الرئيسية / قراءات / “سوف نكون وحيدين”.. حين تتفرَّد موسيقى الصورة

“سوف نكون وحيدين”.. حين تتفرَّد موسيقى الصورة



علي عبيدات*


خاص ( ثقافات )

“فرد في العائلة” ديوان شعري للشاعر الفلسطيني قصيِّ اللبدي صدر عن دار فضاءات -عمان- الأردن منذ عام، ديوانٌ – مجنون- يتأرجحُ بين أدق التفاصيل، وفي ذروة الخصوصيّة، دون عباءات، فلن تلمح صورةً ملفقَةً من شعر درويش أو رائحةً من روائح عطر أدونيس – كما يفعل كثر – فأنت أمام مؤسسة شعرية مستقَلة لا تنتظر مادحاً وتبحثُ عن مجانين الشعر ممن كُتِبَ عليهم أن يخطوا الشعر أو يتلذذوا به ومنه وفيه.

قبل هذا، كتبتُ قراءةً نقديةً عنوانها “قصي اللبدي في دائرة الموت المستطيلة” وهي حفرٌ في قصيدته “مُقايضة” من الديوان ذاته، ولخص فيها قصي العديد القضايا –وفق رؤيته- من وجود وعدم وكوامن نفسيّة ومواقف، وبعدها عدتُ لأقرأ قصيدةً جديدةً عنوانها “سوف نكون وحيدين”، وهذه القصيدة امتداد للديوان المجنون وصاحبه الذي اختار لنفسه تلّة خاصة يتربع فوقها ويهندس الشعر العشوائي، قبل أن يقوله، وبعد أن يشعر به وفي أوقات مستقطعَة أثناء كتابته.

فرد في العائلة كيانٌ شعريٌ مستقل، ومشروع شخصي، فالصورة مثلاً بين وعيين ونهجين وتأويلين، فلن تجد النشاز البصري – كثيراً- ولن تجده أبداً في قصيدته (سوف نكوين وحيدين) فيقول: “قصاصات حب وداعية/ تتساقط/ من أذرع الشجر”، فهنا الورق وسيلة والتساقط هاجس وأذرع الشجر حالة، ويتناغم هذا في بنيةٍ مضارعةٍ تشحذ همم الاعتراف والتأمل الطويل لرسم معالم هذه الصورة الهادئة والناطقة، فأنت تسمع صوت الغصن وهو يرتفع ويهبط ويتردد على مسامعك صوت وقع خطى الأوراق المتساقطة دون تدخل طير يحط على الأغصان أو عجوز تجلس القرفصاء في ظلها الذي اختفى أو أي سقطَة من سقطات النشاز البصري التي تُطيحُ بشعراءٍ كثر أثناء تسكعهم في اللاوعي المشوّه.

“سوف نكون وحيدين” هكذا كتبها، على مهلٍ وبتؤدة، وجعل الصورة موسيقى أيضاً عندما ختم هذا المشهد الخريفي بقوله: “الأرض سائلة، والكلام هو الصلبُ”، فهذا التشويش الواضح ما زال متأنياً كانسياب الماء بصورة أرض، ولم يأتِ الماء عبثاً، ففي فلسفة الماء ثمة أمل أو معترك أو نتيجة يترتب عليها القائمُ أو سيترتبُ عليها ما سيتقدم. وتستمر الصورة بطيئةً واضحةً دون إقحام أي عنصر أجنبي فيها حتى يوّقِع على نهاية صورته الأولى معلناً استحالة الكلام، وهذه عبقريّة صرفة تمأسِسُ اللغة في نسق عجائبي وانزياح عن وظيفة الكلام، فالكلام والصلب نِتاجٌ سوريالي صرف وحيلةُ شاعرٍ يود أن يخرج من مقطعٍ رأسيٍ أول ترصده بوابة القصيدة، ولئلا يكون شاذاً عن ما تقدم اختصر المسافة ضمن وتيرة موحدة بعد مشهد خريفي ويأسٍ بنكهةٍ مضارعة.

دون نشاز تمرُّ الصورة، بصوت مشترك وتآخٍ دقيق لم يقصده الشاعر طبعاً لأنه ليس آلة وربما يفاجأ الشاعر وهو يكتب قصيدته عندما تنقله الدينامية الإبداعية ساعة البوح من صورة مليئة بالأزقة ولاعبي النرد إلى صورة حرب ضروس في أوج الطعان مثلاً، فهنا تظهر جبلَّة الشاعر وكيانه الشعري ومؤسسة مفرداته وأبجديات أخيلته، فلا يوجد تنظيم للصورة لأن الشعر بذاته فوضى منظمة، لكن ثمَّة نفسٌ إبداعيٌ خاص وشعلة تفرد تقاد في صدر مطربي القصيدة.

صورة الشيء هيئته وفق رؤية ابن الأثير، والتصوُّر للعقل والتصوير إبراز بنية الشيء في عرف اللغة، فأن ترمي صورتك دون أن تخطط تفاصيلها يعني أنك الخلاَّق الذي يعالج منجزه العقلي ويراه بسائر حواسه دون تدخل أي واحدة منها بالخلق، وهنا يتساوى المبدع والمتلذذ في التلقي مع الصورة ذاتها، لكن المبدع شاركها المعالجة الذهنية قبل التلقي والمتلذذ انغمس في الصورة بعده، وهذا هو الشاعر، ابن مرآويه بتكوينه ومهندس مُثلٍ في مبناه.

وعلى هذا، لم تعد الصورة ضمن مجالات البلاغة المختلفة كالمجاز والتشبيه والاستعارة – فقط – وفق كلاسيكيّة النقد القديم، فثمّة مزج فلسفي وتغذية للطابع النفسي الخاص لكل شاعر، بالاستناد على تغذية مشربه الفكري واتساع رقعة تماهيه مع قراءاته.

يعود قصي في صورته الثانية، قائلاً: “ثمة وقتٌ لأكتب شيئاً لك/ الكلمات على جانب الأرض منثورة كالحصى والمعاني مجازية”، ويضعنا هنا أمام أركان الصورة وبنائها وموسيقاها البصرية، ومن هذا (الوقت)، (الكتابة)، (الضمير الصريح لك) (كلمات هامشية ملقاة)، (الحصى)، (المعاني المجازية)، شيءٌ ما لا يمكن أن يقوله، وهو ذاته الذي حاول أن يكتبه لضميره المخاطب “لك”، الأمر الذي يقود إلى الحيرة، حيرة اختيار أي شيء يصلح للكتابة بالاستناد على المعاني التي أطلق عليها حكماً عاماً بأنها “مجازيّة”، فالصورة هنا لا تتجاوز حقيقة شاعر يكتب ويحاول أن يفكك طلاسم ذاته، وربما نظر من نافذته ليرى اتساع الكلمات بصورة أرض تلتحف بالكلمات التي عجز عن كتابتها للضمير ذاته وبذات الوقت الذي حُتِم عليه أن يكتب فيه بعد أن وجده “ثمة وقت”. 

لم يرتفع رتم الكلمات ضمن سياق إيقاع القصيدة الهادئ في الصورة الثانية، فما زالت المضارعة تُسكتُ أي رتمٍ يحاول التمرد على البنية الإيقاعية للصورة وصوتها وللصوت وقوافيه التي لم تنطلق أصلاً في حضرة هذه النثرية الدقيقة للشاعر الدقيق والمتأمل على مهل، وكما يرى أبو هلال العسكري “الألفاظ أجساد والمعاني أرواح”.
يؤكد قصي في صورته الثالثة على أنه لم يبُح بعد بالشيء الذي حان وقت بوحه وما زال شيئاً مجهولاً دون معالم، قائلاً: “لم أقل ما أريد.. هل الحُبّ/ ألا نقول سوى كلماتٍ محددةٍ؟”، رفعت “لم” موسيقى الصورة واهتز إطارها العام فلم يعلن عن أي نتائج بعد، وهو على باب تعميم مطلق يفتح أبواب التعميم مرةً أخرى بعد أن قال “والمعاني مجازيّة” ويُلحِقُ “لم” بـ”هل” فهو لم يعد يكتفي بالنظر من فرجة شباك التأمل مراقباً ما تتم معالجته في ذهنه آناء البوح. وبين “لم وهل” رمى نقاط القطع كفاصل يدل على نفسٍ طويلٍ صعد بالصورة وأخرجها كاملةً بتساؤله (هل هو الحب) وبعد سأمٍ وملل أكمل وتيرة الصورة المضطربة – في ذهنه – ضجراً من ألوان هذه الحيرة (ألا نقول سوى كلماتٍ محددة) فخرج منها دون أن يخدشها وترك الحيرة صبغة لها.

وفي صورته الرابعة اختار مشهداً كاملاً بعد هدأة وصبر، دون أن يستنوق جمّله بين لقطات الصورة، فالرتم الهادئ يسيطر على هذا البوح البطيء، فيقول: “كلماتي تضلّ الطريق، وتفقد آثارنا/ في مياه الشتاء/ فتجلس في الظل، ساهمة، كجراء يخلقها الصمت”. 

يتحايل هنا على الكلمات لتظهره هائماً حولها كغريب متطفل يهمس في أذن ذاته التائهة، فكيف تتوه وهي تفقد “آثارنا” رغم أن الموطئُ دليل من وطأ، وهذه حرفة الشعر وهو يرسم مشهده المتأنق، فهو كمن يدري أنه لا يدري بتحايل ذكي على تلك الكلمات التي تظهر كفرس شموص تأبى أن تروض، حتى أنه أجلسها في الظل رغم ضياعها (وجود الغائب وحاكميّة الهارب)، وأكمل معزوفته البصرية بوصف عجيب للكلمات التي كادت أن تخنقه وهي تتسربل بين طيات مشاهد ذهنه، فهي جراء ساهمة، وهذا مشهد حسي صرف جعل من الصورة فيلماً قصيراً واستدامةً لبنية بصريّة مهولّة، فالجراء الساهمة ثابتٌ لا يهتّز له جفن تماماً ككلماته الخرساء وهو يحاول أن يستنْطِقها.

صمتَ الباحثُ عن الكلمات، وحضرت بكامل مهابتها مخاطبةً عنوان القصيدة بشكل مباشر متغلغلةً في صميمية النص المُتكهف على اثنين، ليقول: “سوف نكون وحيدين/ ما بيننا شُقة يتسرّب منها الهواء/ إلى جسدينا،/ ولن نتذكر إلا نهاراً يسيل علينا/”.

تلحُ تَبِعَات التأمل والتفاصيل على هذه الصورة الثريّة ببنية الوحدة والاتحاد ولسعة هواء شفيف يلامس طرفي الوحدة، وتأتي حتميّة “لن” الصارخة بنهارٍ أخير – فقط – يجمع الطرفين، وقد بدأ التشارك في الصورة بين شقيها جلياً في تفاصيل المكان والحالة والهيئة والحدث والنيّة، بحضور صارخ لبنية المضارعة التي لم تفارق النص من أوله، وهي أكثر ما يفيد الصورة والموسيقى البصرية لأن المضارعة أرضيّة الديمومة الصلبة ولقمة القادم السائغة، وكل هذا دون أن يعتدي طرف على آخر بمشهدية دقيقة.

تحتد الصورة الخامسة وفق المستوى الديكارتي الذي يسع المتلذذ بالنص أن يرسمه ويقرأ انفعالات بناء مشهده، ليقول: “أمدُّ يدي نحو مشبك شعرك، قبضتك المستعارة، تلك/ وأسأل نفسي:/ هل أنتِ إلا بخار يموج، كما قمم السرو/ تحت الثيّاب”. 

أي صوت يصدر بينما يتعاضد القماش أثناء انحناء شاعر وتعرُّج ثيابه وهو يمد يده نحو مشبك شعر سيفك قيد جديلة تنساب بلطف على كتف صاحبتها بينما تستعارُ القبضة؟ إنها الدهشة، فهو يسأل في هذه الصورة عن تكوينها لأنها خرجت من ذهنيّة مُسّت بلعنة الدقة والوصف البطيء متسائلاً “هل أنت إلا بخار يموج، كما قمم السرو تحت الثياب”؟ لتهزم الصورة الدقيقة التشبيه المتنافر والرمزيّة المغلقة، بعلو صوت البخار وانسيابيّة موج الصورة، وأين؟ تحت الثيّاب، فهنا ذروة التوريّة وأمنيّة بأن يقف العالم –صوتاً ومشهداً- للمحافظة على قدسيّة قصيدته وشريكته المشتهاة بعد مخاض صعب جعل الشاعر على شفاه التوقف عن الكتابة وجعل القارئ أمام صندوق الدنيا.

*شاعر ومترجم من الأردن.

شاهد أيضاً

بنية الإيقاع السردي النسوي في «سيدات القمر»

*لنا عبد الرحمن «إن قصص النساء لم تُحكَ بعد، وبدون القصص لا تتجلى الخبرة أو …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *