الرئيسية / فكر / جمال الدين الأفغاني..إرادة التغيير والتجديد في النهضة

جمال الدين الأفغاني..إرادة التغيير والتجديد في النهضة


*د. عبد المعطي سويد


في منتصف القرن التاسع عشر عرف العالمان العربي والإسلامي نهضة دعيت اصطلاحاً بالنهضة العربية، ووصفها كثير من المثقفين من بينهم كاتب هذه الأسطر بالفشل الذريع لأسباب أهمها أن النهضة لم تحقق أهدافها المنشودة أو الأهداف التي رغب أقطابها تحقيقها في الفكر العام والواقع المتحرك وبعبارة اليوم لم ينقلب مشروع النهضة ليصبح هماً جماهيرياً عاماً، أي إحداث النقلة الكبرى في العالمين العربي والإسلامي على صعيد حياة الشعوب بغية الدخول بجدارة واقتدار إلى العالم الحديث: فكراً وحياة وروحاً وعقلا.ً
لقد كان أعلام هذه النهضة يريدون مخلصين أن يُدخلوا بلدانهم العصر الحديث والمتطور في مختلف جوانبه السياسية والاقتصادية والثقافية والأخلاقية – الاجتماعية والواقع أن هذه الظاهرة لم تخل من مفارقة كبرى المتجسدة في سؤال النهضة حول كيفية الحفاظ على الموروث والتقليد بينما كان العالم الذي كان يحيط بالنهضة العتيدة يفكر ويتحرك وبالسرعة والحيوية نحو المستقبل والسير حثيثاً في طريق عصر التنوير (القرنين الثامن عشر والتاسع عشر)، كذلك لم يدرك أقطاب النهضة المذكورة وخاصة المتلبسين بالنص وثقافته أن مسيرة العالم الحديث آخذة في التشابك والتعقيد بينما أحاط هؤلاء أنفسهم مع رغبتهم في الإصلاح والتغيير بسياج دوغمائي، فضلاً عن عمل السلطنة العثمانية في تلك المرحلة على سد النوافذ إزاء مهب رياح الغرب ، ولكن ومع كل ذلك فقد سعى الكثير من رواد النهضة إلى الإصلاح والتغيير والتجديد في مجالات الدين والعلم والفكر والأدب ولكن سارت الرياح بما لا تشتهي السفن كما يقال وللمسألة أسبابها الشائكة والمعقدة، ولا مجال هنا للدخول في تفاصيل الموضوع وقد أشبع الباحثون فيها عرضاً وتحليلاً.
إن الناظر مليّاً في هذه الظاهرة النهضوية، وما غمرتها من رؤى أو دعوات إصلاحية وأفكار ثورية وروح متمردة ولهجات هادئة حيناً أو صارخة أحياناً أخرى يراها تهدف إلى التغيير والانقلاب على القديم الذي ساد تلك المرحلة ورفض التقليد.
كل هذه التجليات نجدها في قراءتنا الثانية والمختلفة لكثير من رموز وأعلام هذه النهضة بحيث إننا يمكننا الاستئناس بأفكارها وبالروح الكامنة الحيّة التي كانت تحييهم والتي يمكن لنا استنباط على تعبير الأصوليّين منها الدفقة الحيوية والطاقة الروحية كي تدفعاننا مجدّداً إلى استئناف مسيرة النهضة المذكورة وبروح العصر الذي نعيشه الآن، وبعبارة أخرى استنهاض فكرنا كي نستأنف النهضة التي بدأها هؤلاء ونتجاوز خطاهم ونفكّر في قصدهم النهضوي ولكن بطرائق مختلفة. بالرجوع إلى بعض المصادر الإلكترونية، أو الورقية حول ظاهرة النهضة يمكن إيجاز القول إن هذه النهضة كانت قد سارت في اتجاهين:
الاتجاه الوطني ضدّ الاندفاعات الاستعمارية التي شرعت في تلك المرحلة في التغلغل في مختلف أرجاء العالمين العربي والإسلامي، والاتجاه الثاني القومي والإسلامي، أما العوامل الداخلية التي حرّكت هذه النهضة فهي: حركات الإصلاح الديني، وظهور الأحزاب والجمعيات السياسية، وسياسة التتريك، لأن النهضة أشرعت أبوابها في قلب الإمبراطورية العثمانية التي كانت قد بدأت تتهالك وأصبحت الرجل المريض لدى الغرب الأوروبي، أما العوامل الخارجية فتتجلى في الانفتاح (المحدود) على الفكر الغربي ورافق ذلك حملة نابليون الفرنسية على مصر والشام.
أعمال وأبحاث كثيرة في العربية واللغات الفرنسية والإنجليزية والألمانية كتبت حول ظاهرة النهضة العربية، ففي العربية وفي أربعينات القرن الماضي كان أول من عرض للظاهرة الراحل أحمد أمين في كتابه (زعماء الإصلاح في العصر الحديث) تلاه عدة كتب حول الموضوع وخاصة تلك التي تناولت أعلام هذه الظاهرة على شكل سلسلة الإعلام بدءاً من رفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي وجمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي.. الخ، وفي مجال العلوم برز: يعقوب صرّوف وشبلي شميّل وإسماعيل مظهر وصولاً إلى سلامة موسى، كذلك شهدت ستّينات القرن الماضي مجموعة كبرى من الكتب والندوات التي ناقشت ظاهرة النهضة، فمثلاً ظهور كتاب بالفرنسية بعنوان النهضة العربية وهو تسجيل لوقائع ندوة كبرى وموسّعة عقدت في بروكسل شارك فيها باحثون عرب وأوروبيون من ذوي الاختصاص، ثم نشر كتاب في ثلاثة أجزاء مختارات من الأدب العربي المعاصر – تناول الراحل أنور عبد الملك الجزء المخصّص للإنتاج الفكري وأعلام النهضة، مع نصوص مهّمة ترجمها إلى الفرنسية، و ظهور كتاب ألبير حوراني في الإنجليزية بعنوان: «الفكر العربي في عصر النهضة» وهو مترجم إلى العربية وأخيراً في تسعينات القرن الماضي عولجت ظاهرة النهضة في سلسلة كتب صدرت في بيروت حول النهضة والحداثة شارك في الكتابة فيها: السيد يسين، وجابر عصفور، وجمال باروت، وعبد الرزاق عيد، وبإشراف فيصل دراج.
اتفقت أغلب المصادر حول النهضة على اعتبار أن جمال الدين الأفغاني هو الأول في الدعوة والتفكير بالصوت العالي، الداعي إلى استنهاض العالمين العربي والإسلامي مع أن بعض هذه المصادر يضع (رفاعة رافع الطهطاوي) أولا، ونحن نميل إلى الأفغاني لأنه تميز بلغة التمرّد والنبرة العالية، من دون أن تخلو من الدعوة إلى الحوار الرصين المشبع بالثقافة الفكرية، وحتى الفلسفية إذا شئنا تجاوز الأمور. 
ظهر جمال الدين شابّاً مملوءاً بالنشاط والحيوية كشباب اليوم وطاف البلدان، وفي باريس التقى بالشيخ محمد عبده وعقدت بينهما صداقة فكرية وروحية خصبة أثمرت إصدار مجلة دعيت بالعروة الوثقى، ومنها نشتمّ ونقرأ الدعوة واللهجة الحادة المتمردتين على واقع العالمين العربي الإسلامي الذي كان يئنّ من جرّاء التأخر والجهل والانحراف عن العقيدة الدينية القويمة.
أثارت آراؤه وصيحاته الثورية الإسلامية انتباه الغربيين حينذاك وكان الأفغاني يعتقد أن الحضارة الغربية (مادية) وعلى المسلمين أن يبتعدوا عنها في هذا الجانب، أو باصطلاحه هو: أنها حضارة دهريّة، وقد وضع كتاباً يرد فيه على الماديّين أو الدهريّين، والواقع أن الحضارة المذكورة في جانب منها تقرأ الفكر والحياة من وجهة نظر (مادية حسية)، ولكن لا يعني الأمر أنها مغمورة من أخمص القدم إلى قمة الرأس بالمادة لأنه لا وجود في التاريخ لحضارة ماديّة خالصة وأخرى روحية محضة، ذلك أن الحضارة وبمعنى ما (الثقافة) على حدّ تعبير بعض المفكرين الألمان تحمل في طيّاتها مختلف جوانب الروح والنفس والمادة والعقل والحس.. الخ. 
دخل الأفغاني في حوارات خصبة مع الفيلسوف الفرنسي (أرنست رينان) حول الإسلام والعلم حيث يزعم رينان أن الإسلام يتعارض مع العلم وزعم أيضاً أن ما يسمى بالفلسفة الإسلامية هي فلسفة يونانية كتبت بالعربية.
كانت الدعوة إلى وحدة العالمين العربي والاسلامي همّ الأفغاني الكبير رغم ما يخال هذه الدعوة من طوباوية وكان يميل إلى الاعتقاد بأن الصراع بين الدين والفلسفة أبدى وزبدة القول كان الرجل يدعو الى انقلاب في السياسة والاجتماع و تجديد الخطاب الديني وفتح باب الاجتهاد.قال فيه سعد زغلول في إحدى خطبه: لست أنا خالق النهضة ولا أقول ذلك ولا أدّعيه بل لا أتصوّره، إن نهضتكم قديمة وللسيّد جمال الدين الأفغاني أثر كبير فيها وهذا حق يجب ألا نكتمه لأنه لا يكتم الحق إلا الضعفاء، وقال فيه تلميذه النجيب الشيخ محمد عبده: للشيخ لسان في الجدل وحذق في صناعة الحجة لا يلحقه فيها أحد 
ولعمري هذا ما نريد الكشف عن هوّيته في قلب الخطاب النهضوي والأفغاني أحد رجاله أعني الطريقة العقلية في بناء مشروع النهضة مغمورة باللهجة الوجدانية (الحماس) والحيوية التي تمتع بها رجال النهضة وبغض النظر عن مضمون فكرهم النهضوي الذي تجاوزته الأيام والأزمان، إن ما هو مهم الاستنهاض والإصلاح فهي أمور دائمة وخالدة.
______
*الخليج الثقافي

شاهد أيضاً

نعوم تشومسكي : إنها فرصتنا لخلق عالم مختلف،أو لن يتحقق ذلك

ثقافات –  ترجمة  : سعيد بوخليط   تقديم : يتضمن هذا الحوار،وجهة نظر اللساني اللامع والفيلسوف …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *