الرئيسية / إضاءات / الملكة بوديكيا تقود آخر الثورات الكبرى

الملكة بوديكيا تقود آخر الثورات الكبرى




*د . يسري عبد الغني عبد الله



خاص ( ثقافات )
لم يكن من السهل على الرومان غزو بريطانيا ، وبالرغم من أن الغزو بدأ في عام 43 ميلادية ، إلا أن الجنود الرومان لم يصلوا إلى سكوتلندا إلا بعد جيل آخر ، ولقد قام البريطانيون بثورات عديدة على محاولات جنود الرومان لأهانتهم واستغلالهم وسوء معاملتهم .
وقادة بوديكيا تلك الملكة البريطانية الشجاعة ، أهم وأنجح هذه الثورات التي وقفت ضد البطش الروماني ، ففي عام 61 ميلادية ، توفي زوج بوديكيا ، الذي كان ملكًا على إحدى القبائل وتدعى الإيسني ، التي كانت تعيش في منطقة نور فولك ، ولما كان هذا الملك خاضعًا للرومان ، وقد اضطر أن يترك مملكته لهم في استسلام غريب بدلاً من أن يدافع عنها أو يقاوم احتلالهم الغاصب ، أو على الأقل يتركها لأرملته الشابة ، أو ابنتيه .
سيطر الرومان على جميع الأراضي الملكية ، كما صادروا أملاكًا أخرى كثيرة بعد نهبها وسلبها ، وجعلوا كثيرًا من السادة والنبلاء عبيدًا أذلاء ، وطالبوا برد جميع الديون التي ادعوا أن السادة أخذوها منهم ، وبعد كل ذلك طالبوا بجنود تحارب معهم ، كما طالبوا بضرائب باهظة على جميع أفراد الشعب .
وعندما احتجت السيدة / بوديكيا على مثل هذه الأعمال المشينة غير الإنسانية ، تم ضربها بالسياط أمام الناس ، وحرض الرومان أهل بلدها على إهانة ابنتيها ، فقررت الثورة بمساعدة قبيلة التيرينوفانتيز في منطقة سوفولك ، التي اغتصبت أراضيها ومنحت لجنود الرومان الذين استقروا في المدينة الجديدة كولشستر ، وعلى الرغم من إهانة الرومان لهم ، فقد قاموا بتشييد المدينة ، وحرثوا الأرض التي كانت في أيديهم في يوم من الأيام ، متحملين كل الصعاب و المشاق التي تعرضوا لها .
هذا ، وقد عبر المؤرخ الروماني الكبير / تاكيتوس ، الذي كتب بعد أربعين عامًا على لسان البريطانيين هذه الكلمات : كان لكل قبيلة ملك ، أما الآن فيحكمنا اثنان ، فالقائد يصب غضبه صبًا على حياتنا ، وجامع الضرائب يركز همه على نهب أملاكنا ، أما نحن الرعايا فملعونون بأي حال من الأحوال ، سواء اختلف سادتنا أو اتفقوا ، وكانت جماعات الجنود أو العبيد تمزج العنف بالإهانة والإساءة ، ولم يسلم شيء من جشعهم ورغباتهم المتوحشة ، وفي الحرب كان الأشجع أو الأقسى هو من يسلب وينهب ويعتدي وينتهك الحرمات ، كما يحدث اليوم ، فكان الجبناء والنهابون يسلبون بيوتنا ، ويختطفون أطفالنا ، ويغتصبون نساءنا ، ويأخذون رجالنا وشبابنا جنودًا أو عبيدًا لهم .
لقد أفزعت الثورة التي قادتها بوديكيا المحتل الروماني ، وكانت مدينتهم الجديدة وهي كولشستر بدون أسوار أو جدران ، ولم يكن هناك جنود رومان تحت أيديهم أو على مقربة منهم إلا على بعد 160 كيلومترًا ، بل بدت نذر النحس ـ كما يعتقدون ـ بسقوط تمثال النصر من على قاعدته ، وصاحب ذلك صيحات غريبة في الشوارع ليلاً .

وبعد حين أصبحت تلك الصيحات الغريبة هي صيحات جيش الملكة بوديكيا الشجاعة المخلصة لبلادها ، فقد احترقت المدينة بكاملها في يوم واحد ، وهلك كل شيء ، أما الفرقة الرومانية التي أرسلت للدفاع عن المدينة فقد حوصرت وأبيدت تمامًا ، كما قتل الرومان في قلاعهم النائية الحصينة ، وبدأت الملكة بوديكيا تتجه رأسًا إلى لندن .
وكان الحاكم العام الروماني الذي يدعى / سوتو نيوس بولينوس ، بفرقته في مدينة إنجليسي ، وبمجرد سماعه الأنباء ، سار بمفرده إلى لندن ، تاركًا فرقته لتتبعه بأقصى سرعة ممكنة ، وأرسل على عجل في طلب الفرقة الأخرى بكلوشستر ، ولكنهما لم يصلا في الوقت المناسب .
لندن العاصمة البريطانية الشهيرة ، لم يكن لها أسوار ، كانت مدينة كبيرة مترامية الأطراف ، لدرجة أنه كان من الصعب جدًا على أي قائد الدفاع عنها بقواته ، ولذلك تركها لتلقى مصيرها المحتوم ، وعاد حزينًا مهمومًا ليلحق بفرقته .
أما بوديكيا فقد خربت لندن ، حتى أن بعض المؤرخين يسمونها (المرأة التي خربت لندن) ، في نفس الوقت الذي خربت فيه مدينة سان ألبان ، وهما من أعظم مدن الجنوب الإنجليزي ، فقتل كل شخص وسط ألسنة النار ، أو أثناء القتال ، أو أعدم فيما بعد أو صلب ، ولم يترك إلا رجال بولينوس وحدهم ، وأخذ الذعر مع الرعب منهم كل مأخذ ، وتبدد أو أبيدت الفرقة المرابطة بكلوشستر ، دون أن تستطيع أي حراك للكر أو الفر .
وأدرك بولينوس أن الخطر العظيم يكمن في محاصرته أو الهجوم عليه قبل استعداده للمواجهة ، ولذلك اختار مكانًا في وسط إنجلترا ، حيث كانت إحدى الغابات تحمي جانبيه ومؤخرته ، وعندما ظهر البريطانيون هاجمهم بشدة قبل أن يهاجموه ، وحتى يسد البريطانيون عليه سبل النجاة ، استخدموا عرباتهم كسدود للمنفذ الوحيد ، ولذلك لم يهرب سوى قليل منهم ، عندما اشتبك معهم الرومان وأعملوا فيهم القتل دون رحمة ، أما الملكة بوديكيا قائدة الثورة فقد تجرعت السم بعد أن أدركت ضياع كل شيء ، وأبيد جيشها عن بكرة أبيه .!
أراد بولينوس أن ينتقم بعنف لمقتل 70 ألفًا من جنوده الرومانيين ، غير أن هذا كان يعني الاستمرار في القتال المشئوم ، ولذلك أرسل حاكمًا جديدًا من روما إلى بريطانيا يحمل شروطًا للسلم أكثر اعتدالاً .
كانت هذه الثورة هي آخر الثورات الكبيرة ، تعلم بعدها البريطانيون تقليد الرومان في الخطابة والزى ، ولكنهم فشلوا في تقليد أعمال الرومان ، ومارسوا الرذائل الرومانية ، ولقد كانت هزيمة الملكة بوديكيا تعني ضياع التقاليد البريطانية القديمة ، إذ أصبحوا مولدين من البريطانيين الرومانيين .
وفي لندن تجد هناك تمثالاً رائعًا للملكة بوديكيا وهي تركب عربة شبه حربية بحصانين ، رافعة سهمًا كعلامة للنصر ، وفي المتحف البريطاني تجد لوحة فيها الملكة بوديكيا ترتدي تاجها الملكي ، واقفة بين جنودها في ساحة القتال ، تشجعهم على حمل السلاح لاستعادة حريتهم –وختاما لعن الله الحر ب في كل زمان ومكان-. 
_____
*باحث في التراث الثقافي

شاهد أيضاً

طريق الحكمة، طريق السلام: كيف يفكّر “الدالاي لاما”؟ (4)

ترجمة وتقديم : لطفية الدليمي       يُعدّ الدالاي لاما إحدى أكثر الشخصيات أهمية في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *