الرئيسية / فكر / رحلة الصوفي فـي طريق الحيرة

رحلة الصوفي فـي طريق الحيرة


*د.هالة أحمد فؤاد


” لا علامة فـي الطريق .. وعلامته الوحيدة إنه لا علامـة فيه”
العطار الفارسي
الرحلة الصوفية سعي في طريق بلا علامات، علامته الوحيدة هي انتفاء العلامة الهادية المرشدة أو لتقل واضحة المغزى والدلالة. إنها رحلة الذات داخل متاهتها الذاتية الباطنية سعيا وراء اكتشاف حقيقتها ومعناها الأصيل، محاولة تجاوز حدودها الضيقة واقعيا وتاريخيا، ناهيك بشروطهاالمعرفية والقيمية والوجودية المقيدة لها، نحو معناها المكتمل بأناها المثالية، وحلمها السماوي الذي تأتنس به، وتفارق عبر مراياه وحشتها الخالصة، وغربتها القاسية، بل أنانيتها الوحدانية الوحيدة !!
يقول الحلاج :
” بيني وبينك إنَىِّ ينازعني
فإرفع بإنّيك إنّي من البين”
أو فيما يخبرنا سنائي الغزنوى، صاحب حديقة الحقيقة:
” وما دمت عاشقا لنفسك، ولا ترى إلا نفسك
وصاحب نفسه يكون بعيدا عن الله “
تسعى الذات الصوفية إلى التحرر من نرجسيتها الدنيوية المنغلقة على ذاتها، والتي تلتهم وجودها وتدمره وتبتذله، علّ نوافذها الداخلية تنفتح على عوالم الغيب اللانهائية يحدوها حلم الخيال الطموح، أملا فى إعادة بناء ذاتها من جديد عبر تلك المرايا الغيبية الصافية، بوصفها مركزا للوحدة الكونية الشاملة، إذ تستوعب في فضاء الذات الحالمة حقائق الأكوان والألوهية، لتتجلى عبر الصورة الكمالية للإنسان المخلوق على غير مثال سابق إلا أنه صورة الحق في الأرض، مرتع الخلافة الإنسانية التي تحقق الغاية النهائية من الخلق، وحيث يأتنس الحق بالكمال أو من يتجلى عبرهم تجليا كماليا، ويرحم غيرهم بالإيجاد!!
غير أن تلك الرحلة الخيالية الجامحة مسكونة باستحالة الوصول إلى غايتها أو مبتغاها، لأنها رحلة تنطوى على مفارقة مؤسية، إذ كلما سعت الذات الصوفية نحو هدفها، تعمقت الهوة بينها وبين مسعاها المشتهى !! ذلك إنها رحلة في عمق مملكة الظلال والخيالات الملتبسة والرؤى والأحلام، بل مملكة الغوايات، ومتاهة التأويلات!!
ومن ثم، فإن انتفاء العلامة في الطريق الصوفي، الذي هو رحلة الذات داخل متاهتها الباطنية، ليس انتفاءً لوجودها، ولا يعني وقوعها في قبضة العدم، بل إنه الانتفاء والغياب الذي ينطوي على حضور ثقيل شديد الوطأة ولعله ذلك الحضور الملتبس، الساحر والمخيف، بل المروع والمضل فى آن، وربما كان طغيان الجمال وسطوته العاتية!! إنه حضور الغواية المراوغة التي يسمع العارف وقع أقدامها الثقيلة على الطريق، ويشم رائحتها النفاذة في الهواء، وتلامسه بأهدابها النحيلة القاسية، وتوجعه بوخزها اللاذع، بل تحاصره وتمسك بتلابيبه حتى يكاد يختنق وتذهب روحه، وهي تحكم قبضتها الحديدية عليه لا تلفته، لكنه رغم كل هذا لا يكاد يراها أو يتقين من وجودها، إلا وهي تبزغ أمامه فجأة، ودون توقع، لتقتنصه في حبائل صورة جميلة مغوية لا وجود لها فعليا في الواقع المادي، فما هي إلا صورة متخيلة مشتهاة منبثقة من عمق خياله الشهوي الملتبس الذي لم يتحرر بعد من هواجس الدنيا، بل لم يزل على الأعراف تتراوحه الرغبات، وتتلاعب به الأهواء والشهوات، وتخايله المباهج واللذات التي كلما قمعها وابتعد عنها، وفر منها، كلما زادت رغبته فيها، واستعر شوقه إليها، وغالت في إغوائها إياه واستدراجه إلى السقوط في فخاخها الناعمة المنصوبة له في كل خطوة يخطوها في مسار السعي الجامح نحو الخلود والحرية المطلقة العزيزة!! تجترح صورة الغواية بإدعائها الكاذب للوجود حضور الذات الصوفية، وتسرقها بل تستلبها خارج مدارها الحيوي الخلاق، وتخايلها بوعودها الجميلة الزائفة، وعود امتلاك المعنى واقتناصه، بل طموح القبض عليه في اطلاقيته وتحولاته اللانهائية المتجددة!!
إن الغواية الصوفية ليست هي محض الغواية الأخلاقية المعتادة، بل ربما كانت هي الغواية المعرفية بالمقام الأول، غواية السر الخفي أو المعنى الوحشي اللاممتلك، والمنفلت دوما كالسراب المراوغ الذى يلوح من بعيد لنظر الصوفي الراحل في صحراء القفر الهاجرة، صحراء الذات وخلاء الداخل حين تستوحش من كل ما عداها، حتى شريعة الظاهر وطقوسها الشكلية المفرغة من الروح!! وكلما ظن العارف الصوفي أنه قبض على المعنى، أو قارب واحة الأنس الإلهي، وارفة الظل، حيث الروح تسترد براءتها الأولى، وقد هجرت كل نوازع الدنيا، وغاصت في فضاء الهجر والتخلي والوحشة العاتية، وبلغت ثمالة العدم، فذاقته كأنما تذوق موتها الذي اختارته وسعت إليه سعيا حثيثا ومحموما!! وحين تعلن الذات تخليها الحر عن إدعاء الوجود، وتتشكل ذاتها، وتموت موتتها الأولى وقد فارقت دنيا أضغاث الحلم، منتبهة من كابوس الحياة الزائفة ومشارفة تخوم اليقظة، ومطالعة الحق الصريح، ذلك أن الناس نيام إذا ماتوا انتبهوا!! نقول كلما ظنت الذات أنها قاب قوسين أو أدنى من كل هذا، إذ تنال حرية البسط في ضيافة الحق، كلما انسرب حلمها من بين أصابعها، وألقى بها في عمق الفراغ الموحش، يواجهها خلاء الذات الإنسانية وعجزها المروع حين تعى ضآلتها وفقرها وقلة حيلتها أمام إطلاقية الحقيقة الخالدة، وتحولاتها اللانهائية المربكة مصداقا لقوله تعالى “كل يوم هو في شان”!!
ومن المثير للانتباه حقا في هذا السياق، أن يقع العارف الصوفي في وهم مغايرة الحضور المغوى، إذ تتبدى صورته سواء كانت خيالية أو حسية، داخلية أو خارجية، وكأنها آخر سواه يواجهه ويعترض طريقه نحو الله، ويتآمر عليه ساعيا لاقتناصه وتعطيله، وافساد مساره والهيمنة على مقاديره، ونقض وحدته وزعزعة استقراره الروحي الذي ما لبث يقاربهِ، وتهديد يقينه المعرفي، وإعادته ثانية للدنيا الزائلة الفانية!! ذلك أنه لم يمتلك بعد يقظة الوعي المراقب الذي يجلي له حقيقة الأمر، عبر مرآة المواجهة الكاشفة إذ يدرك أنه ما ثم إلا صورة غواية الذات تطل عليها من عمق دخيلتها الموحشة، وخيالها المترع بزخم الشهوة رغم فراره منها!!
انطوت الذات الصوفية على غوايتها المعرفية قارة في أعماقها متخفية مراوغة كحية لا تكف عن تبديل جلدها، مدسوسة بين الحنايا، كامنة في مسارب الذات وشقوقها ومنعطفاتها الخفية، تبرز على حين بغتة كوحش مخيف، يمد مخالبه مقتنصا الذات من داخلها، وملقيا بها في جحيم الشقاء المعرفي، وقد سرق منها حلم الخلود!! تذكرنا تلك الحية الهاجعة في قرار المتصوف بحيات الضحاك اللاتي نميْن على كتفيه بعد لمسة الشيطان، وكانتا تتغذيان كل ليلة على أمخاخ الرجال!!
لكن غواية الذات الصوفية هنا ليست غواية الدنيا المادية فحسب، بل غواية المعرفة الخالدة ذات السطوة والهيمنة والسلطان!! إنها معرفة الغيب التي تؤسس وحدها لخيلاء القداسة، الذي يخايل البشر الناقصين، ويجعل من أولياء الله فتنة لهم!! حينئذ لا سبيل إلا بالسير بالعدمية إلى نهايتها المحتومة، أو كما يقول فريد الدين العطار: “صر إلى العدم حتى تدرك الحياة”!!
إن مخايلة القداسة وخيلاءها، أو آفة الفناء والانهيار الكامنة فى عمق العارف الصوفي، لا يمكن هزيمتها إلا بالسير بالعدمية إلى نهايتها فحسب، فهذا هو المسار السلبى، لكن المسار الإيجابي هو ما يتحقق من خلال الغوص في فضاء الظلمة الخلاقة !! إذ يتحرر خيال العارف من الصور الدنيوية الناتجة عن التمازج الجدلي بين امدادات الحواس النشطة، وتجريدات العقل المقيد، لتغدو مرايا المخيلة الصوفية صافية ومصقولة ومهيئة لتلقي صورا لغيب وامتداداته الحلمية والإعجازية الخارقة، ناهيك بالرؤى والمبشرات والنبوءات!! فضاء تأويلي بجدارة يحتفي بصور قادمة من عوالم المثال الإِلهية تمنح المعاني اللدنية دلالاتهاعبر الصور الرمزية المتفتحة في مساحات الظلمة الحرة والبرحة والمتحررة من وضوح النور، وحدوده الجلية الخادعة!!
لكن الرحلة الصوفية المتشكلة عبر مملكة الظلال والرؤى، ملتبسة الحضور بين النور المحض والظلمة المحضة، والتي هي رحلة يسترد فيها أو عبرها العارف الصوفي، ومن خلال مراياه التأويلية الكاشفة التي تستقي معارفها من لدن الغيب حضوره الأصلي البريء الأزلي، أو هذا ما يتمناه ويشتهيه!! إنها وحدة العشق المقدس أصل الوجود الذي ما كان ليوجد إلا الحب !! ,وإذا كان الإله الجميل خلق الإنسان والعالم ليرى نفسه في مرايا المغاير الذي يعكس ويكشف عن صورته الإلهية دون ماهيته الذاتية، ولكن يأتنس به، ويؤنسه، فانفصل الوجود بالتجلي، فإن العارف الصوفي وعبر رحلة الخيال، يسترد الوحدة الأولى، حين يدرك ببصره وبصيرته، وعبر مرايا الخيال الغيبي الأصل الإلهي المباطن للمخلوقات، حينئذ يعى الوحدة فى عمق الكثرة، والنظام الجمالي وراء الفوضى، و القبح الشكلي الوهمي!!
لكن الرحلة دوما ما تستكن باستحالتها، فهذا ما يذكي الرغبة الصوفية في الرحيل والحركة القلقة الدائمة، سعيا وراء ما لا ينال فى هذا العالم، ورغبة في تحطيم كل ما يغري بالاستقرار والثبات والتمكين السلطوي !
يقول جلال الدين الرومي :
” هذا الشيء الذي لا يعثر عليه انما هو أملي”
ويقول شعرا: قال ما تبتغيه يبدو محالا قلت إن المحال مأمولي”
سعي وإيغال في مسارات الغربة، وحيث لا مستقر ، إلا وطن الحيرة والقلق بالمعنى الوجودي والمعرفي، لأنه ما ثم إلا العشق، فالمعرفة لا تسلم صاحبها إلا الى مزيد من غواية السؤال ووهج التحول اللانهائي للصور، واللهث وراء المعنى اللاممتلك!! لكن العشق تجاوز لثنائيات الوعي، والأنا والآخر، والمعني المطلق الذي لايمكن أسره في صورة، ولا يمكن احتمال تحرره من الأشكال والصور!! هذه هي المفارقة الصوفية الرائعة والقاسية في آن، والتي لا يمكن تجاوزها أو قهرها، لكن من المحتمل العيش في ظلها، والاستسلام لحضورها المتناقض!! لكنه عيش العاشق حيث يذوب وينحل تدريجيا، فيغدو كشبح أو كطيف الخيال، وقد احترق كفراشة هائمة في وقدة النار الحارقة، نار المعشوق الذي لا يقبل إلا بقربان الروح، ولا شيء دونها!!
يقول سنائي الغزنوي :
“العشق يستلب الروح ويحرق الملوكية”
في حين يقول العطار :
“الروح سد في الطريق.. فكن للروح ناثرا، 
فقد وجدت هويتي في انعدام الهوية، ثم جدلت الهوية في انعدام الهوية!!
________
*المدى 

شاهد أيضاً

كتاب الدين والاغتراب الميتافيزيقي

*د. عبدالجبار الرفاعي تأتي أفكارُ كتاب (الدين والاغتراب الميتافيزيقي) في سياق ما جاء في كتابي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *