللائق لها.
تحدث معي الزيادي بحسرة عن عدم قدرتهم على إصدار مشروع مجلة «سلاسيب»، أول مجلة للأطفال العاديين والمكفوفين في مطبوعة واحدة، بسبب نقص الإمكانيات الحاد، و«سلاسيب» جمع كلمة «سلسبيل» وهي عين الماء الصافي.
طموح محمد الزيادي لا يتوقف عند حدود، فكانت له مبادرة سابقة لم تلق الدعم الكافي بعنوان «خلي عندك دمج»، وهذه المبادرة التي دفعته، خلال التصويت على مواد دستور 2014، لطباعة هذا الدستور للمكفوفين على طريقة «برايل»، والذي يقول صاحب المبادرة إنه كان أول دستور للمكفوفين بطريقة «برايل»، وتم عندها توزيعه مجانا على أكثر من 40 مؤسسة خاصة للمكفوفين، وتضمن كيفية المشاركة، والتصويت، ومواد الدستور.
***
أن تجعل أحدهم يستغرق في أحداث رواية، أو يضحك مستبشرا بمشهد في فيلم، هو صميم الضريبة الإنسانية المنسية لكل مبصر، في الوقت الذي يجتهد آخرون لتسديدها، لاسيما أن المبادرات الداعمة لأحلامهم «البصيرة» تنتظر متطوعين جدد كل يوم، وربما كان الحديث اليوم عن مبادرة سينما «زاوية» و«مصرية ميديا» أو «جمعية مزايا للمكفوفين» مجرد إشارة لكثير من المبادرات التي تحتاج أن تُري ليري معها الملايين الذين سكن «الكبير» سيد حجاب يوما غرفتهم المظلمة، وهو يروي على لسان «العميد» طه حسين، في رائعة «الأيام»:
محبوس أنا وعمايا في الأوضه
والعتمه حوالين مني مفرودة
والسكة جدام مني مسدودة
والدنيا كل الدنيا بير سودة
* الشروق.

شاهد أيضاً

المصابيح الزرق انطفأتْ من زمان

*خليل النعيمي كنا صغاراً، وكانت «الحسَكَة» كبيرة. كبيرة جداً علينا. كنا ثلاثة: هشام وعوّاد وأنا. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *