سعادة


ستفانو بيني

كم أحب أن أعرف كيف يقيس الإحصائيون وعلماء الاجتماع وعلماء النفس مفهوم السعادة على نحو يسمح لهم بصياغة تصنيفات تُخصّ السعادة. ففي كل حين تظهر على أغلفة بعض المجلات عناوين من قبيل: «أسعد بلد» «أسعد شعب». بل أيضاً «أسعد مهنة»، و«أسعد حيوان»، وربما «أسعد وسيلة للموت»! 
أعترف أن هذه التبسيطات تزعجني. فالسعادة أثمن وأبعد منالاً وأعصى على الوصف، بحيث إن حبسها داخل هذه العلب، التي تزعم أنها علمية، وهي في الحقيقة زائفة، يضايقني.. نحن نعلم، أو نعتقد أننا نعلم، آليات المخ في حالة الاكتئاب. ونبتكر كل عام الأدوية وعجائب الكيمياء التي من المفروض أنها تعمل على تحسين مزاجنا. ولكن الحزن والألم غالباً ما يستعصيان، وحبوب السعادة ليست موجودة بعد. كيف نتصوّر أننا نستطيع حبس هذا اللغز في أرقام وإحصائيات؟
ولكن لنحاول نحن أيضاً أن نلعب اللعبة نفسها ونتخيّل المناهج نفسها التي تسعى لتعريف شعب أو جماعة عرقية أو بلد بأنه «الأسعد».
من البديهي أن نعتبر، وفقاً لهذه المناهج، أن الشعب الذي يعيش في سلام هو شعب أسعد من الشعب الذي يعيش في حالة حرب. الحرب فظيعة ومجرد التفكير في عدم اضطرارنا لخوضها يريحنا. 
ولكن اثناء الحرب هناك لحظات من التضامن والحيوية والشجاعة، وأكثر مدنية منها عسكرية. 
فمثلاً نحن في إيطاليا نعيش في سلام نسبي منذ نحو ستين عاماً. ولكننا لا زلنا نشكو من أننا لسنا راضين. ولدينا المافيا والكامورا، وهي عصابات جريمة منظمة تشن الحرب على مَنْ لا يطيعها. وأحياناً ما يقف أحد السياسيين يرغد ويزبد ويدعو إلى حمل السلاح والقصف والتطهير. فهناك سياسيون يرتدون زياً عسكرياً أتعس وأشرس من العسكريين أنفسهم. 
فكيف يمكننا قياس السعادة؟ هل نقيسها بمفهوم الرفاه؟ بالمال؟ ليس كافياً على ما يبدو، فلدينا أمثلة على أولئك الذين يملكون المال في الغرب وليس عندهم إلا حلم واحد فقط : مزيد من المال. ومن أجل ذلك فهو مستعد لعمل أي شيء، ويعيش في قلق، وفي سخط. الجوع والفقر ليسا بالتأكيد من أصدقاء السعادة. لكن الثروة أيضاً ليست كافية لضمانها. وإذا كان صحيحاً أن الفجوة بين الأغنياء والفقراء آخذة في الاتساع، فهل هذا يعني أن السعادة هي الشيء الذي علينا أن نبحث عنه متجاهلين معاناة الآخرين؟
هل نريد أن نزعم أن شعباً يصبح سعيداً لأنه «يحب»؟.. في بحث نشر مؤخراً حول الشعب «الذي يحب أكثر»، جئنا نحن الإيطاليين في المرتبة العشرين. ولكن كيف قاسوا العاطفة الجماعية، أو شدّة العواطف الفردية؟ هل تجولوا بين الناس ومعهم ميزان حرارة لقياس درجات الحرارة والحمى لدى الأحباء؟ حب الأبناء، الأم، أو الزوجين أو العشاق؟ هل تشجيع فريقك الكروي يُعدّ من الحب؟ يبدو ذلك، نظراً لشدّته وتجاوزاته. الحب الطبيعي هل يساوي أكثر من الحب المثلي في نظر اليمين المتخلّف الذي يحكم بلدنا اليوم وهو في الحقيقة ينتمي إلى العصور الوسطى؟ 
هل نقول إن البلد الذي يضحك هو بلد سعيد؟ حسب الظروف. فهناك ضحكات عنصرية غبية، وقهقهة بعد أن تنتهي لا تترك شيئاً سوى اللامبالاة. فالضحك هو موقف للنفس ينطوي على حالة من الجمال والخفة وليس عن حالة من السخرية الغبية أو المبالغة البغيضة. وإيطاليا بلد يستهلك الكثير من الفكاهة ولكن لم يعد لديه حس فكاهي شخصي. وتليفزيوناتنا لا تظهر السعادة إلا في الإعلانات التجارية.
والدين؟ الأديان تؤدي إلى الراحة والغفران والعون. وهي أيضاً تنطوي على محرمات ومخاوف وتهديدات. والتعصب ليس له علاقة بالسعادة، لأنه يُقصي الآخر ويستبعده، أو أنه يُحيل كل لحظة سعيدة بعيداً عن العالم الواقعي. المُتعصّب يحسد ويكره ولا يفهم معنى الفرحة، سواء الخفيفة أم العميقة. وهو يريد أن يخفيها ويبعدها عنه وعنّا. 
ما العمل إذن؟ لا نقيس السعادة ولا نحبسها في علبة. لنقبل السعادة النادرة باعتبارها لغزاً، ونتلقاها بدهشة وامتنان. مع محاولة الإيمان بأنها ليست رقماً، ليست حالة كيميائية، ليست مورداً يُباع مثل البترول. وعندما تصل إلينا لابد أن نحمد، وعندما تغادر نستأنف البحث عنها، مع علمنا أننا لابد أن يقلّ دائماً إنتاجنا لها. ولا ينبغي بتاتاً أن نحسد الآخرين على سعادتهم، ولا حتى الأعداء. هذا صعب للغاية، وأنا أعلم.
وختاماً: إذا اقترب باحث أو عالم من بعض الجامعات الكبيرة منك وفي يده بطاقة، أو نموذج أو جهاز يكشف عن الاندورفين، ويريد أن «يفحصك» ويسألك: «هل أنت سعيد؟». فأجب.
لا أعرف. ولكنني سوف أكون سعيداً بالتأكيد إذا ابتعدت عن طريقي. 
هل هذا سلوك قبيح؟ هل هو مُنفِّر؟ لا. 
إن السعادة هي الشيء الذي لا يستطيع حتى العباقرة أن يفهموه بسهولة. وربما تفهمونها أنتم أفضل من ألف عَالِم.
____
*الدوحة

شاهد أيضاً

هل تُصبحُ الفلسفة مصدرا للطمأنينة؟

*كه يلان محمد صناعة الأسئلة هي وظيفة الفلسفة بامتياز، وينشأُ المشروع الفلسفي من بذور السؤال …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *