الرئيسية / نصوص / منفضة الغبار الحديثة

منفضة الغبار الحديثة


عبد الحليم أبو دقر*

( ثقافات )


1

دمشق، ساحة المرجة ،في غرفة فندق.
كان سلطان الكآبة يقول: سمعت أخي معاذ ” منفضة الغبرة الحديثة “، قبل يومين،
يقول لأمي )كانا في المطبخ ، ظن أنني خرجت، وأنا كنت خرجت ثم رجعت، تذكرت
ساعات في الخزانة علي إنزالها إلى الدكان (:
“عايش سلطان على أكتافنا لأننا حمير، نحن سمحنا له يعمل فينا ما يشاء، ويظل
يتأفف ويشكو، لولانا ، لولا أموالنا، لولا وفاة أبي المفاجئة، أكان هو سلطانا ؟! لو ظل
بأمريكا، أكان قادرا على النزول إلى سويسرا ، إلى فرنسا ، كل ما تضرب برأسه ؟!..
مصاريف كل هذا السفر من يتحملها يا أمي ؟! السهر ، النساء ، الجاكيتات ، البدلات التي
يشتريها من أشهر محل بزيورخ .. عز أغبر. أخوه “السطل المثقوب” في الدكان
الصغير بالملابس التي يرتديها مثل العتال .. لو ظل سلطان بأمريكا، كان يغسل صحون،
أو قابض على بربيش بكازية “.
حتى أمي يا مصباح أخطأت باستماعها إلى أخي “منفضة الغبار الحديثة”، كان
عليها أن تقول له: لا تقلل أمامي من شأن أخيك سلطان. كان عليها أن تسأله إلى متى
ستظل لا ترى إلا جانبا واحدا من الصورة، أن تقول له: أموت وأراك في يوم من الأيام
قادرا على رؤية الصورة كاملة، لا تغض الطرف مرة ثانية أمامي عما فعله سلطان من
أجلنا ،إياك أن تبخس من إنجازات أخيك سلطان ..
عند وفاة أبي المفاجأة ترك ت دراستي، عدت من أمريكا،دخلت إلى الجحيم، اقتحمته ،
أنقذت أخوتي واحدا وراء الآخر، ما زلت أحتفظ بآثار الحروق على جسدي.) نزع
قميصه، صار ينظر في جسده (،قلت له : سلطان ، البس القميص حتى لا تأخذ برد اً.
تابع سلطان الكآبة : دبرت لأخي “منفضة الغبار الحديثة” بنت حلوة قمحاوية
عمرها 18 سنة، أهلها أغنياء، خفيفة دم، معها جنسية أمريكية، وافقت تسحبه معها إلى
أمريكا، تريحني منه. الحيوان رفض، لم أقدر على التخلص منه كما تخلصت من أخيه
“السطل المثقوب” عندما أعطيته الدكان الصغير وانتهيت.الظروف ساعدت أخي “منفضة
الغبار الحديثة”، لكني سأتخلص منه قريب ا،ً حتى لو اضطررت لبيع الدكان وبأي سعر،
يأخذ حصته وينقلع، لن تهمني الخسارة هذه المرة . يحلم أخي “منفضة الغبار الحديثة” يا
مصباح أنني إذا وافقته وغادرت وسط البلد سأرفعه على كتفي، وأركض به إلى عمان
الغربية، يظل يزن بأذني: تراجع الشغل في وسط البلد، جميع التجار هربوا من وسط
البلد إلى عمان الغربية بعد أن تم غزو وسط البلد من البسطات،واحتلاله من المقاهي التي
تنفث دخان الأراجيل الكثيف الملون المتعدد النكهات ليل نهار، لتشعرك بالحداثة، كما
أن وسط البلد استبيح من قبل كل أشكال الخردوات، ومحلات التحف الشرقية، والجلابيات
والأنتيكات،وانتشرت القناديل تحت الأرض ليرضى عنا السياح… الغريب في الأمر أن
أخي “منفضة الغبار الحديثة” ما زال يشعر بالفخر لأنه حافظ على التصاقه بي، رغم

ادعائه أنني أنا من التصق به على شكل غبار، التص ق به واخنقه، أنا يا مصباح أمنع أخي
“منفضة الغبار الحديثة” من التنفس، أنا من يختنق بسبب بقائه معي، لن يعترف “منفضة
الغبار الحديثة ” في يوم من الأيام أنه عالة عل ي ، سأقبعه قريب ا كما قبعت أخاه “السطل
المثقوب” .. تعتقد يا مصباح أنني أصدع دماغك مثل كل مرة، وبالنهاية لا أفعل شيئ ا،ً
ويبقى الحال على ما هو عليه. هذه المرة الوضع مختلف، أول ما ينتهي العيد، ونعود إلى
عمان، أول ما تنتهي هذه الإجازة، ونغادر الشام،سأركل أخي “منفضة الغبار الحديثة” إلى
كوكب مجهول،وأرتاح منه إلى الأبد… يبدو أن كلامي لا يعجبك يا مصباح، لو كنت
مكاني ماذا تفعل،وأخي “منفضة الغبار الحديثة” يقضي الليل على الساتلايت، ينزل
ساعتين بعد الظهر إلى الدكان وهو قرفان من الناس، يتخانق مع مصلح الساعات
العراقي، يفتح الدرج، يسحب مصاري على كيفه، بوزه شبر، ينفر الزبائن … قبل يومين
صفع العراقي على وجهه دون سبب .. ماذا تفعل يا مصباح إذا كان أخي “منفضة الغبار
الحديثة” لا يفهم للآن أن الشغيل العراقي لما يزعل يتركنا، عندها كيف تصير حالنا ؟!
الناس تريد أن تستعيد ساعاتها، غير الدخل الذي نحصله من التصليح،من الصيانة، من
تغيير البطاريات، من تنظيف الساعات،من إزالة غبرتها.. العراقي محافظ على المصلحة
أكثر منه … سأصف لك يا مصباح كل ما يقوم به أخي “منفضة الغبار الحديثة” في الدكان
حتى تقول سلطان معه حق في كل ما يقول، وعليه الخلاص من أخيه “منفضة الغبار
الحديثة” بأسرع وقت، فورا بعد انتهاء العيد، وعودتنا من الشام .. يقعد أخي “منفضة
الغبار الحديثة” وراء كاونتر الساعات ، أمامه على الزجاج علبة الدخان المارلبورو،
وقداحة ذهب مقلدة، معطر بأجود أنواع العطور الزيتية الخانقة، الطاردة للزبائن، مزين
حاله مثل ذكر بط، متوقعا أن تدخل عليه ملكة جمال الكون في أية لحظة، تمسك بيده،
تطير به بعيد اً عن وسط البلد ، تخرجه من كل عمان، من كل الأردن . ملكة جمال
الكون، لماذا ستأتي إلى دكانتنا يا مصباح؟! لماذا ستأتي إلى الأردن ملكة جمال الكون يا
مصباح؟! حتى لو وصلت إلى الأردن، لن تنزل إلى وسط البلد ،حتى لو وصلت إلى وسط
البلد، لن تدخل إلى دكان ساعات أكثر من نصف ساعاته تقليد، قلة ساعات على ملكة
جمال الكون يا مصباح؟! من يفهم أخي “منفضة الغبار الحديثة” هذا الكلام؟ حاول أن
تفهمه أنت، أتحداك مع كل القدرات التي لديك، أن تتمكن من إفهامه،أنت جرب، وأدخل
معه في نقاش ،لن تخلص إلا وتفتت ت روحك، و تمزق ت ملابسك، وتخرمش وجهك. ما
فتحت معه بحياتي أي موضوع إلا ووجدته حمارا ، رغم ذلك يرى أنك لن تجد في كل
البلد من هو أهم منه، لن تجد من هو أفهم منه ، لن تجد من هو أجمل منه، من هو أنظف
منه، عدوه الأساسي في هذا البلد الغبار، يستهلك ماء وصابون وشامبو وجل أكثر من
كل العائلة، طول النهار يطارد الغبار، تمسح الواجهات الزجاجية للدكان، القواطع الخشبية
،الساعات ،أكثر من عشر مرات في اليوم .. لن يعجبه، لن يهدأ ، يظل يردد : لطخ الغبار
عادت لتطفو على زجاج ) البترينات ( من جديد، الساعات علاها الغبار من جديد، لن
يترك الشغيل العراقي يلتقط أنفاسه، يقول له: “هذا اليوم أغبر، سأختنق هنا، سأموت في
وسط البلد ، الغبار الذي يتجمع في أنفي يمنعني من التنفس ..”. دائما مخنوق، دائم ا غير
قادر على التنفس. من أين سأحضر له الهواء؟! .. ما يلحق ينظف حاله، ما يلحق يخلص
من الغبار، ما يلحق .. حتى يجد الغبار قد التصق به من جديد. يشتري المجلات

المتخصصة في أحدث أجهزة النظافة ، يريد أن يحصل على أفضل نفاضات الغبرة في
العالم ليشفط فيها كل الغبار من البلد، يجمعه في كرة صغيرة يقذف بها إلى الفضاء ،
مؤمن أن حلمه سيتحقق في وقت قريب ، لكن على حساب من؟ على حسابي أنا. أنت
تعرف يا مصباح أنه أنا من سيدفع في النهاية… يترك الزبائن في المحل تحت، يصعد إلى
السدة يستحم، غير قادر على الانتظار حتى يصل إلى الدار، يخشى أن يأكله الغبار، كم
سأكون ممتنا للغبار إذا استطاع أن يأكله ويخلصني منه… إلى متى يا مصباح يظل
أخي “منفضة الغبار الحديثة” يدعي أنه يقيم في الأحشاء وأنا أقيم على السطح، يقول
لي: أنت السطح أروح لك .. أما أنا ..”,
أصرخ فيه: اطلع اطلع إلى السطح حتى تقدر تتنفس، وتريحنا من كل ما أنت فيه،
حتى نرجع نشتغل، حتى ننقذ ..
يرد : هذا ما أقوم به تماما حتى يمشي الشغل .
تصور، بلغت وقاحات أخي “منفضة الغبار الحديثة” أن يقول لي: أنت غير قادر
على رؤية الأشياء التي تدمرك، أما أنا فقادر على رؤيتها، ها أنا أخوض معها صراعا مريراً ، كل ما أحتاج إليه ، بعض الأجهزة الحديثة ، منفضة الغبار التي اطلعت عليها في
أحدث المجلات العالمية ستصل إلي قريبا ، أساس عملها بسيط جد اً ،وقائم على تعريف
الغبار ،الغبار عبارة عن مواد متحللة من بقايا جثث آدميين ، حيوانات، تم طحنهم من
قبل.. جزء كبير منهم ملوث بالإشعاعات ..
أقول له: أنت تبالغ عندما لا ترى إلا الغبار في كل التطور، في كل التوسع، في كل
البناء الذي يحصل في عمان، فهي مدينة حديثة، ومن الطبيعي أن تتوسع، أن .. قريبا
وسترى الشكل الذي ..
يقاطعني : ليست هناك أية أعمال بناء، كلها أعمال هدم، لكنك غير قادر على رؤيتها
بشكلها الصحيح، أتحداك إذا كنت قادر اً على رؤية هذه ) البترينا ( التي أمامك الآن
بشكلها الحقيقي ، أنت تراها نظيفة ، لامعة، وهي قذرة ،أول ما تصل منفضة الغبار
الحديثة ،سأطلعك على كمية الغبار التي تعشعش فيها .
أحشر أخي “منفضة الغبار الحديثة” بجانبي في سيارتي، وأطير به إلى العبدلي،
أرميه أمام البنايات الحديثة التي ما زالت قيد الإنشاء،أشير إلى البنايات الضخمة وأنا
أصرخ : بناء هذا بناء، يا حيوان هذا بناء .
يرد : هذا هدم، وأنت مازلت عائما على السطح .
* قاص من الأردن

شاهد أيضاً

رسائل الاسكندر إلى أمّه لم تُنشر من قبل

ثقافات – مرزوق الحلبي 1. لا تصدّقي يا أمّي أنني فتحتُ الهندَ والسندَ وأن الممالكَ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *