الرئيسية / مقالات / في موضوع التأويل

في موضوع التأويل


*يوسف ضمرة


عندما قال جاك دريدا بلانهائية التأويل، لم يكن يعني أن في استطاعة المرء اختراع قراءة لا تمت إلى النص بصلة. فالتأويل قائم على ما ينطوي عليه النص من إشارات وعلامات.
ليس مهماً في هذا السياق الانحياز إلى تأويل دون الآخر، طالما كانت التأويلات مستنبطة من النص نفسه، أي إن هذه التأويلات أو القراءات كلها تمتلك من الصواب مقداراً معيناً قد يتفاوت من قراءة إلى أخرى، بناء على طريقة العرض ووسائل الربط والإقناع.
كتب محمود درويش ذات يوم: وتزوجت جميع الفتيات/ يا محمد/ وتزوجت الدوالي/ يا محمد. أتذكر أنني حين قرأتها أول مرة، قرأتها على النحو التالي: وتزوجت جميع الفتيات/ يا محمّاااااااااااااااااااااد! فزواج شخص من جميع الفتيات، أو زواجه من الدوالي، أمر يثير الدهشة. ولأنه كذلك، فقد خطرت على البال ردة الفعل الشعبية العفوية على أي إثارة أو دهشة أو أي شيء مستهجن وغريب، وهي هذه الـ: يا محمّاااااااااااااد!
قد لا يكون محمود درويش قصد ذلك، ولكن النص يحتمل هذه القراءة، انطلاقاً من حجم الغرابة فيه؛ فلا أحد في الواقع يتزوج جميع الفتيات، أو يتزوج الدوالي.
هذا مجرد مثال على التأويل المرتبط بالنص وعلاماته. ومن هذا المثال يمكن القول إننا لا نستطيع القول إن الشاعر كان يعني أن محمداً ذهب إلى السينما، أو تمنطق بحزام ناسف وفجر نفسه في مول تجاري فقتل أطفالاً ونساء في غمرة انتقائهم بعض الألعاب والملابس.
هل وضع محمود درويش علامة تعجب وراء هذه الكلمات؟ بالتأكيد. هل تعزز هذه العلامة من قراءتنا؟ نعم، لكنها ربما لا تكون حاسمة. حسنا ولا بأس، فدرويش يقول هذا الكلام وأكثر وهو يتحدث عن حفل زواج فلسطيني في الشتات، لشاب عاد من الحرب. لكن الطائرات كان لها رأي آخر، فقال درويش ما قال؛ قال: وتزوجت الياسمين/ يا محمد! وقضيت الليلة الأولى على قرميد حيفا/ يا محمد!
يقودنا السياق الدرامي بقوة إلى أن نقرأ «يا محمد» كما قرأناها، كعلامة استغراب ودهشة، لا يناسبها تعليق شعبي «نلاحظ أننا في عرس شعبي» أكثر من هذا التعبير الشعبي العفوي «يا محمااااااااااااااااااااااد!».
هنا، وانسجاماً مع هذه القراءة، فإن اختيار اسم «محمد» للعريس العائد من الحرب كي يتزوج، لم يكن عشوائياً، حيث كان في استطاعة الشاعر اختيار اسم آخر، وقول ما قاله. لكنه حينها سيقلل من قيمة الدهشة والاستغراب والتعجب لدى المتلقي. فالرجل الذي عاد من الحرب، عاد لكي يتزوج؛ أي إنه لم يكن لحظتها في جبهة القتال، وكان حينها يمارس«قدر المستطاع» شكلاً من أشكال الحياة الطبيعية في الشتات، كفلسطيني مشرد. لكن العدو لا يفرق في استهدافه بين مكان وآخر.. بين مناسبة وأخرى. فهو مستعد لقتل الفلسطيني سواء أكان الفلسطيني يحمل السلاح، أم كان يمد يديه للفتيات كي يقمن بممارسة طقوس الحناء الفلسطينية في ليلة العرس الفلسطيني. ففي قصيدة أخرى يقول درويش «هذا هو العرس الفلسطيني لا يصل الحبيب على الحبيب/ إلا شهيداً أو شريد».
ما نود قوله هو أن على الناقد أن ينتبه إلى كل ما يمكن اعتباره علامة أو إشارة، قد تخدم قراءته وتعززها، بما في ذلك علامات الترقيم. أما التأويل العام والسطحي فهو غالباً لا يتعدى حدود النص الخارجية، وهو الأكثر شيوعاً.. للأسف!
____
*الإمارات اليوم

شاهد أيضاً

مهرجان فاس للسينما و الفلسفة..دلوز و السينما

خاص – ثقافات *د.عزيز الحدادي بهذا العنوان نكون قد اكتشفنا قارة أخرى بواسطة مهرجان الأغورا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *