الرئيسية / مقالات / حين يُعاقب المكان

حين يُعاقب المكان


*سعيد قاسم

خاص- ( ثقافات )

في البدء كان المكان وكانت أسئلة الوجود الأولى وكانت الأسئلة التي بحث الشاعر الجاهلي عنها في الأثر، الأسئلة التي جعلت الأطلال تتحدث عمّن مروا و تركوا دفء أفئدتهم بواعث لينبثق الشعر ليس من العدمية و إنما ليتأطر في الكلمات و توثق الحالة العاطفية و الانسانية، قبل الانطلاق إلى الترحال الشعري مصطحبا معه انفعالات المكان في رحلته ليس بوصفه شاهدا على عنصري الحياة و الموت وإنما بكونه المسرح الأزلي للصراع بينهما. 
ثمة مفارقة بين الرحلة الشعرية للشاعر الجاهلي الذي أبقى على جسده محتضناُ الأثر ثم توجّه ليعبر الأمكنة التي مرت بها محبوبته و بين الرحلة الروحية للاجئ السوري الذي رحل بجسده و ترك روحه مقيدا بأثير الأمكنة التي احتضنها ذات عبور أو سكون ولكن التقاطع هو الاستفزاز الذي يجد الإنسان إنه بحاجة لإيجاد تفسيرات له عندما يصطدم بعلاقة جديدة مع المكان. 
في المشهد السوري المتخم بالأثر و الترحال تعود الذاكرة بي إلى رحلة الباص ” البولمان ” حيث الانفعالات تتلوّن و تتواتر في رحلة العبور من القامشلي الى اللاذقية، الرحلة من الصحراء الى البحر تتدرج بخضار يكبر مع انفعال المسافة و كأن الأشجار في سعي لإخفاء الأثر، حينئذ كان الباص لا يترك مكانا إلا و يُربت على انفعاله وكأنه عابر سلام وكانت المسافة تموت في القلوب قبل أن تلتئم في إغماض عينيّ المسافرتين في جسد الأمكنة التي عبرتها، الأمكنة التي نسج الموت فيها فيما بعد فصول مسرحية تنوعت مشاهدها بتلون الأمكنة وقدرة كل منها على الاحتفاظ بالأثر وتحفيزه بالأسئلة. 
ربّما هو التفنن بأساليب الموت أن يقدم تنظيم الدولة الإسلامية “داعش “على اقتياد مجموعة من الشبان السوريين إلى إحدى مسارح مدينة تدمر الأثرية و يقوم بإعدامهم ثم ينشر بعد ذلك صور الموت، ما من أحدٍ سيتخيل دموع أمهاتهم وإنما المكان هنا هو الذي يخطف الأضواء وكأن الموت بحد ذاته يصبح فعلا اعتياديا وإنما المفارقة هي طريقة عرضه وفي مكان أبعد من توقع فعل القتل فيه. 
الشبان الذين قتلوا في ريعان شبابهم لم يعايشوا زمن الصمت، الزمن الذي تلازم فيه تسمية تدمر بالسجن الأكثر شهرة في سوريا من حيث أساليب التعذيب والبقاء على قيد المجهول و لم يدركوا أن تدمر جزء من ملامحهم كسوريين كانوا في زمن ما بناة حضارة ربما المشهد الذي وجدوا أنفسهم عليه فقط يذكرهم بما شاهدوه من أفلام هوليودية عالجت التاريخ الروماني فتماهوا في المشهد و كأنهم على قناعة بأن ما يُفعل بهم هو تصوير للمشاهد الأخيرة و أنهم سيعودون إلى أحضان أمهاتهم حال انتهاء المخرج من تصوير المشهد الأخير . 
ولكن لماذا تبقى المدينة الأثرية التي تشكل جزءا من التراث الإنساني رمزا للموت يبقى السؤال عالقا في المشهد وتبقى حجارة مدرجات المسرح في المدينة الأثرية شاهدا على الزمن الذي يصفع فيه الموت كل ثقافة و كل تاريخ . 
المفارقة الأكثر ذخرا بالأسئلة هي في تفضيل القاتل المكان الذاخرة بالتاريخ عن الأمكنة اليافعة بالذاكرة فكل مكان له جزاء ما يحمله من حياة لهذا يبدو الارتياب من الأمكنة حالة عامة لما يمكن أن يحمله ذاك المكان من عقاب سواء كان يافعا أو عجوزا. 
“وحين تعبر الشارع تذكر ألا تصبغ عليه ابتسامة قلبك، لا توزع ابتساماتك على من تعبرهم لأنهم قد يعبرونك في الارتحال عن الأمكنة وربما ترحل الأمكنة معهم فالأمكنة كالجدّات ترحلن قبل أن نعي ما افتقدناه ، تتعبهنّ ذكرياتنا البريئة حين يغدونَ أثرا “.
بين هذا المشهد اليافع ومشهد تدمر العجوز ليس المكان خلفية لالتقاط صور الموت من الذاكرة وليس الجسد الذي يبقى بارتحال الأرواح عنه وإنما المكان هو روح الباعثين منه يرحل معهم ويسافر في أسئلتهم الأولى و الأخيرة ولكن ليس في تدمر حيث المكان العجوز الذي آثر البقاء في البلاد فطرق الموت أبواب حيواته بأنياب سوداء كثيرة.
المكان عجوز لا ينتظر انتهاء العدة، شيخ يمضي في أثر زوجته الراحلة, لذلك تكون الأمكنة وفيّة حتى في ذاكرة الراحل الذي حين يستعيد خياله مشاهد الأمكنة (الحديقة، حضن الأم والساحة أو الزقاق حيث يلعب مع أصدقائه، باحة المدرسة، المعلمة التي يحبها و المعلم الذي يكرهه) لن يصل بذاكرته الى المنزل لأن الأمكنة في الذاكرة منفصلة عن بعضها البعض، الأمكنة لا توصل الذكريات ببعضها البعض لأنها تموت حين تنفصل الذاكرة سيما إذا كان المكان معاقبا بالموت سيما إذا كان المكان تدمر. 
______
*كاتب سوري 

شاهد أيضاً

المصابيح الزرق انطفأتْ من زمان

*خليل النعيمي كنا صغاراً، وكانت «الحسَكَة» كبيرة. كبيرة جداً علينا. كنا ثلاثة: هشام وعوّاد وأنا. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *