الرئيسية / إضاءات / أحلامٌ في زمن الحرب.. مذكّرات طفولة نغوغي واثيونغو “7”

أحلامٌ في زمن الحرب.. مذكّرات طفولة نغوغي واثيونغو “7”




*ترجمة وتقديم لطفية الدليمي




نغوغي وا ثيونغو Ngugi Wa Thiongo : كاتب كيني بارز يكتب في حقول الرواية والقصة القصيرة والمقالة ، وتتناول أعماله مساحة واسعة من الاشتغالات تمتد من النقد الاجتماعي والأنثـروبولوجيا الثقافية وحتى أدب الأطفال ، وهو من المرشحين المهمين لنيل جائزة نوبل في الأدب . سأقدّم على مدى حلقات متتالية ترجمة لجزء من كتاب واثيونغو ( أحلام من زمن الحرب : مذكرات طفولة ) الذي يعدُّ وثيقة أدبية مهمة في شكل سيرة حياتية تكشف عن الواقع الإجتماعي السائد في معظم المجتمعات الأفريقية في حقبة الهيمنة الكولونيالية.
المترجمة
__________

كانت الاستراحة الوحيدة المتاحة لنا يومذاك هي عندما أعددتُ النار وشويتُ بعض حبّات البطاطا ، وحينها راح والدي يسألها : ألا تظنّين أنّ من الأفضل لكلينا أن نجمع قوانا ونتشارك العيش في منزل واحد ؟ وهنا أجابته والدتي : أتسألُ هذا السؤال بعد امتحان يوم عملٍ واحد فحسب وهو لم يكتمل بعد وها نحن جالسان في استراحة ؟
في اليوم التالي حضر الرّجل ووجدني أشذّبُ بعض الأغصان وأزيلها بغية توسيع رقعة المساحة المزروعة فانضمّ للعمل معي على الفور ، وفي نهاية يوم العمل ذاك كنّا مستنفدين بالكامل ولكن لم يشأ أحدنا أن يقرّ بهذه الحقيقة للطرف الآخر ، وراح الرجل يجرجر أقدامه بعيداً حتّى ظننتُ أنّه لن يراني ثانية ولكنّه جاءني مبكّراً صباح اليوم التالي من غير مجرفةٍ هذه المرّة بل بمحض ابتسامةٍ ساحرة – تبعث على الحيرة – تملأ وجهه وهو يقول : كان يوم عملٍ شاقّا بالفعل !! . كانت أزهار البازلاء قد أزهرت و غطّت الحقل بألوان عديدة وما زلتُ أذكر الفراشات وهي تطير عالياً في الهواء ، ولم أكن أخشى النّحل الذي كان يتنافسُ مع الفراشات في التحليق حول الأزهار ، وحينها أمسك والدك قلادة تحوي خرزةً وقال لي : هلّا تضعين هذه القلادة حول عنقك لأجلي ؟ ،،، حسناً ،،، لم أقل نعم أو لا بل أخذت القلادة ووضعتها حول عنقي . قالت والدتي جملتها الأخيرة وهي تطلقُ تنهيدة مسموعة . 
لم تكن والدتي تحبُّ الاستطراد في الكلام أو الإلحاح في الإجابة على الأسئلة المطروحة عليها ، ولكنّ ما حكته لي كان كافياً تماماً لأفهم كيف صارت الزوجة الثالثة لوالدي رغم أنّ كلامها ذاته لم يكن كافياً بأيّ حال لإفهامي كيف انتهى الأمر بها – وهي الزوجة الأخيرة والأصغر بين زوجات والدي – إلى القبول بِـ ( نجيري ) زوجة رابعة لوالدي ، كما لم تخبرني كيف كان شعورها مع هذه الوافدة الجديدة إلى العائلة .
* * * * *
وُلدْتُ في عائلة هي في الأصل مجتمعٌ من الزوجات والإخوة البالغين و الأخوات والأطفال الذين يماثلونني في العمر ، وكانوا جميعهم من الذين تشكّلوا في خضمّ حياة الكدح والمشقّة ، وكان ثمّة بطريرك وحيد في العائلة ( يقصد أباه ، المترجمة ) . تواضع الجميع على قناعاتٍ محسومة بشأن علاقة الواحد بالآخر في العائلة ولكنّ الأمر لم يكن ليخلو من عناصر إرباك لي وترتّب عليّ أن أكافح في طلب الفهم وأنا أعيشُ وسط تلك المنظومة القيميّة : لم تكن النساء مثلاً تشيرُ الواحدة إلى الأخرى باسمها المجرّد بل كانت الإشارة بتنسيب الواحدة إلى أبيها : فمثلاً كان يُشارُ إلى وانغاري بِـ ( مواري وا أكوغو ) ، و يُشارُ إلى غاكوكو بِـ ( مواري واغنيثيا ) ، و يُشارُ إلى وانجيكا بِـ ( مواري وانغوكي ) ، وحصل أن تعلّمتُ لاحقاً أنّني متى ما تحدّثتُ عن هؤلاء النساء في حضرة شخص ثالث فإنّ الزوجة الكبرى لِوالدي يجب الإشارة إليها بعبارة ( والدتي الكبرى ) ، أمّا الزوجتان الصّغريان فيجب الإشارة إلى كلّ منهما بالقول ( والدتي الصغرى ) ، وفي غياب طرف ثالث لم تكن مخاطباتنا لهنّ متكلّفة أو تزيد عن تلك المفردات المباشرة مثل : ( نعم ، أمّي ) أو ( شكراً لك ، أمّي ) . 
كوّنت النساء الأربع تحالفاً قويّاً فيما بينهنّ حيال العالم الخارجيّ وكذلك في مواجهة زوجهنّ وأطفالهنّ : فقد امتلكت كلّ واحدةٍ منهنّ السلطة الكاملة في توبيخ ومحاسبة أطفال الأخرى وكان أيّ طفلٍ يثبت عليه فعل إتيان أمرٍ غير محمودٍ يلقى عقاباً قاسياً من أمّه البيولوجيّة إذا ما شكته لها أيّ من النساء . كان في قدرتنا – نحن الأطفال – أن نأكل عند أيّة واحدةٍ من أمّهاتنا الأربع ، وكانت عادتهنّ أن يواجهن أيّة مشاكل محتملة تعترضهنّ بالحوار و المناقشة فيما بينهنّ وكانت الأمّ الكبرى في العادة تعملُ ( حَكَماً وسيطاً ) لحلّ المشكلات العالقة بين أيّ منهنّ . كان يحصلُ أحياناً أن تنشأ بعض التحالفات الجانبيّة الماكرة بين بعض أمّهاتنا ولكنّ القاعدة السّائدة كانت أن يحافظن على تضامنهنّ القويّ فيما بينهنّ كزوجاتٍ لوالدي ولكنّ هذا التضامن لم يكن ليلغي خصوصيّة أيّ منهنّ : نجيري ، الأصغر بينهنّ ، امتلكت بنياناً قويّا متماسكاً ولساناً سليطاً حادّ النبرة ، وعُرِف عنها أنّها لم تكن تفوّتُ أيّة فرصةٍ مُتاحة لها أمام والدي للنميمة عن زوجات والدي الأخريات أو عن ايّ شخص آخر ولطالما كانت تقف في وجه والدي بلا وجلٍ أو خوف ولكنّها كانت تعلم تمام العلم متى ينبغي لها التراجع والانكفاء اتّقاء لغضبة والدي التي لاطاقة لها على احتمالها ، و يمكنُ القولُ أنّها كانت ( وزير الدّفاع ) غير المعلن في محميّتنا تلك . 
عُرِفَ عن والدتي كونُها امرأة تُطيلُ التفكير والتدبّر في الأمور كما كانت مستمعة جيّدة للآخرين ، وكانت تحظى بمحبّة الجميع لكرمها الفائق كما كانت موضع احترامهم العظيم لقدرتها الأسطوريّة على الكدح والمشقّة ، وعلى الرغم من أنّها لم تكن تواجهُ والدي على الملأ لكنّها كانت مجبولة على العناد وكانت تُتيحُ لأعمالها أن تعلن ما كانت تبتغي قوله بلسانها ، و هي بهيئتها تلك كانت تقومُ بوظيفة ( وزير أشغال ) العائلة . 
عُرِف عن غاكوكي ، الخجولة الرقيقة ، أنّها لم تكن تميلُ إلى المُناكفات وكانت تعتمدُ مبدأ ( عشْ ودع غيرك يعشْ أيضاً ) في كلّ الأوقات حتّى لو ثبت أنّ الطرف المقابل لها هو من اقترف أمراً غير مقبول بحقّها لذا كانت مثالاً لِـ ( وزيرة السّلام ) العائليّ وكانت أكثر من تخشى والدي وسطوته بين أمّهاتنا الأربع . أمّا وانغاري ، كبرى زوجات والدي ، فكانت هادئة مستكينة على الدّوام وكانت تُمارس سطوتها على والدي من خلال نظرة ، أو كلمة ، أو إيماءة تنمُّ عن عدم رضا وكأنّها كانت تذكّرهُ دوماً بأنّها هي من فضّلته على أخيه فيما مضى ، وكانت مثالاً لِـ ( وزيرة ثقافة ) داخل عائلتنا و اعتادت أن تبدو كفيلسوفةٍ تختار نُتفاً من تجربتها – إلى جانب الأقوال المأثورة – لتدعيم ماتراه من أمر .
كانت وانغاري راوية عظيمة للحكايات : اعتدنا – نحن الأطفال – أن نجتمع كلّ مساءٍ حول موضع النار في كوخها حيث كانت تمضي في قصّ حكاياتها ، ولم يكن غريباً أن يدعو أشقّائي الكبار أصدقاءهم لحضور تلك الجلسات المسائيّة وبخاصّة أيّام نهايات الأسبوع . كان أحدهم يروي حكاية ما ، وبعد أن يفرغ منها كان أحد الحضور يعلّقُ بشئٍ مثل : “هذه الحكاية تذكّرُني بِـ ،،،،،،،،،، ” ، أو أشياء مماثلة لهذه العبارة وهي إشارة إلى عزم المتحدّث المضيّ في حكايةٍ أخرى ، وكانت معظم تلك الحكايات تبدو في خاتمتها غير ذات صلةٍ بالحكايات التي قبلها ولكن على العموم لم يكن ضروريّاً أن تعني الملاحظة السابقة وجوب قصّ حكاية جديدة أخرى بقدر ماكانت سرديّة لحكاية تضيء جانباً من جوانب الحكاية السّابقة لها ، و لطالما أثارت الآراء نقاشات حامية لم يخرج أحدٌ منها مجلّلاً بهالة الظّفر الكامل ولكنّها كانت تخدمُ كمحفّزٍ لرواية حكايات أخرى مثل حكايات الأعمار وتواتر السنوات وما يحدثه ذلك من تغييرات على بني البشر كما حصل مع حكاية ( هاري ثوكو ) الذي أُطلِق عليه النار عام 1920 لأسباب سياسيّة واضحة تماماً ثمّ خمد ذكره وصار رماداً عقب إطلاق سراحه عام 1929 بعد سبع سنواتٍ قضاها في المنفى ، وكان تجمّع كيكويو المركزيّ الذي يُرمز له بالحروف الثلاثة ( KCA ) – وهو التجمّع الذي خلف التجمّع الإفريقيّ الشرقيّ الذي أسّسه ثوكو من قبلُ – قد قابل الرّجل بغضبٍ شديد بعد أن تحدّث عن ضرورة اللجوء إلى الإقناع والتخلّي عن المظاهر المسلحة في طلب الحقوق الإنسانيّة ، وراحت رؤى تطوف برأسي وتحدّثني عن فضائل ومساؤئ كلّ من ذينك الاتّجاهين ( السلميّ والمسلّح ) وهو الأمر الّذي تسبّب لي بكثير من الضّجر ولكنّ الحكايات بذاتها كانت مقبولة لأنّني كنتُ أراها جزءا مكمّلاً لخزين الحكايات الشفاهيّة الثمينة . بدت بعض الحكايات أغرب من الخيال حقّاً كمثل حكاية ذلك الرّجل الأبيض السّحنة المدعوّ ( هتلر ) الذي رفض مصافحة العدّاء الأسرع في العالم عام 1936 ( جيسّي أوينز ) لمحض أنّه كان رجلاً أسود ( إشارة إلى الرياضيّ الأمريكيّ الأسود الذي فاز بأربع ميداليات ذهبيّة في أولمبياد 1936 الذي أقيم في برلين أثناء حكم الرايخ الثالث بزعامة هتلر ، المترجمة ).
_______
*المدى

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *