الرئيسية / فنون / حوار لموسيقار الأجيال عمره 31 سنة ينشر لأول مرة: رفضت تلحين أغان دينية رغم أني تربية مشايخ

حوار لموسيقار الأجيال عمره 31 سنة ينشر لأول مرة: رفضت تلحين أغان دينية رغم أني تربية مشايخ


أجرى الحوار: أحمد عثمان*


هذا الحوار الذي ينشر لأول مرة مع موسيقار مصر الأكبر محمد عبدالوهاب عمره الآن 31 سنة. ولهذا الحوار قصة ينبغي أن نرويها أولا كتمهيد أصيل ولازم. الحوار جرى في لندن في صيف العام 1985، ويومها كان عبدالوهاب يقضي إجازته السنوية في العاصمة البريطانية، وفي جناحه بالفندق العريق كان في ضيافته كاتب المصريات المقيم في لندن منذ منتصف الستينيات أحمد عثمان، وبحكم زواج عثمان من نجلاء ابنة الموسيقار مدحت عاصم أقرب أصدقاء عبدالوهاب صارت هناك صداقة بين الكاتب وموسيقار الأجيال، وأصبح بمثابة مرافق لعبدالوهاب في زياراته الموسمية للعاصمة البريطانية. وفي ذلك الصيف كانت هناك مفاجأة بانتظار عبدالوهاب في لندن: تمثال بديع له من البرونز نحتته نجلاء مدحت عاصم وأهدته لعبدالوهاب، الذي سر بالتمثال المتقن وصنعته البديعة، وكان مزاج عبدالوهاب في ذلك الصيف البعيد رائقا وصافيا خاصة بعد تكريم الدولة له ومنحه قلادة النيل.. واستغل أحمد عثمان كاتب المصريات مزاج الأستاذ الرائق وطلب أن يسجل معه حوارا في قضية كانت تشغله آنذاك: علاقة الموسيقى والغناء بالدين والعبادة، وذهب إليه أحمد عثمان في جناحه، حاملا مسجله الصغير.
دار الحوار أو قل الدردشة في حضور الصحفية الكبيرة آمال بكير. ولظروف التنقل بين أكثر من مكان في لندن تاه الشريط وظنه أحمد عثمان ضاع للأبد، لكنه فوجئ به مؤخرا مختفيا بين أشيائه القديمة، وفي زيارته الأخيرة للقاهرة شرفني أحمد عثمان بأن أهداني هذا الكنز الذي يحكي فيه عبدالوهاب ذكريات خاصة جداً من حياته، كما يفجّر عددا من آرائه السياسية التي لم يكن يستطيع أن يعلنها في أحاديثه الرسمية.
وبمجرد أن داس أحمد عثمان على زر تشغيل المسجل وبدأ في حواره مع عبدالوهاب تذكر الموسيقار الكبير مكالمة مهمة عليه أن يجريها مع شخص بالقاهرة، وطلب الرقم لكنه فوجئ بشخص آخر يرد، دخلت الخطوط في بعضها، وجرب عبدالوهاب مرات وعانى حتى وصل إلى الشخص المطلوب، وبمجرد أن أنهى المكالمة الصعبة لم يستطع أن يكتم غيظه من سوء حالة التليفونات في مصر، وراح يعلق ودخل في وصلة نقد قاسية تخلى فيها عن دبلوماسيته الشهيرة، وقال: “التليفونات عندنا بشعة.. من كام يوم قابلت الوزير سليمان متولي في مناسبة كده، فجه ناحيتي يعرفني بنفسه، قلت له: أهلا أهلا بوزير التليفونات المتنيلة على عينها.. قال لي وهو بيضحك: أنا بتاع الطرق والنقل ماليش دعوة بالتليفونات.. قلت له: بس ده لا يمنع إن التليفونات عندنا متنيلة بستين نيلة.. للأسف الحكاية عندنا ماشية كلام في كلام.. كلام طنّان وخلاص بدون رؤية ولا إنجاز حقيقي.. يعني عندك عبدالحميد رضوان وزير الثقافة.. أي نعم هو وزير كويس وأحسن من اللي جم قبله.. الناس هللوا لما عمل تخفيض في سعر الكتاب.. إذا كنا في بلد أمي، طيب مش قبله تعلموا الناس تقرا وتكتب.. عندنا شعب نسبة الأمية فيه 70%، طب أنا أعلم دول الأول وبعدين أفكر في سعر الكتاب، وأعمل مستويات من الكتب، زي الموسيقى كده، فيه ناس ممكن تسمع سيمفونية لبيتهوفن وتتذوقها، وناس تسمع موسيقى أقل، وناس تروح شارع الهرم علشان تسمع عدوية..”.
ويواصل عبدالوهاب نقده اللاذع: “محتاجين شجاعة.. البلد دي لن تتقدم إلا بقرارات شجاعة لتغيير القوانين والسياسات.. يعني عندك الحكاية بتاعة التعليم المجاني في الجامعة، دي كارثة من كوارث الدهر عملها عبدالناصر.. كارثة فعلاً ومحدش قادر يتكلم.. يعني الرجل اللي قال إن التعليم كالماء والهواء، الدكتور طه حسين لما كان وزير معارف في حكومة الوفد، طالب بأن مجانية التعليم تكون لغاية الدراسة الثانوية، وجه عبدالناصر علشان يتملق الجماهير عملها في الجامعة.. ترتب عليها انهيار في الخدمات المهنية.. كله عايز ياخد شهادة فالمهنيين اختفوا.. أنا عندي طباخ عنده 9 عيال، كل واحد فيهم واخد بكالوريوس، أبوهم بيقبض مني 150 جنيه في الشهر، وأولاده مرتبهم 40 جنيه.. كل الحكاية إن معاه شهادة عليا.. يا فرحتي! من أيام كده كنت في مجلس الشورى، رحت قبل الجلسة وعديت على صبحي (يقصد د. صبحي عبدالحكيم رئيس مجلس الشورى وقتها وكان عبد الوهاب عضوا فيه بالتعيين) لقيت عنده وزير التربية.. اسمه مصطفى كمال حلمي.. رجل مهذب قوي ينفع تشريفاتي من فرط أدبه الجم.. قعدنا نتكلم في مشاكل التعليم، قلت لهم يا ناس ما تعملوا مدارس مهنية تدي شهادات عليا، ما دامت الحتة المعنوية دي بتجرح الجماعة الفقرا والشاب منهم بيتكسف إنه نجار أو حداد أو سمكري، خلاص اعملوا مدارس مهنية عليا والخريج منهم يبقى زي خريج أي جامعة.. ويبقى معاه بكالوريوس كنوع من الإرضاء المعنوي ويتقبل مهنته ويحبها بدل ما كله عايز شهادة ومبقاش عندنا حرفيين!”.
الغناء بدأ من الجامع!
ثم بدأ الحوار الرسمي.. وتكلم أحمد عثمان عن نظريته: في كل الحضارات العريقة القديمة كان الفن يخرج من المعبد.. وفي عصر النهضة في أوروبا الموسيقى بدأت من الكنيسة.. وفي الحالة العربية لا يختلف الأمر كثيرا، فالنهضة الموسيقية عندنا بدأت من الجامع وعلى أيدي المشايخ.. وأظن تجربة الأستاذ عبدالوهاب نفسها كده.. يعني اللي يسمع مزيكتك يلاقي فيها الحتة الروحية دي.. فيها تصوف حتى في أغاني الحب والعاطفة.. هل توافقني على النظرية دي؟
ويجيب عبدالوهاب بعد أن يستمع بإنصات:
“الكلام اللي قلته لاشك إنه حقيقة واقعة.. كل الفنون ارتبطت بالأديان والعبادات، وعندنا في مصر بالذات والعالم العربي بالطبع كان الارتباط ده ضروري مش مسألة مزاج، كان ضرورة إن الموسيقى تخرج عندنا من الجامع، لأن القرآن كان هو العامل الأهم والمصدر الرئيسي، الخشوع اللي فيه مذهل، والخشوع يعني إحساس، والإحساس هو روح الفن، لا يوجد فن بدون إحساس وروح ووجدان، علشان كده أنا مؤيد كلامك إن الموسيقى العربية خرجت من الجامع وكان لها ارتباط وثيق بالقرآن الكريم، والدليل على كده إن الجماعة الموسيقىين الكبار عندنا كانوا في الأصل من مقرئي القرآن، لما نمسك عبده الحامولي اللي بيعتبروه باخ الموسيقى العربية تلاقيه في الأصل كان مقرئا في الجامع الأحمدي بطنطا.. عندك الشيخ سيد درويش، كانت نشأته دينية وكان قارئا للقرآن في بدايته بالإسكندرية.. الشيخ أبوالعلا محمد اللي قدم لأم كلثوم الكثير من ألحانه في بداياتها كان قارئا للقرآن.. لما تيجي للمسرح المصري تجد أن عميده الشيخ سلامة حجازي كان شيخا ومقرئا.. في الملحنين نجد الشيخ زكريا أحمد.. رياض السنباطي وهو واحد من الملحنين المهمين اللي عندنا بدأ كقارئ للقرآن في المنصورة بس في الدري مش قدام الناس وقالي بنفسه إنه اتعلم القرآن.. القايمة طويلة أقولك على مين والا مين.. الشيخ أحمد إدريس.. الشيخ أحمد صابر.. حتى أم كلثوم كان من أبرز المزايا اللي فيها البيان أو الإبانة في حروفها وهي بتغني، بحيث أنه لا يشكل عليك أي حرف، كل كلمة تجدها سليمة رصينة وبارزة وتخليك تفهمها بالضبط وكأنها بتجود قرآن.. ما هو التجويد الغرض منه الإبانة، يعني الآيات توصل للأذن واضحة مبينة.. وده كان بسبب تأسيسها القرآني.. ولاشك أن القرآن كان مصدرا كبيرا من مصادر تأسيسي أنا كمان كفنان، أنا طالع من جامع سيدي الشعراني وعشت واتربيت فيه وقرأت القرآن فيه واتخرجت منه، وهوايتي وقتها كانت لا تختلف عن هواية المشايخ، يعني لم أستمع إلى مطرب أفندي أبدا، كان كل سمعي منحصر في أصوات المشايخ خاصة الشيخ رفعت والشيخ على محمود والشعشاعي، وكنت أهرب علشان أسمعهم.. وانضربت مرة علقة بسبب الشيخ رفعت!”.
علقة مضحكة!
وحكى عبدالوهاب تفاصيل واقعة (العلقة) بطريقته المبهرة في الحكي:
“كنت مفتون بصوت الشيخ رفعت، ده صوت خطير فعلا، وجه مرة يقرا عند واحد من جيراننا، كان راجع من الحجاز (يقصد الحج) وكان وقتها بيعملوا ليلة كده للي بيرجع من الحجاز، وجارنا ده جاب الشيخ رفعت علشان يقرا في الاحتفال، وكنت هتجنن علشان أحضر، وكان عمري وقتها 6 سنين، آجي أدخل الصوان يطردوني لأنه ممنوع دخول الأطفال، طيب أعمل إيه؟! وقتها كان سرادق الحفلة مقسوم جزئين مفتوحين على بعض، جزء للأكل، الضيوف يقعدوا وتيجي صواني الأكل تتحط قدامهم على لوح خشب، والصينية عليها من خيرات الله: صحون فيها أرز ولحمة وخضار وسلطة ومن كافة شيء.. خطرت في بالي فكرة فقررت أنفذها فورا.. لمحت راجل عجوز مكحكح عنده ييجي 80 سنة شايل على راسه صينية ورايح يدخلها شادر الأكل، قلت له يا عم هات عنك الصينية أشيلها مكانك، وبدون تفكير راح حاططها فوق دماغي، كانت تقيلة وقعدت أجر رجلي بالعافية وأمني نفسي إني أحطها وأتسحب أدخل الشادر اللي فيه الشيخ رفعت.. فضلت ماشي وأول ما دخلت الشادر رحت (متكربس) واقع، والصينية طارت على الناس، وهدومي بقت كلها بامية وأرز، وانضربت ليلتها علقة وباظت الخطة.. فأنا كنت غاوي المشايخ وقتها والحتة دي ظلت معي وتأثيرها مستمر.. وهنا قد يعّن لك سؤال: مادام بتحب القرآن كده ونشأتك دينية وأبوك شيخ وأخوك شيخ ومن عيلة أزهرية.. طيب ليه ما عملتش أغاني دينية زي اللي قدمتها أم كلثوم مثلا.. نهج البردة على سبيل المثال؟
ويجيب عبدالوهاب على سؤاله:
أنا في الواقع لم يكن عندي استعداد إني أعمل أغاني دينية بالطريقة التقليدية، يعني معتمدة في تلحينها على الدفوف والناي، كل الأغاني الدينية اللي عملناها بما فيها الحاجات اللي لحنها السنباطي للست أم كلثوم كانت قايمة على الشكل التقليدي ده، اللي بيديلك شكل الذكر، وأنا كفنان مش من أنصار التقليدية كنت عايز أعمل حاجة مختلفة ولايزال عندي استعداد إني أعمل، وعندي حاجة فعلاً عايز أعملها سكة تانية، يعني هعتمد فيها على الآلات الموسيقىة النحاسية مش الدفوف والناي، أيوه أغنية دينية بآلات نحاسية، ماتسألنيش ليه، لأن الفن ما فيهوش ليه، أنا حسيته كده، وأذكر مرة لما عرفت الشاعر علي محمود طه وبقينا أصدقاء وأعطاني قصيدة كليوباترا علشان ألحنها، وهو كان رجل على قدر من الثقافة والأدب والإحساس، فاستوقفني المقطع الذي يقول فيه:
يا ضفاف النيل ويا خضر الروابي
هل رأيتن على النهر فتى غض الإهاب
أسمر الجبهة كالخمرة في النور المذاب
قلت له: يعني إيه كالخمرة في النور المذاب؟ مش فاهم يعني إيه؟ قال لي بتلقائية: مش يعني حاجة.. الفن مافيهوش يعني إيه.. إنما فيه: حلو ولا وحش.. إنت شايف إيه؟ قلت: حلو.. قال: خلاص!
ومع التجربة بقيت على قناعة إن الفن (لطشة) لما تحس إن العمل (لطشك) يبقى ده فن حقيقي، لكن تقعد تفسر وتفصفص وإزاي وليه.. لا.. ده بيفقد الفن رونقه وسحره.. سيب الفن ياخدك من غير ما تفكر هو أخدك ليه.. كالخمرة في النور المذاب.. خلاص ما تسألش!
ففي الأغنية الدينية حسيت إن إحنا قدام دين قوي، ليس فيه خضوع ولا خنوع ولا رهبنة ولا روحانية زيادة، فلازم أعبر عنه بقوة ومن غير دروشة.. الفرق أو الميزة في ديننا أنه بيقولك ولا تنس نصيبك من الدنيا.. الدنيا ومتعتها لا عيب ولا حرام.. ونبينا (صلى الله عليه وسلم) كان رجل دين ودنيا، يعني نبي وحاكم ومحارب وزوج وأب.. الدين في الواقع له تأثير قوي، واللي بيتجه إليه بيحصل له حاجة من أمرين: يا إما يبقى رجل متزمت.. يا يبقى ثائر.. ده حال أغلب اللي اتخرجوا في الأزهر.. فيه ناس وقفت عند العلم الجامد والتشدد وكل اللي شايفينه الحرام والمكروه.. وفيه ناس رفضت التزمت غير المقبول وغير المعقول وثارت، وكانت الثورة درجات، فيه اللي ثار بعقلانية واعتدال زي طه حسين وعلي عبدالرازق ومصطفي عبدالرازق.. كل دول تخرجوا في التعليم الديني، وكان ممكن يبقوا مجرد شيوخ متزمتين ومتشددين زي الباقيين، لكن التشدد ولّد عندهم الثورة على الجمود والموجود.. الثورة بتبقي ساعات ضرورة حتى في المزيكا.. سيد درويش مثلا كان ثورة كبيرة في الموسيقى المصرية!
وابتدا المشوار
ويسأل أحمد عثمان:
كيف حدث التحول الكبير في مسيرة عبدالوهاب من القرآن إلى الغناء؟
ويرد عبدالوهاب:
“في الوقت ده أنا كنت في الكتّاب الملحق بمسجد سيدي عبدالوهاب الشعراني، القطب الصوفي اللي هو جد أبويا، كل يوم الصبح نروح علشان نحفظ القرآن والشيخ يسمّع لنا ما حفظناه.. شوية أولاد قاعدين على الأرض وقدامنا الشيخ قاعد على دكة خشب عالية زي الشيخ الشعراوي كده.. نفس الشكل تقريبا.. الفرق إن الشعراوي قاعد يشرح القرآن.. إنما الشيخ عبدالعزيز عاشور قاعد يحفظنا ويسمع لنا.. يشاور على طفل قدامه: اقرأ أنت! ولاحظ عليّ الشيخ أنني أقرأ القرآن بطريقة منغمة.. ماأقراش زي العيال بسرعة ولهوجة (والضحي والليل إذا سجى. ما ودعك ربك وما قلى) إنما أنغّم في القراءة، فكان أول واحد أدرك إنه ييجي مني كمطرب.. وكنا في فترات الاستراحة في الكتّاب نقعد نغني الأغاني اللي كانت منتشرة أيامها، يا أغاني الشيخ سلامة حجازي، يا الأغاني الشعبية اللي كانت معروفة وقتها وكانت كلماتها طريفة زي أغاني عدوية دلوقتي، يعني مثلا أنا فاكر أغنية منها بتقول: شفتوش علي يا ناس/ لابس قميص ولباس/ وبيلعب البرجاس ع القنطرة!
ولما ظهر الشيخ سيد درويش وذاع صيته بعد ثورة 19 كنا نقعد نغني الأغاني اللي كان بيلحنها في مسرحيات الريحاني والكسار.. كشكش بيه والحاجات دي.. فأنا اتشهرت بين الأولاد في الكتّاب إني الصييت اللي فيهم.. وفي الحي اللي كنا ساكنين فيه كان ساكن واحد بيشتغل كورس عند فوزي الجزايرلي، وكان عامل تياترو عند سيدنا الحسين التذكرة فيه بعشرة صاغ للدرجة الأولى، والتانية بخمسة، والتالتة بقرش تعريفة، وكان مسمى التياترو بتاعه (دار السلام).. جارنا ده لما سمعني وأنا بغني في الكتاب للعيال راح قال لفوزي الجزايرلي: ده فيه واد صغير صوته كويس قوي.. الجزايرلي قال له: ما تجيبه نسمعه.. جه قال لي: الجزايرلي عايزك.. واتفقنا إني أقابله بالليل بعد لما أطمن إن البيت كله نام، كان أبويا يصلي العشا وينام وكذلك أخويا الشيخ حسن، وفعلا هربت من البيت لما ناموا ورحت بالجلابية علشان أقابل فوزي الجزايرلي، قال لي غني، فغنيت قصيدة كانت مشهورة للشيخ سلامة حجازي بتقول: عذبيني فمهجتي في يديك/ وأمريني فالقلب طوع يديك
الجزايرلي كان لبنانيا، واللبنانيون عندهم الحاسة التجارية عالية قوي، قال لي: اسمع يا شاطر تاخد الخمسة صاغ دي وتخرج تغني الحتة دي على المسرح؟ أنا سمعت خمسة صاغ وعقلي ذهب، ده كان مبلغ مذهل لعيل مصروفه مليم، وراح مطلع الخمسة صاغ وأعطهالي، وطلعني بين فصول المسرحية أغني، وغنيت الحتة من هنا والدنيا اتشقلبت، كنت أول مرة أغني فيها على مسرح، وعجبتني الحكاية والفلوس فبقيت كل ليلة أهرب من البيت بعد العشا وأروح أغني في الحسين، وكان قريب من باب الشعرية مجرد دقايق مشي، لغاية لما اتعرف عليَّ جماعة يعرفوا أخويا الشيخ حسن، راحوا قالوا له إلحق يا شيخ حسن.. أخوك محمد بيروح يسهر ويغني في دار السلام.. أخويا حسن لم يصدق في البداية: ازاي كده.. ده محمد بينام في البيت من الساعة 9، وقطعا للشك جه الشيخ حسن المسرح وشافني وأنا باغني، انتظر لما خلصت وراح رابطني بـ (سلبة) وجرنّي من سيدنا الحسين على الأرض لغاية البيت، وجسمي اتجرح ودمي سال ولسة فيه علامات في جسمي من الليلة دي.. راح قال لأبويا وأمي، أمي تعاطفت معايا لكن أبويا زعل ورفض حكاية الغنا، وابتدوا يمنعوني من الخروج ويعملوا عليَّ كنترول، لكني لم أيأس وبدأت أدور على متنفس لهوايتي في الغنا!
ومن جديد ظهر جارنا اللي بيشتغل كورس عند الجزايرلي وقال لي إنه مسافر مع سيرك يعرضوا في دمنهور، وحرضني إني أهرب معاه، وهربت ورحت دمنهور وأنا لسه عيل.. وأذكر إن الشيخ سيد درويش جه من إسكندرية إلى دمنهور بالصدفة وانت عارف إن دمنهور قريبة من إسكندرية، وسمعني وأنا باغني، وفاكر شكله لغاية دلوقتي، كان رجل عريض جداً وطويل وجِسِم (بكسر الجيم والسين) وراح شايلني وقال لي بإعجاب: برافو يا واد.. إنت كويس! كنت واد سنكوح بتاع 7 أو 8 سنين، وكان هو نجم والناس كلها تعرفه.. بعدها بدأت العيلة ترضخ للأمر الواقع وتقبل إني أغني بس كان لهم شرط، إني لا أعمل في أماكن غير كريمة تسيء للعيلة واسم الشعراني.. نفّس عن فنك بس في حاجة كويسة.. قعدوا يدوروا لغاية لما لاقوا فرقة اسمها فرقة عبدالرحمن رشدي المسرحية، وكان رجل محامي وناجح وغاوي فن، ولأول مرة في تاريخ مصر محامي يشتغل بالفن، ولأول مرة تبقى في مصر فرقة مسرحية طلبة من خريجي البكالوريا، وكان خريج البكالوريا له شنة ورنة وكان الخريج عمره بتاع 20 سنة، ودي كانت أول خطوة من خطوات المسرح المثقف.. وبدأت خطواتي معها في مسيرة الفن”.
وتتبقى ملاحظتان:
1- قطع الحوار جرس التليفون في جناح عبدالوهاب بالفندق، رد عبدالوهاب بطريقته الأنيقة، كان المتصل أحد المعجبين، شاب مصري يبدو بسيط التعليم جاء إلى لندن للعمل، وعرف أن عبدالوهاب موجود في هذا الفندق الإنجليزي فاتصل به من تليفون أحد المقاهي وبجواره أصدقاء له، ورد عبدالوهاب مجاملة المعجب بأحسن منها وتحمل تطفله في صبر، لكنه لم يستطع أن يكظم غيظه بسبب سؤال لهذا المعجب: إنت عامل إيه يا أستاذ؟ فقد رأى عبدالوهاب أن السؤال غبي وفارغ وبلا مضمون، وراح يعطيه درسا في الإتيكيت: يعني إيه عامل إيه؟ إيه السؤال ده؟ فين السؤال أصلا؟ ورغم ضيق عبدالوهاب وحدته فإنه تحمل المعجب إلى النهاية وودعه بكلمات رقيقة، مع أنه كان بإمكانه أن يغلق الهاتف في وجهه.. أو يفعل كما يفعل أنصاف النجوم الآن، ويطلب من الفندق ألا يحول إلى غرفته أي تليفون مهما كان!
2- في نهاية الحوار طلب أحمد عثمان من عبدالوهاب التقاط صورة له وهو يقف بجوار التمثال ويحمل الوسام.. وكان رد عبدالوهاب بالنص وكما جاء في تسجيل الجلسة: تاخد صورة للتمثال ممكن، إنما صورة لحضرتي مش ممكن، لأني لازم ألبس بدلة، وأنا معنديش استعداد ألبس بدلة، خلينا نتفق تيجي في وقت تاني تصورني بعد ما ألبس لك وأتشيك لك وأبقى واد حليوة وأبتسم لك وأعمل اللي أنت عايزه!
(النجومية ليست صدفة ولا ضربة حظ)
في الذكري الخامسة والعشرين لرحيل موسيقار الأجيال (رحل في 4 مايو 1991) مازال عبدالوهاب قادرا على إثارة الدهشة.. وتؤكد سيرته ومواقفه أنه مازال يملأ الدنيا ويشغل الناس!
* المصري اليوم.

شاهد أيضاً

فريدا كاهلو.. شريط ملوّن حول قنبلة

*أسامة فاروق في أحد المنتجعات السياحية الفاخرة المنتشرة على طول الساحل الشمالي المصري يطل وجه فريدا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *