الرئيسية / إضاءات / مناجيات مع كازانتاكيس (8)

مناجيات مع كازانتاكيس (8)



*لطفية الدليمي



إننا نسير نحو قرون وسطى جديدة: انطلق التوحش وعلينا أن نوقد شموعنا
تقول : ما العمل ؟ لقد وصلنا القرون المتوحشة الجديدة ( كان ذلك قبيل الحرب العالمية الثانية) مالعمل؟ أعراض القرون الوسطى ظهرت – كم تنطبق كلماتك ايها الاغريقي – على حالنا في منطقة الشرق الاوسط راهنا ، تقول: ما العمل؟ لابد أن نحلم ونخطط من أجل حضارة المستقبل ، الكتابة شمعتنا المضيئة الصغيرة وعلينا ان لانترك شعلتها تنطفئ..
تقول للحبيبة ايليني وهي بعيدة في أثينا وانت معتزل في جزيرة ايجين أنك تكتب ليل نهار وتضيف اناشيد جديدة للاوديسة وتكتب المسرحيات وتدون فصولا تُنشر تباعا في الصحافة عن امبراطورة النمسا ،تخبرها انك لن تعود الى اثينا إلا لتوقع الكتاب حين يصدر “كانت ولاتزال عادة توقيع جميع النسخ من قبل الكاتب سارية في اليونان لحفظ الحقوق” تقول لها : إن الكتابة أمر مبهج ،وتنصح ايليني أن تكتب عن الأرواح العظيمة : كم أنت فرحة ومبتهجة وأنت تؤلفين كتابك عن ” غاندي”، عندما تنتهين منه سوف أساعدك على اكتشاف روح عظيمة اخرى لتكتبي عنها وتحتفظي بالفرح.
– هل حقا انك لم تكن تحب تبديد جهدك في أعمال صغيرة وانك عمدت إلى كتابة رواياتك بأبعاد ملحمية ؟؟
– اجل ، كنت اقول لابد ان نترك وراءنا أعمالا مهمة ، لكني اعترف لك انني كنت امضي أسابيع في تأليف الكتب المدرسية من أجل الحصول على مال قليل ،وأعتبرُ تلك الكتب اسهاما عمليا في تعليم الأطفال ، اضع أمامي تجربة لينين فهو عندما كان يروم الاستراحة كان يترجم القواميس الروسية الى لغات اجنبية او يمضي وقت راحته في تعلم لغة جديدة ..انا كنت ادع روحي تتوغل في بئر او في لجج الروح الانسانية عميقة الغور ..
– عانيتم كثيرا أيام الحرب من المجاعة ونقص متطلبات الحياة؟؟
– كنا نصنع خبزنا بأيدينا ويزودنا اصدقاؤنا الاوروبيون بقطعة صابون ، لكننا اصبنا بالهزال لسوء التغذية ، وقد حصلت على صفيحتين من زيت الزيتون ثمنا لترجمتي كتاب “الالياذة” وقد سمع جورج باباندريو المعارض للحكم الملكي ورئيس الوزراء لاحقا – بالأمر واستشاط غضبا على الناشر المليونير الشهير الذي أهانني واستغلني الى هذا الحد ..
– كنتما انت وايليني قلقين من اجل العيش ،المال شحيح والنشر محدود فكيف واجهتما الضائقة ؟؟ 
– كنت أكتب مقالات لصحيفة اسبانية، وفصولا روائية لصحيفة يونانية مقابل مبالغ هزيلة ، وقلت لأيليني : لاتقلقي من أجل المستقبل، فلا قيمة عمليةً للقلق، كل مانفعله بالقلق هو إفساد حاضرنا :فالمستقبل قد لايجيء ومن الأفضل استغلال اللحظة الراهنة وافضل مانفعله إنجاز عمل جيد.
– كان قلقكم مستديما ومعاناتكم أيضا، ما الذي كان يثير القلق غير العوز المادي ؟
– الحرب كانت تقترب والخطر وشيك وكان علينا اختيار مكان نلوذ به قبل ان ينطلق اعصار النار.. كنت أترك العمل في الرواية والأوديسة حتى اتفرغ لكتابة مقالات واكتب طوال النهار واقوم باستنساخ المقالات بيدي لأرسل بعضها الى مصر واثينا .
– تقول ايليني انك كنت غاضبا جدا ومهموما في تلك الفترة؟؟
– كانت اليونان تنحدر نحو الهاوية ولابد أن اشعر بالقرف والغضب فالأجواء فظيعة ولايمكن وصف دناءة الحكام ولؤمهم وفسادهم – وكانت هناك روحان تتصارعان احداهما سيئة والأخرى اسوأ منها واحداهما تنقض على الأخرى ولا ضوء في الأفق ولولا دانتي وعوليس وايليني لاختنقت غضبا.
 يتبع
___________
*المدى

شاهد أيضاً

هَوَامِشٌ عَلى دَفْتَرِ الشُّجُونِ التَّعْلِيمِيَّةِ

خاص- ثقافات *الدُّكْتُورُ بَلِيغ حَمْدِي إسْمَاعِيل ثمة إشارات عن النظام كمحنى إنساني جديرة بالاهتمام والتبصير …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *