الرئيسية / إضاءات / عن أوليفر ساكس

عن أوليفر ساكس




*جون هاملتون/ ترجمة: أماني لازار


( ثقافات )
توفي أوليفر ساكس، طبيب الأمراض العصبية وصاحب أكثر الكتب مبيعاً الذي اكتشف الدماغ البشري مريضاً تلو الآخر، مصاباً بالسرطان عن عمر ناهز اثنين وثمانين عاماً.
اشتهر ساكس بكتابيه: “الرجل الذي حسب زوجته قبعة” و”يقظات”، الذي تم تحويله في العام 1990 إلى فيلم سينمائي ولعب بطولته كل من روبن ويليامز وروبيرت دينيرو.
عني ساكس وكتب عمن يعانون من اضطراب استثنائي في أدمغتهم ما جعلهم مشلولين-أو مسكونين بالتهويدات الإيرلندية، أو غير قادرين على التعرف إلى أزواجهم. قال في العام 2007 في مقابلة مع NPR، ” مع أنني أردت دوماً الحصول على القصص من الناس، إلا أني أحب أيضاً معرفة ما يجري في الدماغ، وكم هو رائع أن يكون باوندين أو ثلاثة باوندات محشوة في الرأس قادرة على أن تؤسس تخيلاتنا، أرواحنا، وفردانيتنا”.
أفضت قدرة ساكس على الجمع بين العلم وسرد القصص في آخر الأمر إلى تسلمه مناصب أكاديمية مرموقة وتأليف أكثر الكتب مبيعاً، لكن انطلاقة مسيرته المهنية كانت جمة الصعاب.
“كانت حياة أوليفر في البدايات تحدياً”، يقول أورين ديفنسكي، أستاذ علم الأعصاب في جامعة نيويورك، حيث عمل ساكس لسنوات عديدة.” حاول أن يكون عالماً ولم يفلح”.
ولد ساكس في لندن. كان والداه طبيبين، والتحق ساكس أيضاً بكلية الطب في أوكسفورد. لكن عندما صدرت نتائج امتحان علم التشريح النهائي، عرف ساكس أنه حصل على أدنى العلامات.
فذهب إلى حانة محلية. عاد ساكس إلى الكلية بعد شرب أربعة أو خمسة كؤوس من خمر عصير التفاح الشديد، وطلب التقدم إلى امتحان المقالة الاختياري لينافس من أجل الحصول على جائزة الجامعة في علم التشريح. كان الاختبار قد بدأ في تلك الأثناء.
“وهكذا دخل أوليفر غرفته مترنحاً تماماً مع ما يقارب 15 إلى 20 طالباً يكتبون منكبين على أوراقهم الامتحانية وسأل الأستاذ عن إمكانية تقدمه للاختبار”؛ يقول ديفنسكي.
“ونظر الأستاذ إليه بشيء من الود قائلاً: هل أنت واثق من أنك في المكان المناسب؟”.
وكان كذلك. مع أن ساكس وصل متأخراً وغادر باكراً، فازت مقالته حول بنية الدماغ ووظيفته بجائزة الجامعة.
ستفتح الكتابة الأبواب لساكس مدى حياته. قال للـ NPR (الإذاعة الوطنية العامة)، عام 2001 إنه حتى عندما كان طفلاً، كان يكتب باستمرار في دفتر لليوميات. ” لا شك أن نقل الكلمات غريزة لدي”، قال.” كنتُ أُدعى “حبريّ” في صباي. لطالما كان الحبر يغطيني نوعاً ما. ولا زلت أؤلف كتبي بخط يدي. أنا لست شديد الولع بالحواسيب”.
لم يحب ساكس أيضاً الهواتف النقالة وغيرها من أدوات رآها تعيق التفاعل الإنساني.” كان أوليفر يعيش في أواخر القرن التاسع عشر بوجه من الوجوه”، يقول ديفنسكي.” بكل السبل الصالحة”.
غادر ساكس لندن بعد تخرجه من كلية الطب إلى كاليفورنيا. وأكمل هناك فترة التدريب في طب الأعصاب وعاش حياة برية للغاية.
يصف ساكس في سيرته الذاتية، “على الطريق”، ممارسته الجنسية العابرة مع رجال من الجمعية المسيحية للشبان في سان فرنسيسكو YMCA، وأصبح لاعب كمال أجسام في فريق Muscle Beach في لوس أنجلس واستعمل مقادير مخيفة من العقاقير المنشطة.
أحب ساكس أيضاً المجازفة بحياته وهو يقود دراجته النارية في وادي توبانجا.” قد يهبط الوادي وعينيه مغمضتين أحياناً،” يقول ديفنسكي.” قد يتجاوز الإشارات الضوئية أحياناً بأقصى سرعة ممكنة متفادياً جميع السيارات”.
انتقل ساكس في عام 1965، إلى مدينة نيويورك حيث ركز على الكتابة والطب. كان معروفاً عنه أنه يمضي قدراً كبيراً من الوقت مع كل مريض ويطلع على التفاصيل الدقيقة لقصة كل واحد منهم.
يقول ديفنسكي أنه كان يرسل من حين لآخر عدداً من مرضاه إلى ساكس طلباً للاستشارة. “وحينها قد أحصل على أربع، خمس، ست صفحات مع أوصاف هامة عن حياة الشخص، تبصر في اضطرابهم العصبي، فقرات صغيرة بشكل لم يمكنني يوماً من تمييز كل واحدة منها، ناهيك عن جمعها بعضاً إلى بعض،” يقول ديفنسكي.
في عام 1973 أصبح ساكس نجماً مع نشر كتابه “يقظات”. وهو يحكي قصة مجموعة من المرضى أصيبوا بمرض النوم وسقطوا في غيبوبة.
ألهم الكتاب هارولد بينتر لكتابة مسرحية وأيضاً في العام 1990 فيلماً روائياً لعب شخصية ساكس فيه الراحل روبن ويليامز. تصادق الاثنان أثناء التصوير وتحدث ويليامز عن ساكس أثناء الترويج ليقظات على برنامج تونايت شو: ” إنه رجل رائع،” قال ويليامز.” قامته بطول ست أقدام وأربعة انشات وهو مزيج من آرنولد شوارزينجر و آلبرت شويتزر و هو أيضاً يبدو شبيهاً بسانتا كلوز لأن له لحية كثة.. والأمر الرائع هو أنه قوي بقدر ما هو ضخم، هو هذا البالغ اللطف والرجل الرحيم البارع”.
بعد “يقظات” سيمضي ساكس في تأليف العديد من الكتب الأكثر مبيعاً عن أناس من أصحاب الأدمغة الاستثنائية، بما فيها أنثروبولوجي على المريخ، الرجل الذي حسب زوجته قبعة، ونزعة إلى الموسيقى. كتب أيضاً عن دماغه الغريب، الذي لم يكن بوسعه تمييز الوجوه وكان عليه أن يتكيف مع فقدان البصر في إحدى عينيه لدى ظهور الورم في عينه اليمنى.
تحدث ساكس عن إصابته بالسرطان، الميلانوما، عام2010 على برنامج Fresh Air. ” على الرغم من أسفي لإصابتي بهذا المرض، أشعر بأني أيضاً قد أستغله وأستثمره وأكتب عنه وأتحدث عن نفسي كما قد أتحدث عن مريض من مرضاي. في سيرته الذاتية التي صدرت هذه السنة، كشف ساكس لأول مرة عن تفاصيل حياته الأكثر حميمية، عن علاقته المشحونة بوالدته، تعاطيه المخدرات، ومثليته.
كتب ساكس في شباط مقالة في النيويورك تايمز معلناً أن السرطان في عينه انتشر إلى كبده. أخذ على عاتقه في المقالة القصيرة، إمضاء ما بقي له من أيام في تعميق صداقاته، مودعاً هؤلاء الذين أحبهم وكتب عنهم.
_________
*المصدر: عن مدونة “الأماني” الخاصة بالمترجمة أماني لازار. 

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *