الرئيسية / Uncategorized / الكتابة بين الأموات والعقارب والقطط الأليفة

الكتابة بين الأموات والعقارب والقطط الأليفة


دبي- كيف يمكن لمنظر التفاح المتعفن ورائحته أن يكون ملهما، وكيف يحرك العقرب محبوسا في قارورة أو تحت كأس ماء كوامن الإبداع عند الكتاب، وهل تنتج الإقامة المؤقتة بين القبور أدبا؟ وكيف يمكن لحالة اكتئاب حادة وتقمص دور المنتحر أن يستدعي إلهاما روائيا؟ وهل يعد الحمام مكانا مناسبا للكتابة؟ وهل من الممكن لأحد استبدال القلم بأنفه المغموس بالحبر في الكتابة؟.

الكتابة في الليل على ضوء الشموع ورائحة البخور والاستماع إلى الموسيقى، والجلوس على الشرفة أو بجانب النافذة وتناول فنجان قهوة وسيجارة وخلق جو هاديء أو الاستعداد للحظة الكتابة بممارسة هوايات معينة كالمشي أو الغناء أو الخروج إلى البحر أو شراء الورد، أو الركض تحت المطر.. تبدو هذه الطقوس كلها لائقة من وجهة نظرنا بلحظة الإبداع كونها تتزاوج مع الخيال وتخلق معه فضاء لإنتاج نص يسعى أو يدعي كسر العادة والمألوف.
لكن العكس هو ما يحدث عند بعض المبدعين، فالنص الذي يسعون لكتابته واجتراح المألوف فيه يحتاج منهم إلى طقوس لا تكسر العادة والطبيعي وحسب وإنما تغرق في الغموض واللاتفسير، وبعضها يتجاوز الطبائع البشرية، فأن يقيم روائي مثل الروائي المصري خيري شلبي في مقبرة لأيام وليال وينتج أعظم رواياته بين الأموات وروائحهم قد يبدو جزءا من فيلم خيالي أو مشهدا من فيلم رعب.
وأن يضع شاعر مثل غوتة أمامه على الطاولة طبقا من التفاح المتعفن وينظر إليه ويشم رائحته ولا يعرف أن يكتب دون رفقته فهذا أيضا ضرب من الغرابة وربما لن نجد لهذه الطقوس تفسيرا منطقيا غير أن نحيلها إلى تهويمات نفسية مرتبطة بلحظة شديدة الخصوصية والسرية، يتحوّل فيها الأديب من كائن طبيعي وعادي محتمل إلى كائن غامض لا يحتمل غريب الأطوار واستثنائي، ينفصل عن ذاته الطبيعية وعن عالمه الطبيعي ويدخل في عوالم ثانية من الخيال الكبير الذي يخلق له أجواء لا يعيش داخلها ضمن حياته العادية بعيدا عن الكتابة، وهو يحوّل لحظة الكتابة لديه إلى طقس غريب وغامض ويشبه مقاطع من كوابيس أو مقطعا من حلم لا إرادي يرتاد عقله في تلك اللحظة التي يفرغ فيها خياله على الورق، هذا الخيال الذي يرغمه على أن يلتجئ إلى وسائل تبدو مبهمة لنا في التعبير عن لحظة الإلهام.
والسؤال الذي يتبادر إلى الأذهان: إذا كانت الكتابة هي لحظة المصالحة مع الذات فكيف ضمن هذا التصالح أن يأنس المبدع إلى روائح العفن والموت وينتج روائعه؟ وكيف يكون وجود قطة على الكتف لحظة الكتابة مثل ما كان يفعل الشاعر ادغار الان بو حافزا على الإبداع؟ إنها لحظة تحويل عادة غريبة إلى نص إبداعي حيث تكمن في هذه الطقوس الغريبة الإثارة الكاملة بالنسبة للمبدع، فإذا كان النص يبدأ بكلمة أو جملة، فإن الطقس الكتابي يبدأ برائحة أو ملمس ناعم أو حشرة سامة.
هذا الجو هو ما يسمية المبدعون الحالة التي يجب أن تتوافر عند الكاتب وقت الكتابة، بعضها حالات يمكن مسكها ولمسها والإحساس بها مثل قطة بو وتفاح غوتة وريش الطاووس عند أوسكار وايلد وغلايين التبغ وعشرات فناجين القهوة عند الكثير من المبدعين.
وبعضها الآخر حالات لا يمكن لمسها، مثل حالات الكآبة التي تعتري كثير من المبدعين واعتزالهم الناس مثل ما كان يفعل الروائي بروست حيث أنتجت عزلته الشهيرة أهم رواياته العالمية.
يمكننا اعتبار هذه الطقوس الغامضة بمثابة العتمة الشديدة، التي يعيشها المبدع قبل الشروع في الكتابة، العتمة التي تفصل بين المخاض والميلاد، قد تبدو غير مألوفة لكن العتمة أيضا حالة لا تألفها العين بسهولة.
وعلاقة المبدع بهذا الطقس الكتابي علاقة غير واعية، بمعنى أننا لا نستطيع رصد المنطق فيها، ولا دراستها في إطار نفسي نظري، ذلك أن الخيال وإثارته لا يحده تفسير لكننا نستطيع إدراج هذه الطقوس ضمن العادات المثيرة التي تمتد لتجعل الاستحمام في حوض الحمام مكانا مناسبا للكتابة والتأمل كما كانت تفعل أجاثا كريستي.
هذا السلوك الكتابي الغريب يشبة معركة تدور في مكان صامت، وبحركات صامتة لكن رائحة الغبار الذي تثره تشي بأن معركة كانت تدور هنا وإلا كيف نفسر الفوضي التي يثيرها بعض المبدعين حولهم وهم يكتبون، كتب كثيرة متناثرة وأوراق على الطاولة وأوراق متناثرة على الأرض وأكواب كثيرة من القهوة، ورماد سجائر في كل مكان، إنها العادة فقط وإثارة الفوضى الخارجية في محاولة لترتيب ما لا يمكن ترتيبه في الداخل.
______
*ميدل إيست أونلاين

شاهد أيضاً

ظلال السّرد المهمّشة..مُقاربات في الفن الروائي (2)

*لطفية الدليمي أقرأ غالباً على صفحات الفيسبوك المشحونة بالصخب مجادلات ونزاعات ووجهات نظر متباينة ومتطرفة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *