الرئيسية / فكر / سقراط ليس مثالياً

سقراط ليس مثالياً


*حنا عبود


اتهم سقراط بالمثالية، بناءً على المحاورات الأفلاطونية الأولى التي نسبت كل الأفكار إلى سقراط. وقد أجمع الباحثون أن المحاورات الأولى «سقراطية» بامتياز، وإن اتهموا أفلاطون أنه شرح أفكار أستاذه بأمثلة من عنده، ولكن أحداً لم يتهمه أنه حرّف آراء سقراط. ولو عدنا إلى سقراط، حياةً وتعاليم، لما وجدنا فيه من تهمة المثالية سوى ما وصف به النفس البشرية قبل أن تتجسد، وما سوى ذلك ليس فيه من الجنوح إلى الخيال شيء، ولا لجأ إلى المثالية في شرح موقفه. وبلغ الأمر به أنه لم يكن يؤمن بالكتابة، لأن العالم يتغيّر بينما ما تكتبه ثابت لا يواكب التطور، فيأتي يوم يلعن فيه الناس الكتابة والكاتب، لتناقض المكتوب والمنظور، فحذا حذو بوذا، وحذا حذوه المسيح. التعاليم الشفهية تكون في عرف سقراط مرنة تسير مع الحياة، وتتطور بتطورها، وتتجدد بتجددها، وليس كالكتابة الجامدة. وهذا موقف ينم عن نظرة واقعية جداً.
لم يتغير شيء منذ سقراط حتى اليوم فيما يسمى «السياسة» فلا تزال كما هي، أو كما وصفها ميكيافيللي. ولنكتف فقط بالنظر إلى الأنظمة الديمقراطية في الغرب، فهي لم تختلف عن الديمقراطية اليونانية التي اضطهدت الفلاسفة والمفكرين، فأعدمت سقراط، ونفت فيثاغورس… وديمقراطية الغرب شبيهة بديمقراطية اليونان في الممارسة، فأثينا الملقبة «أم الديمقراطية» فرضت على الجزر حلفاً بالإكراه، ونصبت أنصارها الطغاة على تلك الجزر المجبرة على الرضوخ لسياسة الحلف، ولم تنج تلك الجزر من الطغيان إلا بعد مكابدة ومعاناة. وديمقراطية الغرب فعلت الأفاعيل، تحت الشعارات البراقة، التي تدعو إلى السلم والعدل والمساواة، تمارس سياسة أسوأ من الطغاة بكثير، فـ «الديمقراطيات» الأوروبية هي التي غزت الصين والهند… والشرق بكامله، وقامت من قبل بإبادة شعوب المكسيك والبيرو… وكل شعوب أميركا الجنوبية. أما أميركا الشمالية فلم يجر القضاء على سكانها الأصليين- الذين حاربوا مع الأمريكان ضد الإنجليز، إلا بعد أن توطدت الديمقراطية، ولم يبق منهم اليوم سوى أعداد قليلة تعيش في بعض البقع الشبيهة بالمتاحف، يؤمها الزوار الأجانب للفرجة وحب الاستطلاع. يبدو أن «القوة» التي مجّدها نيتشه، هي السياسة «الطبيعية». فعندما تظهر القوة، على حدّ تعبير ماكس شتيرنر، لا يوجد رادع يوقفها، بل ستفرغ كل طاقتها، وتصل إلى مداها.
ولا تزال السياسة اليوم كما كانت بالأمس. فالمنزهون قلة، كما في عهد سقراط، والمداهنون كثرة، كما في عهد سقراط. سقراط الذي لم يُدرس كمفكر سياسي، كان أعظم مفكر سياسي، لربطه السياسة بالتربية وربط التربية بالفضيلة، وربط الفضيلة بالمشرع (الإله أو الإنسان) ورجل الدولة (السياسي) ومنتج القيم (المادية: كالمزارع والصناعي… والمعنوية كالفنانين والشعراء…). ومن هذه الفضيلة، التي أكثر من تحديدها، تبدأ السياسة الحقيقية في إدارة شؤون الجسد والروح.
التربية السياسية
لم يتطرق سقراط للفيزياء ولا للميتافيزيقيا. ولا تكلم عن الخلق والتكوين، بل لم يشر إليهما في كل أحاديثه. إذن لم يحلق في السماء، كما صوّره أرستوفانس، بل درج على الأرض، وعاش بين الناس. وهو أول رجل من أصل أثيني يحقق مثل هذه الشهرة. ومنذ أيام ليكورجوس، المشرع الأول، بدأت تظهر كلمة سياسة، التي تعني ‘المدينة’، بمعنى الاهتمام بشئون الإدارة والتنظيم والسكان… الخ. وهذا ما اتجه إليه سقراط، فلا ليكورجوس ولا صولون ولا بقية المشرعين اعتمدوا العالم السماوي في التشريع الأرضي، بل كانت نظرتهم واقعية تقوم على الإحصاء والتنظيم قبل أي شيء، من غير التطرق إلى الأديان القائمة، بل بالعكس، يجب احترام شعور الجماعات في عقائدها، على أن يكون التشريع مشتركاً.
من هذه الملامح والسمات ظهرت شخصية سقراط. كان همّه «إعداد المواطن»، وهذا هو جوهر السياسة. فالتربية في أصلها «إعداد المواطن» أي ساكن المدينة، على اعتبار أن الضواحي سوف تتبع تشريعات المدينة؛ لأن مصيرها في المستقبل أن تتسع أكثر فأكثر لتصبح مدينة. وكما فعل المشرعون السابقون فعل سقراط فاهتم قبل كل شيء بـ «التعريف» أو لنقل «الحد»، فلا يمكن التقدم خطوة دون تحديد الكلمة والمقصود منها والمرامي التي قد تخطر على البال لدى سماعها، إلى أن تصفى الإشكالات، فيكون لدينا مرتكز أساسي ننطلق منه… إلى أين؟ إلى المدينة، لجعلها مكاناً مريحاً يجلب السعادة. كان يردد أن تعليم الحرف أمر سهل، ولكن تربية النفس من أشق الأمور، لما في العقول من أوهام وأساطير وتخيلات لا حصر لها. فهناك تعاليم متنوعة: تعليم القراءة، تعليم الكتابة، تعليم الموسيقى، تعليم الرسم، تعليم الحرفة كالنجارة والحدادة والصناعة والنسج… أما التربية، فواحدة فقط تصب كلها في «الفضيلة» التي أشبعها تعريفاً وتحديداُ لتهيئة الفرد ليكون «مدنياً» حقاً مطيعاً للقانون الذي يحدد العدالة والحرية والمسئولية. وبذلك يكون المواطن صالحاً حاكماً كان أو محكوماً، أرخوناً أو دباغ جلود…
لا يؤمن سقراط بأن هناك تربية خاصة لهذا الفرد أو ذاك. لا يمكن أن تكون التربية مختلفة بحسب الأفراد. وهذا يتفق مع نظريته في أن الموجود يهفو دائماً للوصول إلى المثال الأعلى. ومشاركة الإنسان للأرباب في ربوبيتهم لا تعني سوى شيء واحد عنده وهو الاقتداء بـ «المقدس»، لاكتساب المثل العليا، أما ما روي عن الآلهة من مباذل فهي اختراع من الخيال الشعبي. وربما كان هذا من أكبر أسباب خلق مصطلح «الفلسفة قبل سقراط» التي حصرت همها بالكونيات والعناصر الأولية. لأول مرة تهتم الفلسفة بالتربية «المدنية» فهي فلسفة سياسية بحق. وأي «سياسة» لا تهتم بـ «إعداد المواطن للحياة المدنية» تكون سياسة ديماغوجية، أو سفسطائية لها أغراض مريبة جداً.
مرتكزات السياسة
مرتكزات السياسة عند سقراط تقوم كلها على ركيزتين: المعرفة والفضيلة. المعرفة ليس لها هوية محددة، فالمرء يلتقط المعلومات عن الأشياء، كل الأشياء التي تصادفه أو يصادفها، فهي خليط هائل من المعلومات… و«الفضيلة»، التي تأتي من عالم المُثل، هي التي تحكم على المعلومات وطريقة استخدامها. تفرزها وتحدد هويتها وطبيعتها، فما كان مخالفاً لها نبذته وحاربته، وما كان في خدمتها استبقته ودعمته. وأساس السقوط الأكبر لـ «السياسي» يكون في أمرين: نقص فاضح في المعرفة، أو انحراف كبير عن الفضيلة. والجاهل، مهما كان سطحي المعرفة يمكنه أن يكون «مدنياً» فاضلاً إذا خضع للقانون. وعندما تظهر أمور جديدة غير مشرعة، يجب تشريعها بسرعة.
ومن يضع التشريع هم الحكماء، المشهود لهم من الشعب، لأن المتصف بالحكمة لا ينحاز ولا يغش «صوت الضمير»، الذي هو صوت الحكمة، التي تعلو في كثير من الأحيان على صوت العدالة الشكلية. فلا يجوز للحاكم أن يضع القانون، كما كان يجري في كثير من البلدان. وكانت مصر أول من جعل التشريع من اختصاص الحكماء، كما تدل بعض مواده، ففي مادة القضاة نصت بنودها على أداء القسم أمام الفرعون. وأول بند أن يقسم القضاة اليمين أنهم يعصون الفرعون إن أمرهم أمراً على غير وجه حق، أو طلب العفو عمن لا يستحق… الخ. ومن المواد الغريبة عن روح العصر الحديث، أن من ثبت أنه ظالم لا تدفن جثته، ومعنى ذلك أنه لا يعرف طريقه إلى العالم الآخر. والقضاء هو الذي يحدد ذلك؛ حاكماً كان أو محكوماً.
السياسي
تصنف محاورة «السياسي» لأفلاطون ضمن المحاورات المتأخرة جداً، بمعنى أن آراء أفلاطون لم تعد متطابقة مع آراء سقراط كما في «المحاورات السقراطية». وربما انتهوا إلى هذا الحكم بسبب ابتعاد المحاورات المتأخرة عن أسلوب السخرية والديالكتيك، كما كان الأمر في المحاورات السقراطية، ولكن هذه المحاورة، مهما ابتعدت عن الأسلوب السقراطي، فإنها تعكس فكر سقراط في السياسة، من دون أن يكون هناك أي تغيير في النظرية، وإن كانت الأمور العملية اختلفت لاختلاف الظروف. فالـ «سياسي» لا تختلف في مضمونها عن «خارميدس» و«ليسيس» و«لاخيس» و«أيون»…
من مرتكزات السياسة «المعرفة والحكمة» ومنهما تنبثق كل صفات السياسي، فهو، إلى جانب الحكمة التي وصل إليها بحكم معرفته العميقة يتصف بثلاث فضائل: العدالة والشجاعة والعفة. ويرى سقراط أن الحكمة هي أساس كل هذه الفضائل الثلاث، ومع ذلك يقرّ بها لما فيها من بعض التمايز، فما قيمة الحكيم إذا لم يكن عادلاً؟ إنه يفقد حكمته، لأنه يكون رجّح مصلحته أو مصلحة خاصة أخرى على مصلحة العدالة. ثم ما رأيكم بـ «عادل» جبان، لا يملك شجاعة قول الحق والنطق بالصدق؟ إنه من دون شك يفقد الحكمة؛ لأن الباطل مفسدة عامة ولا ينحصر أذاها في المتخاصمين. ثم ما قولكم بـ «شجاع» ولكن تنقصه ميزة التعفف وردع النفس عن شهوات الجسد ونوازع الحيازة الخاصة؟ أي شجاعة تبقى في مثل هذا السياسي؟… نعم تبقى فيه روح الاستبداد والقمع، فينزل في خصومه السياسيين أبشع الأفعال، وأشنع الأقوال، ويدعي الشجاعة ادعاء، ويمارسها بالاعتداءات، لا بعدالة الإجراءات. وقد لوحظ أن الحاكم المستبد يعمد إلى تدمير كل شيء من أجل إرضاء منازعه المخالفة للنواميس (الإلهية أو الطبيعية أو الوضعية) ولا يتورع عن تدمير المدن وتهجير السكان، من غير أن يستوعب أن نشوب التمرد دليل ابتعاده عن الفضائل الأربع السابقة: الحكمة والعدالة والشجاعة والعفة. بهذه الفضائل يمكن الارتقاء للسير في طريق الحق والخير والجمال.

سياسي واقعي جداً
لا شك في أن أسطورة الكهف في «الجمهورية» من ابتكار أفلاطون، ولكنها في الحقيقة إطار قصصي يشخص نظرية سقراط في أن النفس كانت تعيش الحق والخير والجمال، فلما دخلت الجسد راحت تصارع نوازعه، لتتخلص من الموبقات الأرضية. ومتهمو سقراط وأفلاطون بالمثالية يعتمدون على مثال الكهف. ولكن سقراط كان دائماً يبدأ من الأرض وليس من السماء حيث كانت النفوس تعيش، فكيف يعرف المواطن الخطأ؟ من قال له إن هذا خطأ وهذا صحيح؟ لنفرض أن غيره علمه الخطأ والصواب، فمن علم غيره؟… ننتهي في النتيجة إلى أن النفس نزاعة إلى أصلها في الحق والخير والجمال، ومن هذه القيم تنبع الفضائل العملية الأربع: الحكمة والعدالة والشجاعة والعفة.
حتى تستقيم الأمور في رأي سقراط لا بد من:
* رجل مشرّع (حكيم) يضع النواميس.
* رجل سياسة (أو رجل دولة شجاع يكرس وقته لتطبيق النواميس).
* عامل متقن ينتج الجمال (نجاراً كان أو بناء أو موسيقياً أو فناناً أو حداداً…)
فهل يتهم من له هذا الفكر بالمثالي، لمجرد أنه جاء بمثال من الميثولوجيا القديمة التي قد تعود إلى الديانة الأورفية؟
من أين لك هذا؟
هناك مادة لدى قدماء المصريين تدهش أبناء العصر الحديث، وهي مادة «من أين لك هذا؟»، ففي كل عام، أي بعد اكتمال جني المحصول، تقوم لجان قضائية بالتفتيش عمن عاش من غير كدّه، وتصدر في حقه العقوبة بعد المحاكمة، من تغريم وسجن، وقد تصل العقوبة في بعض الأحيان إلى الإعدام، إذا كان جناه من جنايته على أتعاب غيره. ولهذا كثر «الكتّاب» عند المصريين، لتغطية هذه الناحية، فكانت السجلات شيئاً، وكان الواقع شيئاً آخر.
________
*الاتحاد الثقافي

شاهد أيضاً

النفي المنهجي أو عدمية نيتشه

خاص- ثقافات *سيومي خليل يتحدث الفيلسوف الوجودي والكاتب المسرحي الفرنسي-الجزائري ألبير كامو عن الفيسلوف فريدريك …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *