الرئيسية / إضاءات / حوار نادر على العشاء

حوار نادر على العشاء



*ترجمة – أحمد عثمان


بوكريز: ما هي الكتابة؟

بوروز: لا أعرف ان كان هناك تعريف محدد لها. (مكتوب – Mektoub) هكذا تكتب. سأل أحدهم جون جونيه عن اللحظة التي بدأ الكتابة فيها فأجاب: مع مولدي. يكتب الكاتب حسبما جملة تجاربه، تلك التي تبدأ مع لحظة الميلاد. والمسيرة تبدأ قبل أن يمسك الكاتب بقلمه أو ينحني على الآلة الكاتبة والورق.
سونتاغ: هل تكتب كل يوم؟
بوروز: أشعر بضيق وقتما لا أكتب. عذاب حقيقي. لقد سممتني الكتابة. وأنت؟
سونتاغ: أنا أيضا. اذا لم أكتب، لا أجد نفسي.
بوروز: نشعر بالراحة كلما كتبنا، كما أعتقد.
سونتاغ: دربت نفسي على إمكانية انتاج جزء من كتابتي بالقول في نفسي، بكل جدية، أنها لن تنشر. وهذا ما يتحقق في بعض الأحايين. يضع الناس المرساة في الأعلى، على الأقل لئلا تتحطم. مثلما جرى مع العجوز هيمنغواي الذي رحل تاركا صندوقا مكدسا بالمخطوطات.
الكتابة و.. آلَتُها
سونتاغ: هل تكتب على الآلة الكاتبة؟
بوروز: فقط. أكتب بصعوبة باليد. أتذكر أنه حينما كان سنكلير لويس يسأل عن ما يجب أن يفعله المرء لكي يكون كاتبا، كان يقول دوما: «تعلم الكتابة على الآلة الكاتبة».
ستيوارت ماير: أتذكر أنني صحوت ذات مرة في مخبأ بعد أن سمعت الآلة تطقطق كما الرعد. ذات مرة قال جيمس غرور هولز لي أن بيل حينما كان يصحو كل يوم، يتناول قهوته وقطعة من الحلوى ويجلس أمام آلته.
بوروز: لست في مخبأ، كما تعرف. أنا مهتم على وجه الخصوص بسؤال الحياة – عبر المؤامرة الجديدة، المجرمين الجدد، والشرطة الجديدة. الميثولوجيا ممكنة في التاريخ المكاني، حيثما يوجد الأخيار والأشرار الذين يمتلكون مآرب شتى تجاه هذا الكوكب. أشعر بأن مستقبل الكتابة يكمن في المكان، وليس في الزمن.
سونتاغ: هذا الكتاب (مدن الليل القرمزي) الذي يحتوي على 720 صفحة، هل كتبته دفعة واحدة؟ لا أسألك ان كنت أجريت عليه بعض التصويبات. هل منهجك في الكتابة يتمثل في الكتابة دفعة واحدة ثم تقوم بالتصويب أو تكتبه فقرة فقرة؟
بوروز: لجأت الى أكثر من منهج. كان بعضها سيئاً. في هذا الكتاب، سعيت الى التقدم وكتابة مئات الصفحات دفعة واحدة ثم أعكف بعدها على التصويب. على وجه العموم، أكتب مراحل من عشر صفحات. أروي فصلا، وأرجع اليه مرتين أو ثلاث، أعدله بالطريقة التي تناسبني ثم أنتهي منه وأتابع ما أنا بصدده لأنني اذا تركته بأخطائه، يصبني الشعور بالاشمئزاز من كثرة ما كتبت. وهكذا، أعرف متى أتوقف، الرجوع الى الخلف والتصويب. لا يوجد كاتب جدير بالخبز الذي يأكله ان لم يختبر كل صور الوقفات.
بوكريز: كم من الوقت أمضيته في كتابة كتابك عن السرطان (1)؟
سونتاغ: كان الأمر سهلا وسريعا. كل شيء صعب بالنسبة لي، ولكن (هذا الكتاب) كان سهلا. كنت ملهمة. حينما تكون متأثرا – كليا – بموضوع معين وتفكر فيه طوال الوقت، تأتي الكتابة، وهذا ما يجري أيضا حينما تكون غاضبا. الانفعالات المثلى التي تدفع المرء للكتابة هي الغضب، الخوف أو الرعب. اذا اختبرت عواطف كتلك، سوف تعمل بلا أي مجهود.
الكتابة و.. الحب
جيرارد مالانغا: أعتقد أن الحب يحتل المرتبة الثالثة.
سونتاغ: الحب يأتي في المرتبة الثالثة. العاطفة الأقل تحريضا للكتابة هي الاعجاب. من الصعب الكتابة تحت تأثير الاعجاب لأن العاطفة الأساسية التي ترافقه هي الدعابة السلبية والتأملية. أنها عاطفة قوية للغاية، ولكنها لا تمنحك الكثير من الطاقة. تجعلك مستسلما. إذا استعملتها لأجل الكتابة، سوف يجتاحك فتور غريب وسوف يعارك الطاقة العدوانية التي تحتاجها في الكتابة، بينما الكتابة تحت سطوة الغضب، الرعب أو الخوف أفضل بكثير.
بوكريز: وليام، ألم تكتب شيئاً ما من قبل من خلال الاعجاب؟
بوروز: أجهل ما تعنيه هذه الكلمة، أرى أنها عاطفة تافهة.
سونتاغ: بيل، لنفترض أنك وافقت – وهو ربما ما لا يمكنك تبنّيه – على الكتابة عن بيكيت (صمويل). أحدهم أقترح عليك هذا الأمر وأجبته بنعم.
أحب أن أعبر عن وجهة نظري عن بيكيت لا سيما أن شعوري تجاهه ايجابي على وجه الخصوص. أرى أنه من الصعب أن تصل الى شيء ما بطريقة مرضية.
بوروز: ليس لدي أي رأي عن هذا الموضوع.
سونتاغ: سألني فيكتور (بوكريز) كم من الوقت لزمني لكي أنتهي من كتابي الصغير عن المرض. كتبته في أسبوعين لأنني كنت في حالة من الغضب والحنق تجاه عدم كفاءة الأطباء والجهل، صور الخداع والغباء الذي يؤدي الى موت الناس، وهذا ما حرضني. في نفس الوقت، انتهيت من كتابة دراسة عن موضوع أعشقه، عن فيلم لـ سيبربرغ يمتد الى سبع ساعات عن هتلر. ومكثت شهورا في كتابته.
بوروز: أرى نفس ما تقولينه، ولكن هذا لا يتوافق مع تجربتي.
سونتاغ: أعتقد أنك تكتب حصرا تحت ضغط التوبيخ أو الاعتراض، اذا صح القول.
بوروز: جزء كبير من كتابتي، والتي أتماهى معها الى حد كبير، غير مكتوب دوما تحت تأثير الاعتراض، بأي صورة من الصور، بل كان خطابات شعرية، شكوى انسانية حزينة مستمرة، يا عزيزتي، تصريحات شعرية بحصر المعنى. اذا لهوت نوعا ما بالرقابة مع د. شيفر، صبي الجراحة الفصية، يقول الناس عني: هذا السلمي الغامض المضطهد مهووس برفض التكنولوجيا. يا للأغبياء! أسخر فقط، هو ذا كل شيء. مللت هذه الصورة الثقيلة التي تلتصق بي. حينما أقوم بدعابة بسيطة أحدهم يصيح:»يا الهي، يرفض كل شيء !. يقوم النقاد بعرض صورة سلبية عني، ولكن دراسات (لايت ريدنغ فور لايت دايز) تجعلني شبيها بعجوز من القرن التاسع عشر الذي يرى أن (السكر البني) حلَّ كل المشاكل ويمارس شيئاً يدعى (تنفس الدماغ). تعرفين، يعتقد (بصندوق الأورغون) لرايش (3). أعتقد أن نهاية كل حضارة تحيا على موت آخر غريبي الأطوار فيها. كان المشهد الانجليزي غريب الأطوار خصبا بصورة استثنائية. كانوا (الانجليز) تنابلة. رجل يميل الى فراشه الذي سيموت عليه مشلولا، وآخر يكتفي بالتجول في محيطه ويحيا الكسل بأن يأكل الفاكهة من دون أن يقطفها، وهكذا ترين الى أن قطفها يتطلب شيئاً من التعب. نعم، كان غريبو الأطوار الانجليز ينتمون إلى عرق فريد.
سونتاغ: هناك غريبو الأطوار ينتمون إلى الجنوب.
بوروز: يا إلهي، نعم، يعيشون في بلادهم المتفسخة، يراقبهم عبيدهم.
جرى هذا الحوار في منزل فيكتور بوكريز، في نيويورك عام 1980، وضم: وليام بوروز، سوزان سونتاغ، ستيوارت ماير وجيرارد مالانغا. وهو ينطوي على جملة استشرافات لمعنى الكتابة ومحاولة لعبور سهوبها الشاسعة وأمدائها الرحيبة.. لكنه في الوقت نفسه يكرّس ما يعرفه كل مبدع وقارئ عن غموضها، ذلك الغموض الذي لا ينكشف إلا ليدخل في حالة لغزيّة عالية… هنا ترجمة لهذا الحوار الشيّق.
شيء عن سونتاغ
سوزان سونتاغ (1933-2004)، ناقدة أميركية شهيرة.
من كتبها: النتاج يتكلم (1966)، الفوتوغرافيا (1977)، المرض كاستعارة (1978)، الكتابة نفسها: عن رولان بارت (1982)، في أميركا (2000). لها عدد من الروايات منها: ملاذ أخير (1967) و رحلة الى هانوي (1969).
شيء عن بوروز
وليام بوروز (1914-1997)، شاعر وروائي أميركي شهير، ينتمي إلى جيل البيت Beat Generation. عرف بكتاباته في ما بعد الحداثة. كتب بوروز 18 رواية، أشهرها «الغداء العاري» عام 1959 وتعرض للمحاكمة بسبب الرواية التي وصفت بالإباحية. يعد بوروز من أكثر الكتاب الأميركيين تأثيراً في القرن العشرين.
من أعماله: الماكينة الناعمة (رواية)، ثلاثية الليلة الحمراء (ثلاث روايات: مدن الليلة الحمراء، مكان الشوارع الميتة، الأراضي الغربية).
6 كتب أيضاً القصة القصيرة وأصدر 6 مجاميع قصصية، كما له عدد من القصائد.
________
*الاتحاد

شاهد أيضاً

فصول من كتاب “الثقافة” للكاتب والمنظّر الأدبي البريطاني تيري إيغلتون(4)

*ترجمة وتقديم :  لطفيّة الدليمي      ظلّت مفردة ( الثقافة ) واحدة من أكثر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *