الرئيسية / نصوص / مفتاحُ الفرح

مفتاحُ الفرح


*آسيا رحاحليه


خاص ( ثقافات )
خذوا دمي 
و لا تأخذوا فكراتي
اسرقوا خبزي
ولا تسرقوا كلماتي ..
لست أدري إذا كنت شاعرة
أنا فقط أكتب بحب
كمن يصافح صديقا عزيزا
بحذر
كمن يمسك بفراشة
من جناحيها .. 
لو أنّ الكتابةَ ثوبٌ من أثوابي الجميلة
لمزّقته و نثرته أشلاءْ
لو أنّها حذاءْ
لرميته بعيدا
و مشيتُ فوقَ الشوكِ
بلا حذاءْ
لو أنّها بيتي الذي يؤويني
لأضرمتُ النارَ فيهِ
و بتّ في العراءْ
لكنّها بعض كبدي
وريدي
بؤبؤ عيني
وليدي…
تشرّدتُ 
في مدن العشق
طويلا
قبل أن تمنحني الكتابةُ
حقَ اللّجوء العاطفي .
من أراد أن يقتلني
فليشهر … الكلمة .
أمقت الكذب ..
أمارسه في نصوصي
القصصية !
لو كانت اللغة رجلا
لتزوّجته .
خلّوا بيني و بين الحرف !
كان الدم يسيل من أناملي
و أنا أضمّد قلمي .
ما كرهت من اللغة 
مثل لفظة ” لو “
هي اللغة
أهشّ بها على قطيع الخيبة ..
و لي فيها مآرب أخرى !
أرتّق بالحروف أسمال الوقت.
الكلمات
أسمع لها هسيسا و نغمة
ضحكا و بكاءً..
أكتبُ كي أفوّت على الموت
فرصة أن يكتبني بريشة الفراغ
في دفتر العدم ..
بعد كلّ الذي كتبناه
لا شيء غيّرناه
في مكانٍ ما
بكلّ برودة
يذبحُ إنسان أخاه ..
الكتابة صمّام أمان..
حالة تعويض عمّا نحن على يقين
بأننا لن نحظى به…أبدا.
لعبة ساحرة ..
كلما أنجب نصا جديدا انتشي..
كأنّني فارس يحقق فتحا..
أو طفل جائع يعثر على حبة حلوى
في جيب سترته المرقّعة !
كان سقوطي وشيكًا..
كنت بحاجة لشيءٍ أتوكّأ عليه
شكرا .. للحرف.
الأرقام مدهشة..
الحروف… مدهشة و خلاّقة .
لا تخيّرني أبدا بينك و بين الكتابة 
لا أضمنُ أن يكون اختياري لصالحك .
أكتبُ كي لا أكتئبُ .
في الحياة لذّتان
القهوة و الكتابة .
العزلة و الكتابة ..
خطّان متوازيان ..
يلتقيان .
أنا كائن 
تصيبه الكلمة الجميلة
بالحمّى .
كتبوا فقرأنا 
و نكتبُ فـــــــ …؟
– أيّ ثمنٍ تحدّدين للنسخة من كتابك ؟
لم أستطع أن أجيب
كان يفكر في الثمن
كنتُ أفكر في القيمة .
ترى من كنتُ قبل الآن …
قبل أن أحفرَ ثقبا في جدارٍ الفراغ 
و ألجَ مملكة الحروف .
خبّأتني الأيام
من قدري طويلا
وذات مساء …
قفز قدري في صدري
ورحتُ أكتب .
تلك معجزةُ الكتابة
تشعرك بأنّ كفيلٌ
و إن كنتَ ذبابة ..
الكتابة هي
طريقة المنهزمين 
في الانتصار فوق الورق 
في الصباح 
هطلت عليها التّهم
حجارةً من سجّيل
فاجرة ،منحلّة ، كافرة !
في المساء غادر الجميع المعرض
حاملين ، خلسة ، روايتها
كي يقرؤونها تحت جنح النّفاق !
أعيريني صوتك 
أيتّها الريح
لغتي تختنق .
كيف أقتنع بأنّ القلم
أقوى من الرصاصة 
أمام كل هذه الجثث
الملقاة فوق صدر الوطن .
قالت لي الكتابة حالة صحّية..
فأصابتني فوبيا المرض !
منذ زمن و هي تكتب 
و تكتب 
و تكتب
و لا أحد يقرأ لها 
استبدّ بها اليأس 
جمعت كتاباتها و رمت بها في البحر
تناثرت الحروف فوق سطح الماء 
ثم فجأة أخذت تتجمّع شيئا فشيئا
شكّلت نجما صغيرا 
قفز عاليا 
استقرّ في كبد السماء..
يتلألأ.
لا تأبه كثيرا بثرثرتي
يا سيدي
لا تقفْ عند كلٍّ حرفٍ و فاصلة
و كلٍّ همزةٍ واصلة
إذا لم تفهمْ لا تيأسْ
لست أكتب لكي تفهمني
يا سيدي
بل لكي أتنفّسْ ..
ماذا لو أهجر مدن الحروف
أنقذ روحي من صهدِ الكتابة
و أريح رأسي من الركض خلف
فراشات اللغة
يمكن لأناملي أن تشتغل
بأيّ شيء آخر
أي شيء
كأن ترقّع الجواربَ
أو تمسح الغبارَ عن الأثاث
أو تحوك النمائم مع الجارة الثرثارة
أو تغزلَ من الصوف أشياءَ تافهة
لا تهم أحدا
لابد أن أجد طريقة أخرى
أحشو بها ثقوب الوقت
الوقت ..هذا المرض الخبيث
إنّه يجترّني دون توقّف
و يلزمني كثيرا من الحبر
لكي أقنعه بأن يتمهّل
قليلا .
ماهمّني
حين أرحلُ
أن يُقالَ عنّي
قدّيسةً كنتُ
أو إبليسة
ما همّني
من يعدّدُ حسناتي
أو ينقّبُ في حقل أيامي
عن أخطائي
و عن هفواتي
ما همّني سوى
مصيرُ كلماتي .
الكتابة مفتاح الفرح .
قالت : ماذا تفعلين ؟
قلت : أكتب .
قالت : لقد فسدتِ !
ما الذي ستكتبينه
و أنت هناك محجوزة
في قمقم مثل جنّي
بعيدا عن العالم ؟
تقول لي ..
مسكينة هي
تجهل بأنني أحمل العالم
في رأسي .
أتوسّم في الحرف فرحا
قد يأتي و لو بعد حين .
أعطاني أبي يوما دراهمَ
كي أشتري خبزا
اشتريت مجلة
بتُّ جائعة
و فرحانة .
أشاكس اللغة
أغازل البيان
في محاولة أخيرة
لتطويق الموت
و محاصرة الهباء ..
أكتبُ لاعتقادي الساذج
بأنّني سأنجو .
يشرب القلم من دمي
لذلك يكون أنا حين ينزف
و أحيانا يكون .. أنت.
إنني
مطمئنة
هادئة
أغري عقرب الوقت
بخبز الكتابة
و أتحايل على الزمن البليد
باحتساء نبيذ الحرف .
لن أنام هذه الليلة
سأبقى أفكّر في جملة قرأتها الآن
” الكتابة مهنة المفلسين ” .
الكتابة مفتاح الفرح .
______
*قاصة وشاعرة من الجزائر 

شاهد أيضاً

أماكن تتعذر استعادتها إلا بالموت

قوة جاذبة تشدنا إلى الخلف في سني الكهولة والنضج *شوقي بزيع من الخطأ بمكان أن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *