الرئيسية / إضاءات / روايات خطرة

روايات خطرة


*ديكستر فيلكنز / ترجمة أحمد شافعي


في عصر يوم قريب، خرج الكاتب «محمد حنيف» من سيارته في حديقة الشهيدة بينظير بوتو في كراتشي. لحنيف، البالغ من العمر خمسين عاما، فكٌّ مربع بارز في رأس مربع، وله خطوة عريضة سلسة تليق بالطيار المقاتل الذي كانه في يوم من الأيام. كان يرتدي نظارة رايبان تتكلف ما يعادل نحو خمسين سنتا في أي كشك محلي، ويدخن سجائر دانهل.
الحديقة- التي أقيمت تكريما لرئيسة وزراء سابقة اغتيلت على يد تفجيري انتحاري في عام 2007- أشبه بواحة في المدينة. وكراتشي مدينة فوضوية ممتدة يسكنها قرابة العشرين مليون شخصا، ويمزقها النزاع العرقي وحروب العصابات. وقوات مكافحة الجريمة الرئيسية فيها، أي الحرس الباكستاني، تجوب شوارعها في سيارات مزودة بمدافع رشاشة. يقيم حنيف في المدينة منذ عام 2008، حينما رجع من لندن التي عمل فيها على مدار اثني عشر عاما صحفيا في إذاعة بي بي سي. ولعل كونه روائيا وصحفيا هو الذي يجعله من أقدر المراقبين لما في باكستان من تناقضات وعبث.
في مدخل الحديقة تمثال لبوتو يواجه الشارع، وهي تلوِّح بذراعها للمرور الصاخب في كراتشي. حنيف يكتب في هذه الأيام عن بوتو الشخصية الجدالية في تاريخ باكستان الحديث ومن هنا سر جاذبيتها له كشخصية روائية. قال حنيف إن «بوتو كانت ترمز- في نظر كثير من الناس- لنوع من المستقبل شبه الطبيعي شبه السلمي الذي يستطيع فيه الناس أن يعيشوا حياتهم بدون أشياء يصدر عنها طول الوقت بومْ بومْ بومْ». لكنها سرقت من أموال الشعب بليونا ونصف البليون من الدولارات، وصار زوجها آصف زراداري معروفا بـ «مستر عشرة في المائة»، في إشارة إلى النسبة التي يقال إنه كان يحصل عليها من كل عقد حكومي. ساهم جيش بينظير بوتو في رعاية قيام طالبان، وتقوية الجماعات الإرهابية التي لا تزال طاعونا ساريا في باكستان. وعندما أقيمت الحديقة، في سنة 2010، أحيط تمثال بوتو بسياج من حديد، حماية له من التشويه.
وراء البوابات، تراجع صخب المرور، وكان الأطفال يلعبون الكريكيت على مرج عشبي واسع. أشعل حنيف سيجارة أخرى. يميل في كلامه إلى الاقتضاب، والنبرة الهادئة المحسوبة، وكأنه يحاول تخفيف الغضب والصخب الذي يحفل به نثره. قال «كنت آتي إلى هذا المكان كثيرا، حينما كان لا يزال بحيرة وبعضا من العشب، فأجد رجال ونساء منهمكين. جميل أن استطاعت الحكومة إقامة هذه الحديقة، وأن الأرض لم تنته إلى الأيدي المعتادة».
في المدن الباكستانية، غالبا ما تنتهي الأراضي ذات القيمة إلى أيدي العصابات القوية أو رجال الأعمال لتقام عليها البنايات لاحقا. على البعد ينتصب صفٌّ من البنايات الشاهقة التي يشاع أن إحداها على الأقل ملك لزارداري الذي كان رئيسا لباكستان في ما بين 2008 و2013. وداخل الحديقة، وقعت عين حنيف على مبنى آخر غير شرعي، بجانب البحيرة. قال إن «رجال البحرية أقاموا هنا ’ناديا بحريا’. لا يمكنك أن ترى يختا واحدا، لكنهم استولوا على الأرض ليقيموا ناديا خاصا».
يقول حنيف إنه يتصادف أن أحداث رواياته تجري في باكستان، وإنه لا يجد في نفسه رغبة كبيرة في وصف المكان وشرحه للغرباء. لكنه يعترف أن المصاعب والمظالم الخاصة بالمجتمع تسهم في إضفاء حدَّة على أدبه. قال «لقد حاولت ذات مرة أن أكتب قصة تجري أحداثها في مجرَّة أخرى، فإذا بها تبدو شبيهة بكراتشي». ولقد سبق له أن كتب في سياق عمله الصحفي بجرأة عن قمع الجيش للمعارضين في الداخل ودعمه للجماعات الإرهابية. وفي اثنتين من رواياته، عمد بمكر إلى رسم بلد تديره بالكامل حفنة من متوسطي المواهب، ومجتمع كل من تبدي فيه من النساء أدنى أمارات الذكاء تنتهي إمّا ميتة أو مشوهة. وقد يكون هذا النقد خطرا في باكستان. فعلى الرغم من أن الدستور يسمح بقدر كبير من حرية التعبير، يعرف الناس ما يجعلهم يحجمون عن الكلام أو الكتابة في العلن عن أجهزة المخابرات النافذة أو الجرائم التي ترتكب باسم الإسلام. ولقد حدث منذ عام 1992، بحسب ما تشير لجنة حماية الصحفيين، أن لقي واحد وثلاثون صحفيا مصرعهم.
لا يشجع حنيف أحدا على تبني صورة له بوصفه المعارض الواقف في وجه الخطر. فحينما سأله أحد قرائه قبل سنوات عما إذا كان هدفا لقوات الأمن قال له هازلا «لا تضع هذه الأفكار في أذهان الناس». ولكنه بينه وبين نفسه يعي تمام الوعي بالصلات التي تسمح له بنطاقه المعين: فله متابعوه في الغرب، وهو صحفي سابق في بي بي سي، ويحمل جواز سفر بريطانيا. ولكنه في نهاية المطاف يرجو أن تكون حمايته هي صلته ببلده نفسه. قال «إنني ولدت هنا، والتحقت بمدرسة حكومية في القرية. أمي وأختي لا تزالان تعيشان هنا، وجميع أصدقاء طفولتي لا يزالون هنا. خدمت في القوات المسلحة. من الكتَّاب من يصيرون أجانب، حتى وهم يعيشون هنا. أما أنا فلا أعتقد أنني أجنبي. حتى الذين لا يحبونني، أنا واحد منهم. أتكلم لغتهم. لا أسافر مصحوبا بحرس. ولم آت من إنجلترا أمس».
حينما ولد حنيف، كان قد مضى على استقلال باكستان ثمانية عشر عاما، وعلى قيام الجمهورية الإسلامية فيها تسع سنين. أمة يوحدها الدين، ويقسمها كل ما عداه: الطبقة والطائفة واللغة والعرق. نشأ حنيف في قرية بمحافظة بنجاب، وهي موطن الجماعة العرقية المسيطرة تاريخيا، أي جماعة البنجاب. كان أبوه مزارعا، شأن جميع الناس هناك، ولم يكن أيٌّ من أبويه يجيد القراءة أو الكتابة، فلم يكن من كتاب في البيت غير القرآن. كان حنيف يستعير الكتب بجنون، بلغته الأولى في البداية، وهي البنجابية، ثم تعلم في مراهقته الأردية، وهي اللغة الوطنية، والإنجليزية التي أتاحت له قراءة الروايات البريطانية والأمريكية وأعمال روسيا وأمريكا اللاتينية المترجمة إليها. قال إن «الإنجليزية هي اللغة التي ترتبط لديَّ بالرواية».
ضاق حنيف ذرعا بحياة البلدة الصغيرة. فلما رأى وهو في السادسة عشرة إعلانا من القوات الجوية في الصحيفة المحلية يطلب مجندين، رأى في ذلك مخرجا، فوقَّع عقدا للخدمة على مدار ثماني عشرة سنة. قال «إن أبي لم يصدق أنني وقعت بالفعل». والجيش الباكستاني- في أغلب أنحاء العالم- ليس بالمؤسسة المحترمة، فقد خسر تقريبا كل حرب خاضها، بما في ذلك حربه مع الهند سنة 1971، التي تعرض فيها ثلث الجيش للأسر. ولكنه استطاع برغم ذلك أن يجعل من نفسه داخل باكستان وصيا قويا على المال والسلطة. فلم ينجح حاكم مدني منتخب حتى عام 2013 أن يسلِّم السلطة لحاكم مدني آخر، إذ دائما ما كان هناك تدخل من الجيش.
في القوات الجوية، تدرّب حنيف على أن يكون طيارا مقاتلا، يقود طائرة تي 37 ذات المحركين التوأمين أمريكية الصنع. قال «كرهت كل دقيقة مرَّت عليَّ هناك». وكان يتهرب من الخدمة كلما استطاع ويغرق نفسه في قراءة روايات جراهام جرين وجوزيف هيلر، وفي بعض الأحيان كان يقرأ لرفاقه الضباط من رواية Catch-22 [«الخدعة 22» بحسب بعض الترجمات وهي رواية لجوزيف هيلر] التي كانت تبدو وثيقة الصلة [بوضعهم]. قال إن «هذه هي الحياة التي كنا نحياها، ما لم نكن في الحرب».
في أصيل يوم من أغسطس سنة 1988، كان حنيف جالسا مع أصدقائه في مطعم الضباط يرتبون لما سيفعلونه في سهرتهم. «وإذا بالقناة التلفزيونية الوحيدة في باكستان توقف برامجها وتبدأ في بث القرآن، وهذه» كما قال «علامة واضحة على أن حدثا جسيما قد وقع». بعد التلاوة القرآنية أذيع إعلان بأن الطائرة التي تقل الدكتاتور العسكري الجنرال محمد ضياء الحق انفجرت في الهواء. (أدى الانفجار أيضا إلى مصرع كثير من مستشاري ضياء الحق والسفير الأمريكي آرنولد رافائيل). كان ضياء الحق قد استولى على السلطة قبل عقد، بعدما أطاح برئيس الوزراء «ذو الفقار علي بوتو»- والد بينظير- وأمر بشنقه. وتعهد ضياء أنه «بعون الله القدير، سوف تفعل القوات المسلحة كل ما في وسعها لضمان الاستقرار». وبدلا من ذلك أشرف على حملة كبيرة أمريكية التمويل لطرد قوات الاتحاد السوفييتي من أفغانستان. وقد ساعدت الحرب- بجانب كميات السلاح والنقود الهائلة التي تدفقت إلى داخل البلد- على صبغ باكستان بصبغة التطرف. ولقد كان ضياء الحق يوم انفجرت به الطائرة في طريقه إلى قاعدة جوية بعدما فحص دبابات أمريكية كان يريد شراءها.
حينما اكتشف حنيف ورفاقه الضباط أن ضياء الحق قد قتل، احتفلوا، وجمعوا النقود فاشتروا زجاجة من الويسكي برغم المنع. قال حنيف «أقصد أننا فرحنا. فقرب نهاية فترة حكمه، كانت الأمور قد أفلتت منه تماما. لقد كان في السلطة منذ الأبد، والقادة حينما يطول بهم البقاء في السلطة يشرعون في عمل أمور غبية. كان كل سنتين يطلع علينا بنسخة جديدة من ’الإسلام الحقيقي’». ضياء الحق هو الذي أسس الأسلمة الكاسحة للمجتمع الباكستاني، فأقرَّ لجرائم من قبيل الزنا والسرقة عقوبات كالرجم والبتر. وفي عهده كان هناك آلاف من السجناء السياسيين، كما أمر بجلد الموالين لبوتو. قال حنيف «حينما قتل، بدأ وكأنه لقي جزاءه. كان واضحا أن هناك من فجّره».
بعد ثلاثة أشهر، ترك حنيف القوات الجوية، قبل عقد من موعد انتهاء تعاقده، وكان أبوه قد توفي، فسمح له هذا بالتقاعد لوفاة ربِّ الأسرة. وأصبح صحفيا، يكتب عن الموضة، والملاكمة، كما بدأ يكتب لنيوزلاين Newsline التي كانت أعنف مجلة إخبارية في البلد. كانت حياة بوهيمية، إذ كان يعيش في أحياء كراتشي البسيطة، فكان من بين شركائه في السكن مجرمون ومدمنو هروين، لكنه أحب العمل. وكان من أوائل انفراداته تغطيته لأخبار طلاب ناشطين في كراتشي يديرون فروعا لعصابات عنيفة في جامعاتهم. يتذكر حسن زايدي- الذي كان يعمل صحفيا في إصدار منافس- انه كان يعجب من أين يأتي حنيف بمصادره: «كنا نقرأ مواده ونقول ’لماذا لا يكون هذا الرجل معنا؟’ كان إصبعه دائما على نبض الشارع».
في عام 1996، تلقى حنيف عرضا من بي بي سي للسفر إلى لندن والعمل في الخدمة الأردية. كان قد تزوج حديثا من الممثلة نمرة بوتشا Nimra Bucha وبدا أن الوظيفة تعده بالبعد عن مصاعب الحياة في كراتشي. وفي مقالة كتبها لاحقا تذكر أن «الناس كانوا يتعرضون للاختطاف من أجل آلاف قليلة من الروبيات، ولم يكن أحد يعدم بين أقاربه من تعرض للسطو المسلح. شاعت سرقة السيارات. ولم يكن صحفي مغمور مثلي أن يأمن من عدم ملاحقة مجرم أو اثنين له». قال لأصدقائه الباكستانيين إنه يعتزم الرجوع بعد ثلاث سنين، لكنه قضى بدلا من ذلك اثنتي عشرة.
أصبح رئيس الخدمة الأردية المشرف على فريق عمل مؤلف من ستين شخصا، وأبقته تلك الوظيفة واقعا في شرك السياسة الباكستانية. في عامه السادس، وصله خبر بأن أحد صحفييه تعرَّض للاختطاف عل يد جهاز المخابرات الداخلية I.S.I. النافذ، وخشي حنيف أن يقتلوا الصحفي، فقام- إثر نصيحة من مصدر له داخل الجهاز- بإعداد سلسلة أخبار عن الواقعة. «كان المصدر قد قال لي إننا إذا أردنا إطلاق سراحه فلا بد أن نحدث الكثير من الجلبة. فأحدثنا الكثير من الجلبة».
قبل انتقاله إلى إنجلترا، كان حنيف قد انشغل بكتابة مسرحيات تنتقد الجيش. إحداها كانت «وماذا الآن، الآن وقد متنا؟»، وكتبت في فترة توسَّع فيها القتل بغير محاكمة في كراتشي. في المسرحية، رجع أولئك الموتى إلى الحياة ليروا العالم الذي رحلوا عنه، فقرروا الرجوع على أعقابهم إلى المقبرة.
في لندن، أخذ يستهلكه البحث عمن قتل ضياء الحق. فكان يجري اتصالات هاتفية، ويبحث في حيوات المقربين من الرئيس المغتال، محاولا أن يخمِّن المشبوهين المحتملين: السي آي آيه، والإسرائيليين، والهنود، والسوفييت المنافسين في الجيش، بل وصندوق من المانجو ذهبت بعض النظريات إلى أنه وضع على الطائرة ترتيبا لحفل ثم انفجر. ولم يلق غير الصمت. قال «لم يتكلم أحد، لا زوجة ضياء الحق، ولا زوجة السفير [الأمريكي]، ولا أحد في الجيش. وأدركت أنه ما من سبيل على وجه الأرض لمعرفة حل اللغز».
لئن كان قد عجز عن حل اللغز، فقد كان بوسعه التعامل معه في رواية، فكان أن قال لنفسه «ماذا لو أنني رفعت يدي روائيا وقلت ’أنا الذي فعلتها’؟». وتطورت الفكرة حتى أصبحت «حقيبة المانجو المتفجرة»، هي رواية إثارة ساخرة تقتفي خطى «الخدعة 22» على الطريقة الباكستانية. الراوي والقناع الذي تقنع به حنيف هو «علي شيرجي»، وهو متدرب في القوات الجوية يهرب من عبث حياة الجيش بالإفراط في المشي وتدخين الحشيش الفاخر الذي يشتريه من مسؤول مغسلة الوحدة العم ستارتشي. لشيرجي دافع قوي لمحاولة الاغتيال: فوالده اغتيل بأمر من ضياء الحق. ولكن كل من في باكستان تقريبا- في رواية حنيف- يريد قتل ضياء الحق. فرئيس مخابراته يتآمر على إطلاق غاز «في إكس» في حجرة قيادة طائرته، ومزارع مانجو يزرع قنبلة في علبة المانجو راجيا أن تكون شرارة انطلاق ثورة ماركسية ماوية. بل إن ضياء الحق يتحرك وفي أعقابه غراب يحمل لعنة امرأة عمياء كان ضياء الحق قد زجَّ بها في السجن.
ضياء الحق التاريخي كان يفتقر إلى روح الدعابة، ويغالي في تقدير ذاته، وكان طاغية عنيفا يحب أن يوصف بالإيمان والتقوى واتباع الحق. أما في رواية المانجو فهو مهرج، مصاب بالبارانويا، يتآمر عليه مرؤوسوه، وينشغل باله بشجاره الدائم مع زوجته التي طردته من غرفة النوم، وتعذبه حكة عنيفة بسبب ديدان في المستقيم. وفي إحدى المراحل، في محاولة منه لمعرفة رأي رعاياه فيه، يتنكر في شال ويذهب إلى المدينة راكبا دراجة مستعارة. وينجح تنكره إلى حد أن شرطيا يعتقله ظنا منه أنه متشرد، ويأمره أمرا مهينا: «قل ’ضياء الحق أبله أعور’ ثلاث مرات وسأتركك تذهب لحال سبيلك».
لو بدت سخرية الرواية كرتونية في بعض الأوقات، فهي أيضا سخرية شجاعة لا تعرف الخوف. فرجال الجيش يظهرون في الرواية غير مجيدين للتخطيط فهم لذلك عالة على المستشارين الأمريكيين، والراوي في الكتاب منخرط في علاقة مثلية مع طيار آخر (قال حنيف «شعرت أنني بحاجة إلى إضافة شيء من الجنس في الرواية، وكانت أحداثها تدور في ثكنات القوات الجوية»). قال حنيف إن الرواية «نقيض الصحافة» وإن كان يعترف أنه استقى مادة روايته من سنوات عمله الصحفي، ومن حواراته التي أجراها مع الناجين من السجون الباكستانية. أفسد الشخصيات في الرواية ضابط في جهاز المخابرات الداخلية هو الميجور كياني، الذي يذكر القراء باسم أشفق برفيز كياني وهو رئيس أركان الجيش الباكستاني سيء السمعة. كياني- بالنسبة للأمريكيين- هو الذي أشرف على لعبة مزدوجة بارعة حصل الجيش الباكستاني بموجبها على بلايين الدولارات من المعونة الأمريكية في مقابل المساعدة في حرب أفغانستان ورعاية طالبان سرًّا. كياني في الرواية شخص متأنق ومجنون بالتعذيب في الوقت نفسه، «ذلك الشخص الذي يرفع سماعة الهاتف ليجري مكالمة دولية فتنفجر قنبلة في سوق مزدحم». وهو أيضا متورط في مؤامرة لقتل ضياء الحق.
في الوقت الذي كان يقوم فيه حنيف بمراجعة المخطوطة، لم يكن قد أخبرا أحدا في باكستان بشيء مما يفعله. كان يجلس هو وبوتشا في شقتهما بالليل في لندن ويتساءلان عن ردود الفعل المحتملة. قال «قررت في لحظة أن أغيِّر أسماء الشخصيات. وكتبت بالفعل بضع صفحات بهذه الطريقة، ولكنها لم تكن كتابة ممتعة على الإطلاق، فرجعت سيرتي الأولى». كان يجد إلهامه في ماريو فارجاس يوسا، الكاتب والسياسي البيروفي الذي تحكي روايته «حفلة التيس» قصة رفائيل تروخيو دكتاتور جمهورية الدومينيكان العتيد. ويظهر تروخيو في الكتاب شخصا قاسيا، وعنِّينا أيضا. قال حنيف «لم يبد لي بأس في أن أفعل ذلك. يمكن القول إن الرواية هي التي سمحت لي بذلك».
حينما أنهى الرواية سنة 2007، سلَّمها لناشرة باكستانية كان يعرفها وقال إنها «لم تنظر إليها مجرد النظر». أما مجلته القديمة نيوزلاين فوافقت على نشر الكتاب، لولا أن المطبعة التي كانت المجلة تتعامل معها رفضت الطبع. وأخيرا، اشترت دار راندم هاوس في الهند- جارة باكستان وغريمتها- المخطوطة ووافقت على إرسال عدة آلاف من نسخها إلى باكستان. ووفقا لـ تشيكي ساركار- رئيسة دار راندم هاوس في الهند آنذاك- كان الجدل المتوقع أن تثيره الرواية هو الجاذب فيها. قالت «أصررت على أن يوضع وجه ضياء الحق على الغلاف. وروَّجنا للكتاب بوصفه الكتاب الذي لا يمكن أن ينشره أحد في باكستان». واحتجز صندوق من النسخ في فترة مبكرة حينما فتحه مسؤول في الجمارك ورأى صورة ضياء الحق. وبعدها بفترة قصيرة، رجع حنيف وزوجته وابنه ليعيشوا في كراتشي.
عندما نشرت رواية «المانجو»، أصاب الذهول أصدقاء حنيف في باكستان: فبعد عقد من القانون العسكري القمعي، جاء حنيف ليسخر من الجيش بلا حياء. تتذكر كاملة شمسي- زميلته الروائية- أنها فكرت في ذلك الوقت «أنه سيقول أي كلام فارغ». راقت السخرية لكثير من الناس. قالت لي شمسي إن «جوهر ما يقوله حنيف هو: تعالوا ننظر إلى ضياء الحق لا بوصفه رجلا مهمًّا، أو وحشا، بل تعالوا ننظر إليه بوصفه رجلا مثيرا للشفقة. هذا الكتاب يبدو ثأريا». لقي قبولا نقديا ممتازا في باكستان، وليس أقل أسباب ذلك أن البلد كان يعيش في ظل حكم دكتاتور آخر هو الجنرال بيرفيز مشرف الذي وصل إلى السلطة سنة 1999. وصف الناقد حسين نصير الكتاب بأنه «ذو إيقاع، مبتكر الأسلوب، ساخر النبرة، زاخر بالمعلومات، وفيه سحر». ووصلت الرواية إلى القائمة الطويلة لجائزة مانبوكر.
في حالات قليلة، علم حنيف أن «المانجو» وصلت إلى أشخاص ذوي نفوذ. فقد حدث أن اقترب منه جنرال في حفلة وسأله عن مصادر روايته، في حين سأله آخرون كيف كشف مؤامرة الاغتيال. وبعث ابن ضياء الحق رسالة شكوى لكن كان واضحا- كما قال حنيف- أنه لم يقرأ الرواية. واللافت أنه لم يصدر أي رد فعل سلبي رسمي. قال حنيف «ربما نفعني أنه ليس في الجيش من يقرأ الروايات».
ميزة الكتاب الكبيرة الثانية هي أنه كان مكتوبا بالإنجليزية. والإنجليزية تحتل في المجتمع الباكستاني موضعا متناقضا، فهي من بقايا عصر الاستعمار الذي لا يتذكره أحد بخير، وهي أيضا لغة الحكومة، والجيش، والطبقات العليا، والطامحين إلى اللحاق بركابهم. وفي حين أن نصف الباكستانيين تقريبا أميون، وكثير من بقيتهم يتكلم الأردية، أو إحدى اللغات المحلية، أما جمهور الصحافة والكتب المكتوبة بالإنجليزية فلا يعدو نخبة متحمسة ولكنها ضئيلة نسبيا. وهذا الوضع ينطوي على حدود مثلما ينطوي على فرص. فالكتّاب الذين يكتبون بالإنجليزية لديهم مجال أوسع كثيرا لانتقاد السلطات، سواء الدينية أم العلمانية، دونما عقوبة. فالشيوخ في العادة لا يقرأون بالإنجليزية، ولا يبالون كثيرا بآراء مثقفي الطبقة العليا، والساسة إلى حد كبير مشغولون بالأعداد الهائلة من الشعب الذين يقرأون أساسا بالأردية أو البنجابية أو الباشتو أو السندية أو البلوشية. وحينما كانت أعمال حنيف الصحفية المكتوبة بالإنجليزية تكشف فساد القادة أو أكاذيبهم، غالبا ما كان رد الفعل الرسمي يأتي ليّنا رحيما. قال حنيف «أحيانا ينتابني شعور بأنني أكتب في المقام الأساسي لمن يفكرون مثلما أفكر».
يتبع
عن مجلة ذي نيويوركر/ جريدة عُمان

شاهد أيضاً

هَوَامِشٌ عَلى دَفْتَرِ الشُّجُونِ التَّعْلِيمِيَّةِ

خاص- ثقافات *الدُّكْتُورُ بَلِيغ حَمْدِي إسْمَاعِيل ثمة إشارات عن النظام كمحنى إنساني جديرة بالاهتمام والتبصير …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *