الرئيسية / مقالات / حفرة بطول ستّة أقدام

حفرة بطول ستّة أقدام


*د. شهلا العُجيلي


اقترفت المجتمعات الرأسماليّة شروراً هائلة، وكانت في كلّ مرّة تحتضن الضحايا، وتعيد تأهيلهم، لتمسح بعض آثامها. إنّ طريقتها في محاولة تعويض الخسائر الكونيّة، جعلت العالم ينشغل عن آثامها بالأفكار النبيلة التي روّجت لها، من مثل ريادات الأعمال الاقتصاديّة والاجتماعيّة، وصولاً إلى الاهتمام بالفرد المأزوم، الذي رسمت خلاصه تحت عنوان “التنمية البشريّة”.
كان السويسريّ هنري دونان، المولود لرجل أعمال يهتمّ بالأيتام، وأمّ كرّست حياتها للعناية بالمرضى، ذاهباً عام 1859 إلى إيطاليا في رحلة عمل، أثناء حرب سولفرينو، التي دارت بين نابليون الثالث ومملكة سردينيا ضدّ إمبراطوريّة النمسا، من أجل توحيد إيطاليا، فوجد المدينة تغصّ بالجرحى، وكانت الخدمات الطبيّة العسكرية غير كافية، لذا كرّس كلّاً من ثروته، وخبراته الموروثة للاهتمام بأولئك المنكوبين، بعد ذلك وضع كتابه “تذكار سولفرينو”، داعياً لتنظيم متطوّعين مدرّبين في كلّ مكان من العالم للعناية بضحايا الحروب، ولعقد اتفاقيّة دوليّة، لإنشاء منظّمة عالميّة تُعنى بالجرحى في الميدان، وتجنّب المدنيين آثار القتال، وعلى إثرها نشأت الحركة الدوليّة للصليب الأحمر، وقد منحته لجنة نوبل عام 1901 أوّل جائزة لها للسلام.
لا تتوقّف المجتمعات الرأسماليّة عن إنتاج الأفكار الخلاّقة، ودعم الأفراد العالميّين أو المحليّين، الذين تضيء في عقولهم مصابيح سحريّة، ويزهر بين أيديهم اليباب، مثلما لا تتوقّف عن إشعال الحروب، ويأتي الجمع بين المتناقضات تلك تحت شعارات “تغيير العالم”، و”عبء الرجل الأبيض” القويّ، والمكلّف بحمل مهمّة تحسين حياة الآخرين الأكثر ضعفاً. كان ذلك التغيير يأخذ في أحد وجوهه شكل دعم ماليّ لشعوب العالم الأقلّ حظّاً، عبر فروع محليّة لمنظّمات دوليّة، لكنه تحوّل نتيجة الفساد المتراكم، وعدم الثقة، واختلاسات المساعدات، إلى مساعدات عينيّة، خيام، ومدافئ، وسلال غذاء تستهلك في راوندا، والفلبين، والعالم العربيّ… وترافقها ولائم كبرى، وحملات إطلاق لاتفاقيّات تعاون، وكتب إرشاديّة، ودعوات للتبرعات في فنادق (5 *).
عملت تلك المجتمعات على المستوى الثقافيّ على نشر سياسة التطوّع في العالم لدى الأطفال، والشباب، والكهول القادرين، ويأتي ذلك تحت عنوان برّاق: “المواهب موجودة في كلّ مكان”. لكنّ هذه التجارب مترافقة بتحديات قاسية في العالم العربيّ، لأنّها محاطة بإرث استعماريّ عتيد، وبالكثير من النزوعات الجاسوسيّة والأمنيّة، والتسلطيّة، إذ يتمّ التعامل مع العمل الإنسانيّ بكثير من الريبة لأنّ عدد الجواسيس يساوي عدد المخبرين، في حين يحتاج هذا النوع من العمل إلى لون أبيض للذاكرة وكذلك للنوايا.
كثيراً ما يتحوّل المتطوّعون بنبلهم المتجاوز إلى ضحايا لمرؤوسيهم، الذين يتعاملون مع هذا النوع من العمل كتعاملهم مع دائرة حكوميّة يرأسونها، يغرقونها بالبيروقراطيّة والتسلّط. لذلك تفشل تلك التجارب في معظمها، أو تقلّ جدواها، حيث عليك التعبير عن أفكارك بوضوح وشفافيّة في حاضنة يعشّش فيها القمع والتوجّس المبرّر أحياناً.
في مركز أمنيّ، في مكان ما من العالم العربيّ، تمّ توقيف متطوّعتين، إسبانيّة ومحليّة، للتحقيق في أسباب ضلوعهما في العمل التطوّعي:
-لغتك العربيّة ممتازة!
-تعلمتها في إسبانيا، بهدف الخدمة التطوعيّة لمنكوبي الحروب هنا.
-أنا أريد أن أنساها للسبب ذاته، فلولاها ما تمّ إيقافنا في مركز أمن!
في الحقبة ذاتها التي تحمل وشم الحروب الاستعماريّة الرأسماليّة، التي كان فيها هنري دونان يحاول تخفيف قبح العالم، لكن إلى الشرق قليلاً، كان “ليو تولستوي (1828- 1910) يعلن:
“الجميع يفكّر في تغيير العالم، ولا أحد يفكّر في تغيير نفسه.”! لقد تنازل ذلك الكاتب الاستثنائيّ، فعلاً عن إقطاعاته الشاسعة، لمجموعات أقلّ حظّاً أو أضعف، ليعيش عيشة الفلاّحين، ووضع مؤلّفه “مملكة الربّ داخلك”، ينبذ فيه العنف على طريقته، وقد تأثّر بذلك المؤلّف كلّ من غاندي” ومارتن لوثر كينغ في مقاوماتهم السلبيّة.
كتب”تولستوي” أيضاً روايته “الحرب والسلام”، يحكي تلك الآثام المتّفق عليها،وفي قصّته العميقة “أرض”، كتبها من روح تراث القفقاس الذي أغرم به، يلخّص باستعارة مدهشة، الرغبات الجارفة للإمبرياليّة، عبر ملاّك روسيّ من العهد القيصريّ، طمع في أرض لمزارع من “الباشكير”، ليسقط في نهاية المطاف في حفرة طولها ستّة أقدام، لن يحتاج المرء غيرها، قبراً يأوي جسده الميت.
____
*عمّان.نت

شاهد أيضاً

6417_1-1 (1)

من قلب السجن: حديث عن الحرية

*إبراهيم نصر الله  كل شهر، أو أقل، لا ينسى صديقي الأسير في سجن (…) الصهيوني …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *