الرئيسية / فكر / ثقافة التكفير والحاجة إلى التفكير ـ تأمّلات

ثقافة التكفير والحاجة إلى التفكير ـ تأمّلات



*علي بن مبارك

إنّ المتتبّع لمسيرة الفكر الإسلامي منذ النشأة إلى اليوم يلاحظ أنّه تقدّم بطريقة معكوسة تدعو إلى الاستغراب والحيرة، فكلّما تقدّم المسلمون في الزمن أغلقوا باب الاجتهاد وطوّقوا الفكر بأسوار متينة من النصوص الحافة التي كانت في البدء اجتهادات الفقهاء والأصوليين والمفسرين، ثمّ استحالت عبر الأجيال نصوصاً قطعية لا تقبل الشكّ أو المخالفة. وبقدر ما نجد القدامى صحابة وتابعين يجتنبون قذف المسلمين وربّما غيرهم بألقاب تمسّ من كرامتهم ودينهم وإنسانيتهم، وبقدر ما نجدهم يخشون التحريم والتبديع ويرون أنّ الأصل في الأشياء الإباحة، نجد المتأخرين في عصور التقليد والانحطاط يبالغون في التحريم ويتفننّون في “تصنيف البدع والحوادث”، ويستسهلون تكفير المخالف والزجّ به في جهنّم، فضيّقوا بذلك من رحمة الله وغيّروا من سنّته في الخلق القائمة على التنوّع والتعدّد والاختلاف.

انزاح بعض المسلمين بمعاني الكفر فضيّقوا من دلالاتها بعد أن كانت رحبة، وحدّوا منها بعد أن كانت متعّددة ومختلفة السياقات، ثمّ انتقلوا من مرحلة الانزياح إلى مرحلة أخرى فجّروا فيها المعاني المتعلّقة بالكفر وولّدوها وبحثوا عمّا يماثلها ويقوم مقامها زمن المطارحات والمناظرات والمجادلات، ممّا نتج عنه تضخّم في اصطلاحات الإقصاء ونفي الآخر، وتطوّر هذا التضخّم لاحقاً إلى تورّم خطير أضرّ بالبلاد والعباد، وجعل المسلمين يعيشون في خوف ورعب لا يكاد يبرح دائرة مغلقة من الإقصاء والإقصاء المضاد. وهذا الخوف نلحظه بجلاء في عصرنا، إذ أصبح المسلم لا يأمن على دمه ولا يدري متى يصيبه سهم التكفير وممّن وبأيّة حجّة.
والأخطر من ذلك أنّ البعض نصّبوا أنفسهم أوصياء على الدّين وتعاليمه، فانتقلوا بثقافة الإسلام من ثقافة “الإنكار” بمعروف إلى ثقافة المعاقبة ومحاسبة الخلق على ما أظهروه وما أبطنوه، وكأنهم ألغوا مبدأ “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” ليؤسّسوا نمطاً جديداً من التواصل يقوم على إقامة الحدود والتنكيل والانتقام، فأصبح كلّ شخص يقيم الحدود كيفما شاء ومتى شاء، وهذا السلوك كان دافعاً وراء توتّر العلاقات بين المسلمين حتّى في إطار المذهب الواحد. ولنا أنّ ننبه إلى أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لم يكن في صدر الإسلام غير تقديم المشورة للآخرين ومساعدتهم على تجاوز أخطائهم وأزماتهم. لذلك اقترن الأمر بالمعروف في القرآن بالصّبر[1] بما هو طول نَفَس وعمق رؤية وتجنّب للعجلة في تغيير الآخرين وإخراجهم من “جاهليتهم”. و”إذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه وأبغض إلى الله ورسوله فإنّه لا يسوغ إنكاره وإن كان الله يبغضه ويمقت أهله”[2]، وعلى هذا الأساس اقترح صلاح الصاوي شروطاً لإنكار المنكر، تتمثّل في “تجنب الإنكار في المسائل الاجتهادية” و”اعتبار المآل والتحقق في غلبة المصلحة” و”مشروعية الترخص عند الخوف من الأذى”[3].
لعلّ من أهمّ مظاهر حالة التضخّم والتورّم ما تزخر به معاجم العربية وموسوعاتها من مصطلحات تكاد تتطابق أحياناً في مادتها المعرفية، وتصبّ جميعها في مصبّ تكفير المخالف ومعاملته معاملة الخارج من الملّة المحروم من رحمة الله وحلمه، ومن بين هذه الألفاظ يمكن أن نذكر: الكافر، الفاسق، العاصي، المنافق، مرتكب الكبيرة، الملحد، الزنديق، الزائغ، المرتدّ، الجاهليّ، المبتدع، الضال، الجاحد، المشرك، وغيرها من المصطلحات التي صنعها متخيّل صانعي خطاب “الكفر والإيمان” ثمّ تمّ تسويقها باعتبارها حقائق لا تقبل الشكّ أو المراجعة…. ولقد تعمّق بعض القدامى في دلالة كلّ اسم من هذه الأسماء ووضعوا الأحكام المناسبة له وما ينتج عنها من تداعيات[4] اجتماعية وتشريعية تقوم أساساً على محاكمة المخالف وتهميشه والانتصار لأصحاب المقالة، وكأنّنا انتقلنا من ولاء الدين إلى ولاء المقالة ومن نصرة العصبة إلى الانتصار إلى العصبية والعشائرية، فيعتقد المنتمي بأنّ مجموعته الدينية أو الثّقافيّة التي ينتمي إليها هي أفضل المجموعات البشرية على الإطلاق، وفي المقابل فإنّ بقية المجموعات الإسلاميّة أقلّ منها صدقاً وحظوة وأهمّية، وأحطّ من مجموعته. وهذا يعود أساساً إلى التعصّب، و”هو في أساسه نظرة سلبية إلى الغير، والمتعصّب يتجه إلى تحقير الآخرين وإلحاق الضرر بهم أكثر ممّا يميل إلى تأكيد مزاياه الخاصّة”[5]. والناظر في تاريخ الأديان يلاحظ أنّ التعصّب شمل كلّ المنظومات الدينية وخاصّة التوحيدية منها. ولقد تحدّث حسن حنفي عن التعصّب داخل المنظومة المسيحية ومقاومة فولتير له، وترجم لنا مقطعاً من تعريف فولتير للتعصّب في “القاموس الفلسفي” جاء فيه: “التعصّب هوس دينيّ فظيع معد يصيب العقل كالجدري. وهؤلاء المتعصّبون قضاة ذوو أعصاب باردة يحكمون بالإعدام على الأبرياء”.[6]
ظهرت اليوم شريحة كبيرة من المسلمين “قضاة لا دعاة”، وإن ادّعوا العمل في مجال الدعوة. وهذا يتطلّب منّا مراجعة لمفهوم الدعوة في حدّ ذاته، وربّما تجاوزه أمام ما نشهده اليوم من ظاهرة دعاة جدد يبرزون هنا وهناك من خلال الفضائيات، فيمرّرون أفكاراً تثير عدّة إشكاليات، ممّا يجعلنا نتساءل عن الحدود بين الدعوة للمذهب والدعوة للدين؟
بناء على ما ذكرناه سابقاً نستنتج أنّ ثقافة التكفير تتمثّل من جهة في ادّعاء الحقيقة مطلقاً ونفيها عن الآخرين المخالفين بصفة قطعية، ومن جهة أخرى في إخراج المخالف عن الملّة الإسلاميّة على سبيل الكفر أو الفسق أو النفاق أو ارتكاب المعاصي وتطبيق الحدود عليه بما يتلاءم مع لقبه الموسوم به. ولقد تنبّهنا ونحن نقرأ للقدامى والمحدثين إلى وجود مفارقتين خطيرتين تستدعيان التمعّن والتدبّر. المفارقة الأولى تخصّ القدامى وتكمن في وجود تناقض ظاهريّ بين القول بكفر المخالف كفر نعمة أو شكر ورفض تكفيره ما دام على دين الإسلام. أمّا المفارقة الثانية فتخصّ أساساً المعاصرين، وتتمثّل في عدم ملاءمة الخطاب التنظيري للواقع الاجتماعي والثقافي والسياسي، فرغم كثرة المؤتمرات التقريبية الوحدويّة وتنديد أهمّ العلماء المعاصرين بالتكفير ومحاربة الأنظمة العربية والإسلاميّة للإرهاب الديني ومرجعياته النظرية، فإنّ خطاب التكفير مازال ينمو بعنف ويأخذ له أشكالاً مختلفة، ويؤثّر على شريحة كبيرة من المسلمين وخاصّة من الشباب.

يبدو أنّ فئة كبيرة من مسلمي اليوم بما في ذلك رجال الدين يجدون صعوبة في حلّ لغز هذه المفارقة التي تتعلّق بأدبيات القدامى فيما يتعلّق بمسألة الكفر والإيمان. ولعلّ هذا ما يفسّر تأويل نصوص القدامى تأويلاً يخدم ثقافة التكفير ويعزّز القول بكفر المخالف من أهل القبلة، ولذلك نجد في بعض الأدبيات اليوم خاصة تلك المنشورة رقمياً في بعض المواقع المتخصّصة في التكفير والشتم والثلب إحالات على أقوال بعض العلماء فيجعلون منهم منظّرين لكلّ ما هو إقصاء وتكفير وتقتيل، وهم في أغلب الأحيان بريئون من ذلك. والظاهر أنّ هذه المفارقة نتجت عن أحد أمرين: إمّا عن سوء فهم لأقوال القدامى أو عن تحريف لها، وفي كلتا الحالتين تعكس ظلماً للقدامى وتعسّفاً على الحاضر. ولا نبالغ إذا اعتبرنا مسألة قراءة نصوص القدامى وتأويلها من المسائل الأساسية التي قد تذكّي روح التعصّب والغلوّ وإقصاء المخالف إذا لم تقرأ قراءة ناضجة تراعي خصوصيات العصر وسياقات المقول الحضارية والفكرية، إذ ليس من اليسير فهم نصوصهم وتحقيقها وتفكيكها والوقوف عند خلفياتها وحدودها. ولعلّ هذا ما يفسّر اقتصار معارف أغلب شباب اليوم على كتب معاصرة أو برامج فضائية تقدّم في أغلب الأحيان التراث الفكريّ الإسلاميّ بطريقة مشوّهة مسقطة دون تأنٍّ أو تعقّل.
ليس من الصعب أن نجمّع مواقف القدامى من المخالف ورفضهم تكفير أهل القبلة إذ اضطلع غيرنا[7] بذلك، بل نجد ندوة “الوحدة الإسلاميّة في مواجهة فتنة التكفير”[8] تخصّص لهذه المسألة عدداً كبيراً من مداخلاتها من قبيل ما ذكره زهير الشاويش في مداخلته “الموقف الشرعي للسنّة من الشيعة”، حيث أكّد اتفاق السنّة قديماً وحديثاً على عدم جواز تكفير أحد من المسلمين بما في ذلك الشيعة، وفي الإطار نفسه كانت مداخلة رأفت الميقاتي “موقف أئمة المسلمين من التكفير”، وكذلك عرّف محمد يزبك في مداخلته “الموقف الشرعي للشيعة من السنّة” بمواقف أئمة أهل البيت وعلماء الشيعة تجاه المخالف من أهل القبلة. وجدير بالذكر أنّ “رسالة عمّان”[9] عملت بدورها على حسم هذه المشكلة بصفة قطعية لا تقبل الشكّ أو التردّد فطرحت سؤالاً خطيراً في شكل استفتاء[10] على أهمّ علماء ومراجع المسلمين نصّه: هل يجوز تكفير المسلم؟ ولقد توصّل مؤتمر عمّان إلى الإقرار بأنّه “لا يجــوز تكفير أيّ فئة مـن المسلمين تؤمــن بالله سبحانه وتعالى وبرسوله صلى الله عليه وسلم وأركان الإيمان، وتحترم أركان الإسلام، ولا تنكر معلوماً من الدين بالضرورة”[11].
ويطرح كلّ من يتابع ملتقيات التقريب والوحدة الإسلاميّة ويطّلع على إجماع المسلمين قديماً وحديثاً حرمة تكفير أهل القبلة يتعلّق أساساً بالاستفهام التالي: لماذا لا يؤثّر هذا الإجماع في حياة المسلمين العامّة؟ وعلى هذا الأساس لماذا ما زال بعض المسلمين بكلّ فئاتهم بما في ذلك قسط من العلماء يتلذّذون بتكفير هذا وتبديع ذاك وبتفسيق جماعة وتقديس أخرى؟ هل يعكس ذلك أزمة في الفكر الديني الإسلامي من حيث علاقة العلماء والمراجع بمن يقلّدهم؟ وإذا كان ذلك صحيحاً فما السبب؟ ولماذا يعتمد البعض على فتاوى شخصية يصدرها بعض العامّة أو العلماء المهمّشون أو أمراء الحرب فيكفّرون باسمها ويعنّفون؟ هل أصبح الهامش أكثر فاعلية من المحور؟ كلّ هذه الأسئلة وغيرها ممّا لم نطرح يجعلنا نتفكّر في المسألة بكلّ جرأة وشجاعة، وأن نتسلّح بمراجعة الذّات وآليات النقد البنّاء، حتى يتسنّى لنا التقدّم في مجال يبدو للبعض ساكناً لا حراك فيه.
نرى أنّه لا بدّ من توسيع دائرة البحث في إشكالية التكفير لتشمل قضايا سلوكية تنتاب الإنسان فتدفعه إلى إقصاء الآخرين وممارسة العنف[12] بكلّ أشكاله عليهم ووهم امتلاك الحقيقة مطلقاً ونفيها عن الآخرين بصفة قطعية. ولئن بدت المسألة ذات بعد نفسي سلوكي فإنّها قد تأخذ أيضاً منزعاً اجتماعياً ثقافياً، وهذا يدفعنا إلى تناول المسألة من منظور علم اجتماع الثقافة.
وممّا لا شكّ فيه أنّ ثقافة التكفير وما تعلّق بها من تعصّب وغلوّ وانغلاق على الذات وتحقير للآخر، اقترنت في الفكر الإسلامي قديماً وحديثاً بما يسمّيه روّاد علم الاجتماع الثقافي بالتخلّف الثقافي، إذا دخلت الحضارة الإسلاميّة في دائرة مغلقة أقفلت أبواب الاجتهاد فساد الاتباع والتقليد وهيمن الجهل والتخلّف وغابت الثقة وانقطع التواصل، فانكمشت كلّ مجموعة دينية على ذاتها تعيد صياغة مقولاتها دون تطوير أو تهذيب، وأصبحت كلّ مجموعة تعتقد أنّها تمثّل الحق وأنّها الفرقة الناجية وغيرها من المسلمين في الدرك الأسفل من النار. إنّ المتتبّع لتاريخ الأديان بصفة عامّة وتاريخ الأديان التوحيدية بصفة أخصّ يلاحظ أنّ هذا التوصيف الثقافي يخصّ كلّ المنظومات الدينية فاليهود أيّام الأسر وبعد سقوط ملكهم انغلقوا على ذاتهم واكتفوا بتقاليدهم الشفوية، ثمّ انقسموا بدورهم إلى مجموعات دينية، وكذلك حال المسيحيين عندما تحوّلوا في القرون الوسطى إلى مجموعات منغلقة تحاكم العلم والعقل والإبداع. إنّ التخلّف الثقافي (Retard culturel ) نتيجة طبيعية لتحوّل الأمّة من حالة قوّة وعلم إلى وضع ضعف وجهل. ولقد توصّل علم اجتماع الثقافة إلى أنّ “النتيجة الحتمية لظهور التخلّف الثقافي والانحلال أو التفكك الاجتماعي هو أنّ البناء الثّقافي لم يعد متماسكاً كما كان من قبل، ومن ثمّ تنعكس آثاره على كفاءة تأديته لوظيفته في إشباع حاجيات أفراد المجتمع وتوجيههم التوجيه المحكم في تفكيرهم واتّجاههم وسلوكهم، ومن ثمّ يصبح المجتمع في حالة “مرضية” يظهر فيها الكثير ممّا يعرف في علم الاجتماع بالمشكلات الاجتماعيّة”[13].
ولا يعتبر التخلّف الثقافي من منظور علم اجتماع الثقافة وضعاً استثنائياً، بل هو “إحدى النتائج الأساسية لعمليات التغيّر الثقافي فهي ظاهرة ملازمة له”[14]. وآية ذلك أنّ البناء الثقافي يعكس صراعاً بين نمطين من التفكير وضربين من الثقافة: ثقافة تقليدية تتشبّث بالقديم ومكاسبه وثقافة تغيير تتحمّس للجديد وتدعو إلى التجاوز: تجاوز وصاية الذاكرة وتجاوز المركزية المذهبية الواهية. ولقد لاحظنا هذا الصراع بشكل واضح عندما أصدر محمود شلتوت فتواه الشهيرة التي تجيز التعبّد على المذهب الجعفري، فقامت أصوات هنا وهناك تنتقده وتفنّد آراءه، وتؤكّد فساد عقيدة الشيعة وبطلان أحكامه في الفقه. وهذه الأصوات الرّافضة لكلّ حوار إسلامي ـ إسلامي نجدها تلازم كلّ تجارب الإصلاح الدينيّ، إذ نجد اليوم أيضاً من يشكك في نجاعة الحوار السني الشيعي،[15]وهذا الرّفض للتقريب يفتح الباب على مصراعيه أمام التكفير وثقافته، ممّا يعني أنّ “القيم الجديدة المتعارضة في جوهرها مع الشخصيات الأصلية والقيم العريقة للجماعة لن تجد لها مكاناً لتنفذ إلى الكيان الاجتماعي مهما بلغت درجة مرونته وانفتاحه الفكري والعقائدي”[16]. وفي هذا الإطار تندرج موجات التشكيك في عقائد هذه المجموعة أو تلك ونفي الإسلام “الحقيقي” عنها وينتج عادة عن التكفير. هذا تكفير مضاد تمارسه المجموعة المهمّشة فيصبح التكفير مجموعة من ردود الفعل الانفعالية لا هدف من ورائها إلا تأكيد زعامة دينية يُخشى عليها من الانقراض أو المحافظة على سلطة (ولعلّها وهم سلطة) احتفظت بها الذاكرة. ولقد نقل لنا الإيجي في كتابه “المواقف” ما يؤكّد ما ذهبنا إليه من تحوّل خطاب التكفير في بعض مراحل تاريخ الفكر الإسلامي إلى ردود فعل انتقامية، فنقل لنا الإيجي تعليق أبي إسحاق الإسفرائيني على تكفير المعتزلة لأصحابه[17] قبل أبي الحسين، إذْ قال “كلّ مخالف يكفّرنا فنحن نكفّره وإلا فلا..”[18]. وكأنّ التكفير بهذا المعنى تحوّل إلى مرض هستيري لا منطق له ولا عقل، ولا يستند إلى مرجعيات نصية أو براهين كما يزعم دعاته وأقطابه.
تثير فينا هذه القضايا استفهاماً خطيراً طالما راود غيرنا من المهتمّين بمجال التقريب بين المذاهب الإسلاميّة يتمثّل في كيفية التغيير واستبدال ثقافة التكفير بثقافة تقريب وحوار تستجيب لمقاصد الشّرع ورهانات الحداثة والمواطنة. ولعلّنا نحتاج في هذا الإطار إلى وقفة عند أحد أهمّ مصطلحات علم الاجتماع الثقافي وهو مصطلح “الانتشار الثقافي”[19] الذي يساهم بطريقة فعّالة في “تعجيل تطوّر الثقافة” و”إغناء محتوى الثقافات الفردية”[20]. ولهذا لا بدّ للتقريب أن يبرح قاعات المؤتمرات وفضاءات الندوات والملتقيات الرّسمية ليقترب من هاجس الشارع الثقافي ومن طموحات المواطنين ومشاغلهم في البيت والعمل والنشاط الاجتماعي والسياسي والثقافي. وحتّى يتسنّى تحقيق ذلك يجب أن تمسّ ثقافة التقريب البرامج التربوية والأنشطة الحكومية والمدنية، وأن تُدرج ضمن محاور التكوين في إعداد أصحاب القرارات ورجال الأمن والجيش ورجال الأعمال والإعلاميين، وهذا يتطلّب مجهوداً كبيراً يتجاوز مجرّد التنديد بالتكفير وأئمته وأتباعه وفضح خطابهم وبيان هشاشته.
[1] لقمان: 17
[2] صلاح الصاوي، التطرّف الديني: الرأي الآخر، الآفاق الدولية للإعلام،1993، ص 61
[3] صلاح الصاوي، المصدر نفسه.
[4] من قبيل حرمة بقاء الزوجة مع زوجها ووجوب محاكمته وإذا مات لا يغسل ولا يصلّى عليه……
[5] حسن حنفي، أضواء على التعصب، دار أمواج، بيروت، 1993
[6] حسن حنفي، المرجع نفسه، ص 176
[7] نحيل أساساً على محمّد الرّاغب، موسوعة مصطلحات الموضوعات في سفينة الرّاغب ودفينة المطالب، مصدر سابق
[8] مؤتمر “الوحدة الإسلامية في مواجهة فتنة التكفير”، مركز دراسات الوحدة الإسلامية، بيروت، لبنان، 2002
[9] صدرت رسالة عمّان عن المؤتمر الإسلامي “حقيقة الإسلام ودوره في المجتمع المعاصر” في عمّان عاصمة الأردن بين 4 و5 يوليو 2005 وشارك في هذا المؤتمر حوالي 200 عالم من 50 دولة.
[10] يمكن الاطلاع على نصوص الفتاوى من خلال موقع رسالة عمّان: http://www.ammanmessage.com
[11] الموقع نفسه.
[12] يمكن الاستفادة في هذا الإطار من: خالص جلبي، سيكولوجية العنف واستراتيجية الحل السلمي، دار الفكر المعاصر، بيروت، 1998
[13] محمد السويدي، مفاهيم علم الاجتماع الثقافي ومصطلحاته، المؤسسة الوطنية، الجزائر، الدار التونسية للنشر تونس، 1991، ص 136
[14] محمد السويدي، المرجع نفسه، ص 137
[15] انظر على سبيل المثال كتاب “حقيقة الشيعة وهل يمكن تقاربهم مع أهل السنة؟”، محمد بيومي، دار الغد الجديد، 2006
[16] محمد طلعت عيسى، فلسفة التغيّر المخطّط، مكتبة القاهرة الحديثة، 1971، ص 48
[17] يقصد الأشاعرة.
[18] عضد الدين الإيجي، المواقف، دار إحياء التراث، بيروت، ص 392
[19] رالف لنتون، دراسة الإنسان، المكتبة العصرية بيروت، 1964، ترجمة عبد الملك الناشف، ص 429
[20] المرجع نفسه.
_________
*مؤمنون بلا حدود 

شاهد أيضاً

كتاب الدين والاغتراب الميتافيزيقي

*د. عبدالجبار الرفاعي تأتي أفكارُ كتاب (الدين والاغتراب الميتافيزيقي) في سياق ما جاء في كتابي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *