الرئيسية / مقالات / معجزة الجسد

معجزة الجسد


*عباس بيضون

الجسد ماكينة، نفرح بها إذ تسير، السير معجزة. نفرح بها إذ تفكر، التفكير أيضاً معجزة. نفرح بها إذ تأكل، الطعام معجزة، نفرح بها إذ تشتهي وإذ تستثار، هنا لا يقل الأمر عن معجزة. النوم وأحلامه معجزة أخرى. الجسد آلة عجيبة، مركز عجائب بالقياس إلى شجرة لكن للشجرة أيضاً عجيبتها، عجائب بالقياس إلى حيوان لكن للحيوان عجائبه. لكل حصته من العجيب، حصته من المعجز. لكن الإنسان يتألم، الجسد يتألم، إنه يكافح طول وجوده ضد أعداء خفيين، إنه معجزة لكن هشة، عجيبة لكن تنقلب على نفسها. يبتكر من الداخل أمراضه، الأمراض أيضاً عجيبة، إنها خوارق لكن سلبية، أن لا نسير معجزة بقدر أن نسير، أن لا نفكر معجزة بقدر أن نفكر، إنها معجزات مقلوبة. الجسد يستطيع أن يتألم، ستكون هذه أيضاً من عجائبه، لكن المرء لا يفرح بالألم ولا يفرح بالأرق ولا يفرح بالعجز. ليس الجسد لاهياً فحسب، إنه لا يلعب فقط، له تحفظاته ومراجعاته وقلقه واضطراباته، في لحظة يستحيل ضد نفسه، في لحظة يتوقف الدم ويتوقف الفكر ويتوقف النوم، إنها أيضاً عجائب لكن لا تتحف ولا ترضي. عجائب ضدية، يظل الجسد عجيباً حتى حين تقتله عجائبه، يظل معجزة حتى حين يقترف معجزته الأخيرة.

الجسد هو كل ما نملكه، يمكننا أن نحلق فوقه، يمكننا أن نفتح فيه مكتباً للروح، يمكننا أن نكوّن أفكاراً أثيرية. يمكننا أن نخترع أشباحاً وأطيافاً، يمكننا أن نرى أحلاماً وأن ننتقل ونحن في رقادنا إلى بلاد أخرى، وأن نركّب مخلوقات من صنعنا. يمكننا أن نطير وأن نخرج بأجنحة وأن نخاطب من هنا أرواحاً. ذلك ما يمكننا أن نفعله، ما نستطيعه، لكن دائماً وباستمرار ضمن هذه العلبة التي هي كل تراثنا، التي هي كل ما لنا. هذه الآلة السحرية التي من ضمن ما تصنعه الحياة، الحياة مقابل الدم، الحياة مقابل الفكر، الحياة مقابل الجسد، ونبقى عاجزين عن أن نعرف ما هي الحياة، لغز من جملة ألغاز تصاحب وجودنا، ألغاز في أساس وجودنا، لكن بالطبع نبقى ألغازاً بالنسبة إلى أنفسنا، نبقى أسراراً وآتين من أسرار وماضين إلى أسرار. الأديان تحتفل بالأسرار وتتعبد لها، كم نحن صغار إذ تفترسنا الأسرار، كم نحن أطفال إذ تلعب بنا الأسرار، إذ نملك فكراً عملاقاً لا يفكك مجهول نملة، بصيرة جبارة لا ترى أمامها، عقلاً هائلاً لا يعرف أن يتعاطى مع قطرة دم. علبتنا هذا الجسد، ارتضيناه كما هو وعشناه بشروطه. لا نعرف متى نكسر هذا العهد، متى نتوقف عن أن ننتج الحياة، متى نتوقف عن أن تنتجنا، متى يولّي السر من دون أن يترك إشارة، من دون أن يترك شيفرة.
الجسد علبتنا، هنا نقيم وهنا نعيش وهنا نفكر وهنا نحلم وهنا نستدعي الأرواح وهنا نحلّق وهنا نصعد إلى السماء وهنا ننزل دركات الجحيم. هنا نظامنا الذي ورثنا، ماكينتنا التي منحت لنا، جهازنا الداخلي والخارجي، علبتنا بالضبط، لا شيء قبل ولا شيء بعد. لقد أعطينا هذه الآلة التي تقيس الريح والعاصفة والشتاء والصيف. أعطينا هذا الجهاز الذي يتكيف داخل العالم الوحشي، أعطينا منظومة رائعة وسحرية لكنها تجهل مثلنا السر الذي يفترض أنه فيها وأنها تحمله جيلاً بعد جيل. المعرفة أمامنا لكننا لا نقدر على فكها، هي تقريباً مفكوكة لكننا لا نستطيع قراءتها. الجسد يوالي عجائبه، أن نتنفس، أن نخفق، أن نتمثل، أن نحرق وينحرق ما تفحم. كل هذه عجائب لكن لن نصغي إلى آلة الجسد الداخلية فحسب، هناك معجزة كل دقيقة وكل ثانية، معجزة لا تقدر على أن تلحق بها، لا نملك أن نتفحصها، في الداخل الحياة تدور، لكن ما هي الحياة، سرّنا الأكبر الذي لا نطيق احتماله طويلاً، الكون يدور فينا وهذا عبء لا نستطيع أن نحمله على عاتقنا طويلاً.
هناك مباهج أكثر من آلية، مباهج ليست دوافع آلية. نجوع فنأكل ونشتهي فنحب ونفعل الحب، نرى فنتحف بما نراه، نمشي فنحمل جسدنا إلى حيث نريد، ودائماً نفكر. نفكر لأسباب آلية وغير آلية، نفكر بالطعام ونفكر بالحب ونفكر بما نراه ونفكر بالأفكار نفسها، نفكر في سر العالم ونفكر في الله ونفكر بما فوق العالم وبما فوق الإنسان. نفكر بهذا الجسد الذي نجره أحياناً كالعود وينقلب أحياناً علينا، لكنه يظل يفكر، ولا يتوقف عن التفكير «أنا أفكر إذن أنا موجود» وبالسياق نفسه «أنا أفكر إذن أنا حي»، «أنا أفكر إذن أنا أحب»، «أنا أفكر إذن أنا أحس»، «أنا أفكر إذن أنا أشتهي» هذه المعادلات ليست بحت ذهنية، إنها تمر في أجسادنا، وأجساد مركزها وأجسادنا مصدرها، أجسادنا موطنها ومرجعها وأجسادنا محل تجاربها واختباراتها، وأجسادنا نعيشها كأسرار وتحولها إلى أسرار ونغنيها وننشدها كأسرار. ماذا تحوي حبة كرز، ماذا تحوي شجره وماذا يقول الجبل وماذا يفصح الوادي. ماذا يقول اديم امرأة وماذا يبوح نهدها ولفة عنقها واستدارة ركبتها. كل هذا يحتاج إلى إصغاء، إلى استدعاء من بعيد ومن قريب. كل هذا تجارب يبدو فيها كل إنسان نفسه، يعيشها كل إنسان كما هو. تدخل في التجربة عاطفته وخياله، كما يدخل فيها فكره وحواسه. كذلك تدخل لغته وحساسيته وبالطبع هناك الجسد، ولا شيء سوى الجسد، وحده يستقبل هذه الإشعاعات، ووحده يعيد بثها. ووحده ينظمها ويعيد تأليفها.
تجربة الجسد ليست بعيدة عن الفكر ولا بعيدة عن الروح. باللغة، باللون، باللحن نحاول أن نستبقي الخميرة الأولى، الإحساس البكر، الاستقبال الأول، الاختبار الأول، نحاول ان نحول كل هذه إلى شيء يشبه الجسد أو يطابقه. ليس المقصود بالجسد هنا الجنس وحده والرياضة وحدها، ما دام الألم أيضاً جسدياً ما دام القلق والحيرة أيضا جسديين، ما دامت الفكرة تؤلم وتفرح، ما دامت الفكرة محسوسة معيشة. من ذلك يمكن أن نجد ما يشبه الإحساس الجسدي لكل قول ولكل فكرة ولكل اختبار. المبدعون هم دائماً في أجسادهم وهم يحاولون باللون والوتر والكلمة أن يستعيدوا، بطرقهم الخاصة وبأساليبهم، هذه الاختبارات التي لا محل لها إلا في الجسد. ولا معيار لها إلا الإحساس الجسدي.
يمكننا أن نعتبر مديحاً القول إن في قطعة فنية، سواء كانت أدبية أو تشكيلية أو إيقاعية، ان فيها ما يشبه الأثر الجسدي، لعلنا لا نبتعد إذا قلنا إن هذا قد يكون معياراً. معياراً لقياس قيمة الفن. الجسدي المعادة صياغته، الجسدي المتخلف في لوحة أو في لحن أو في قطعة أدبية. الجسدي النابض بالغريزة وبالرغبة وبالحب وبالردود الجسدية، قد يكون هو عصارة الفن، قد يكون هو خميرته وعصبه.
التجربة الجسدية في الفن والإبداع، هل تقتضي حياة جسدية؟ لا نستطيع أن نجزم فنحن نحاذر من الربط المباشر بين الفن والحياة، مع ذلك نجد عند كبار المبدعين هذا الاستنزاف الحياتي في الفن، بل لا يفاجئنا أن نعلم أنه في أحيان كثيرة استنزاف انتحاري. الأسماء بالطبع كثيرة، إذا شئنا أن نتوقف عند الشعر العربي فهناك المتنبي وأبو نواس. قد يفاجئ ذكر المتنبي لمن يجدون الجنس وحده مرادفاً للجسد ولم يعرف عن المتنبي أنه كان غارقاً في الجنس شأن أبي نواس. المتنبي الذي هو شاعر صراع درامي ينقل إلينا إحساساً جسدياً بالصراع الذي هو غالباً داخلي، إنه صراع تراجيدي قوامه تدمير الذات وانهيارها تحت قطبيها المتقاتلين، أما أبو نواس فهو نوع من الفناء في اللذة، هو نوع من إعلاء الرغبة الوالهة الشغوف إلى درجة الروح، أبو نواس يعطي لهذا الشبق، ليس فقط صورته الحسية الظاهرة ولكن أيضاً زخمه الجسدي الذي يضيء المخيلة ويسمو بها. هل يمكن أن يبدع شخص يهمل جسده ومع جسده رغباته. هذا سؤال إشكالي فليس الإبداع مسألة صحية وثمة مبدعون كبار كانوا قادرين على أن يعيشوا بالجسد ما لم يكونوا يعيشونه في أجسادهم. الحس الجسدي لا يحتاج بالطبع، أو ليس مشروطاً، بعناية بالجسد أو بجماله.
_____
*السفير

شاهد أيضاً

غادة-السمّان-1-1

لذة لم يذقها رجل!

*غادة السمان قبل أربعة أيام مر عيد الأم العربية ومعه أشعر دائماً بالرغبة في كلمات …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *