الرئيسية / مقالات / الشعر بخير

الشعر بخير


* عباس بيضون


هل يمكن القول إن الشعر يتردّى وينحدر مستواه ويزل عن مقامه. هذا ما يتوارد لدى كثيرين، بل هو ما يتوارد لدى الأكثرية. ولسنا نعرف سبباً لهذا الشيوع إلا أن يكون الشعر في شبه قطيعة عن الجمهور. وأن رأي الجمهور في الشعر متسبّب تقريباً عن هذه القطيعة، فالرأي على هذا النحو إنما هو رأي عزلة وهجرة أكثر مما هو رأي تحرٍّ وتدقيق، بل يخطر لنا أنه إلى الشائعة أقرب منه إلى الرأي، بل يخطر أنه رأي يصدر عن البعد والجهل أكثر مما يصدر عن المعرفة والقرب.
قصيدة النثر وهي تقريباً السائدة اليوم توحي في جملة ما توحي بسهولة الشعر وقرب مأخذه وانتشاره، السبب في ذلك أن الشعر ليس بعيداً عن الفطرة، كأنما يولد الناس شعراء، أو هم على الأقل يصطنعون الشعر ويحاولونه، أو قل يقلّدونه ويجرون عليه، تغدو القافية على هذا المنوال سجعاً ويغدو الوزن اعتباطاً. ذلك ليس إلا تقليد الشعر ولا نستطيع أن نحمل على الشعر وأن نتجنّى على الشعر بسببه.

يكثر الشعراء ومقلّدو الشعراء وهذه حالهم في كل مكان، إلا أنهم تكاثروا هذه المرة أكثر من المعتاد. زال الفارق الشكلي على الأقل بين الشعراء ومقلّدي الشعر وهو فارق لا يكتشفه إلا العارفون بالشعر، وطالما كان موجوداً وطالما ضعنا فيه أو عصي علينا التقاطه وتصيّده. بين الشعر وتقليد الشعر يعزّ اكتشاف الفارق، فالصورة هي نفسها والادعاءات هي ذاتها. وقد يخطر لنا أن هذا أفسد الشعر وهجّنه، وقد يخطر لنا أن هذا المنحى من الشعر جنى على الشعر وخرّبه. ما يدعونا إلى هذه الخاطرة هو توهّمنا أن الشعر وزن وقافية وأنه حين يفقد الوزن والقافية يغدو أسهل ما يكون، وغاب عنا أن الكتابة فن صعب بقافية أو بدون قافية، فالنثر البحت ليس سهلاً ولا ميسوراً ويحتاج إلى دراية وإلى جهد موصوفين.

نحن أحياناً نخلط بين الشعر وتقليد الشعر وخاصة في قصيدة النثر. نستهول ما نراه من ركاكة ومن اصطناع في بعض نماذجها. الحال أن التمييز بين التقليد وبين الأصيل هو نفسه في قصيدة النثر وقصيدة الوزن، فليس في هذا ما يتعمّى على القارئ الخبير، ولنا أن نثق بهذا القارئ وأن نعود إليه فتدنّي القارئ قد يكون أسوأ بكثير من تدنّي الكاتب. قصيدة النثر لمن يعرفها أشدّ تطلباً من قصيدة الوزن وتحتاج إلى دراية أكثر من التي تحتاجها تلك. الوزن والقافية زينتان تحرم منهما قصيدة النثر وتحتاج هذه إلى أن تصنع موسيقاها وإيقاعاتها من داخلها وإلى أن تكون نموذج نفسها، وما أعرفه وأنا قارئ مثابر أن الشعر ليس اليوم في أدنى مستوياته، بل يُدهشني ما أراه من تفرد في نماذجه وجهد وسعي إلى الابتكار وأصالة، وأنا أظنّ أن الشعر اليوم وقصيدة النثر بوجه خاص في أفضل أحوالها، فأنا أقع على نماذج منها في كل مكان فيُدهشني ما أرى من تمرّس واختبار وجرأة وتفرّد، يُدهشني ما أرى من طلب للخصوصية ومن أصالة ومن ابتكار. إذ قل الطلب على الشعر فإن الشعر مع ذلك يزداد تطلّباً.
_________

* السفير 

شاهد أيضاً

المصابيح الزرق انطفأتْ من زمان

*خليل النعيمي كنا صغاراً، وكانت «الحسَكَة» كبيرة. كبيرة جداً علينا. كنا ثلاثة: هشام وعوّاد وأنا. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *