الرئيسية / مقالات / الهجرة والمنفى والأدب

الهجرة والمنفى والأدب


د. إسماعيل مهنانة


ربّما يكون الترحال والهجرة وحياة التنقّل أهم العناصر في تشكيل الشخصية العربية من القديم إلى اليوم، فالبيئة الصحراوية القاسية وشظف العيش جعلا الإنسان العربي صلب العود شديد التيقّظ لا يأنس إلى استقرار أو رخاء. قديماً كان العربيُّ محارباً متنقلاً بين جيوش الروم والفرس وملوك الحبشة وأقدم من ذلك نقرأ في أسطورة «بروموثيوس» اليونانية سطراً يصف «الشمس وهي تلمح في سيوف الخيّالة العربية وتحرق كبد بروموثيوس المعلّق في القوقاز». العربيُّ هو «آلة الحرب المرتحلة» التي تكلّم عنها دولوز.

يحمل المرتحلُ عالمه وفكره معه حيثما ارتحل؛ ولهذا كان الشّعر ديوان العرب. لم يكن للعرب فنون مسرحية ولا نحت ولا عمارة مما قامت عليها الحضارات القديمة، ولكّن الشعر كان يطوي في إيقاعه كل تلك الفنون فيكون حملها سهلاً وحفظها مُتاحاً لكل عربي في الصحراء. في الشعر العربي القديم نجد التمثيل المسرحي والصورة والموسيقى والغناء وكل الفنون. كما تشهد المطالع الطللية للقصيدة العربية على تحريك العنصر التراجيدي الذي أصّله الترحال في كينونة العربي.
للهجرة أيضاً بعد رمزي قوي في هويّة العربي، اكتملت كلّ معانيه في «الهجرة النبوية» من مكّة إلى يثرب، وبداية الزّمن العربي مع التاريخ الهجري، لم تكن تلك الهجرة المقدّسة مجرد لجوء سياسي بالمعنى الحديث للكلمة، بقدر ماهي تشكيل لهويّة الدين الجديد وخصوصيته داخل نسق التوحيد، فإذا كانت اليهودية تستمدُّ سرديتها الكبرى من مفهوم «التيه الإسرائيلي» والمسيحية تستمدّها من فكرة «الخلاص والفداء» فقد رأى نبي الإسلام أن يجمع كل خيوط السردية التوحيدية في طقس الهجرة ليكون مركز الهويّة في الدين الجديد، حتى أن المسلمين الأوائل قد تمّت تسميتهم «المهاجرون» في مقابل «الأنصار».
مباشرةً، بعد وفاة النبي ومؤسس الدولة الإسلامية، انتقلت عاصمة الدولة إلى دمشق بدل مكّة، هل كان ذلك صدفةً تاريخية؟ لقد أسهب المؤرّخون والمفكّرون في تفسير هذا الانتقال بعوامل سياسية واقتصادية، لكن، يبدو جليّاً أن متطلبات عاصمة سياسية لدولة كبيرة أكثر من أن تحتملها ثقافة الهجرة والترحال التي ألفها العرب.
لقد امتدّت فكرة الهجرة والترحال في الأدب العربي منذ القدم حتى «أدب الرحلة» علامة مُميّزة للأدب العربي القديم منذ العصر الأموي، وهو أدب أنثروبولوجي بالمعنى الحديث للكلمة، حيث كان ظهوره مرافقاً لامتداد الفضاء الإمبراطوري الإسلامي، كما سيكون الفضاء الإمبراطوري الحديث شرطاً لظهور الكثير من الأنساق المعرفية كالأنثروبولوجيا والإتنولوجيا والاستشراق. إنه السياق التاريخي نفسه الذي مكننا أن نقرأ فيها رحلات «ابن بطوطة» والحسن بن فضلان ، وحسن الوزّان (ليون الإفريقي) بالأدوات المعرفية المعاصرة.
وإذا كانت الهجرة والرحلة علامة قوّة وهيمنة في العصر الإسلامي الأول، فإنها أصبحت علامة ضعف وأزمة إنسانية وتاريخية في العصر الحديث، حيث صارت الهجرة قسرية وجماعية وهروباً من الحروب والتشتت والاستعمار، لقد ظهر «أدب المهجر» بداية القرن العشرين نتيجة التهجير الجماعي الذي تعرّضت له أقليّات دينية وثقافية عربية، حيث هاجر الكثير من الكتّاب إلى روسيا والدول الغربية ليخلّدوا تجاربهم في المنفى داخل أدب عربي. 
لقد اكتمل «فكر المنفى» في كتابات المفكر الفلسطيني- الأميركي إدوارد سعيد، حيث تغدو الهجرة والمنفى والترحال موقعاً فلسفياً يرى منه الكاتب العالم كلّه بمنظار مختلف، منظار نقدي يوفر للفيلسوف إمكانية تقليب عالم متخبّط في أزمة الهويّات القاتلة. 
هكذا تشتت الكثير من المفكرين والشعراء العرب ليشكِّلوا حساسية فلسفية مختلفة جذرياً، انطلاقاً من الحياة اليومية داخل المدن الغربية الكبرى.
نيويورك، باريس، لندن، برلين… حواضر العصر التي فقدت وجهها خلف ماضيها الإمبريالي، مدن عائدة من خلف البحار «OUTRE-MER» ، كما تقول الدوائر الرسمية الكولونيالية، لكنها في عودتها إلى القارّة العتيقة، عادت تجرّ تبعات «الرسالة الحضارية» التي ذهبت من أجلها، عادت وفي أعقابها شعوب أخرى مهاجرة خلف «رأس المال» الذي نُهِبَ من بلدانها إلى هذه المدن، ولكن، أيضا،ً خلف الثقافة، والحضارة، فرص التألق والنجاح. وأنت تتجوّل اليوم في شوارع هذه المدن، فإن أول ما يفقع العين، هو ذلك التنوّع والتعدّد في الأجناس والأعراق والألوان، وكل تلك الإمكانيات الهائلة التي يخلقها ذلك التنوّع والتفاعلات الثقافية والديموغرافية التي تنتج عنه، تمثّل هذه المدن الوجه المصغّر لمستقبل عصرنا؛ نمط الحياة المعاصر الذي أرهصه الشرط ما بعد الكولونيالي، وهو نمط الهجرة والمنفى والتنقل والأسفار.
لكن حياة الهجرة والمنفى والترحال، ليست مجرد عارض تاريخي طارئ سببه، الحروب ورأس المال المتنقل بلا حدود، ولا حالات أزموية يمرّ بها عالمنا، بل هي، بالأحرى، المصير التاريخي الأساسي الذي انتهى إليه التيه الإنساني، حالة من العدمية الأصلية طالت الكينونة الإنسانية بسبب اقتلاعه من الأرض الأنطولوجية التي تشبّث بها طيلة القرون السابقة، فالقرن العشرون وما بعده هو زمن االاقتلاع واللاتجذّر في أية أرض، يرفع سعيداً هذا الواقع إلى مقام الرؤيا الفلسفية في تشخيص المرحلة التاريخية التي يعيشها عالمنا: «إنها ظاهرة تمتد على كامل الكوكب وتثير اهتمامي بشكل عميق، نحن نعيش في حقبة الهجرة، في زمن السفر القسري والإقامة القسرية، وهي ظاهرة تضم الكوكب بكل ما في الكلمة من معنى. كان نيتشه قد بشّر بظهور حساسية جديدة للشعور الإنساني، تتمثل في تقززه من كل ثبات واستقرار وانصهار في انتماء واحد، وأن هذه الحساسية ستساهم أيضاً في ظهور الإنسان الأعلى، ليس الإنسان الأعلى، في فكر سعيد، إلّا إنساناً متيقظاً إزاء مآزق الهوية ومركزياتها، الهويّة بوصفها وكراً من أوكار السلطة في حربها ضد الحريّة.
ربما يكون قرننا هو بداية عصر جديد، عصر اللاجئين والمهاجرين والمنفيين والمشرّدين في المنافي، وما هذه الأحداث المأساوية التي نشاهدها كل يوم إلّا علامات وإرهاصات لأزمات سياسية وإيكولوجية عالمية جعلت من الأرض عالماً يستعصي فيه الاستقرار.
——–
الدوحة

شاهد أيضاً

المصابيح الزرق انطفأتْ من زمان

*خليل النعيمي كنا صغاراً، وكانت «الحسَكَة» كبيرة. كبيرة جداً علينا. كنا ثلاثة: هشام وعوّاد وأنا. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *