الرئيسية / قراءات / «المهلة الأخيرة».. رواية التمسك بالجذور

«المهلة الأخيرة».. رواية التمسك بالجذور


ما هي المهلة الأخيرة؟ هل حصل عليها الأديب الروسي فالنتين راسبوتين وهو يصارع المرض مثلما حصلت عليها العجوز آنا وهي تصارع الشيخوخة؟

ولو أمده الله بالقوة وصفاء الذهن، أكان يكتب عن الساعات الأخيرة في حياته كما كتب عن الساعات الأخيرة في حياة آنا؟ من هي آنا؟ ها هو ابنها الأصغر ميخائيل في مكتب البريد يرسل البرقيات إلى أخيه ايليا وأخواته فارفارا ولوسيا وتاتيانا، ليخبرهم أن والدتهم تحتضر. ولكن، في النهاية، تمثل الرواية، كما صنفها النقاد والمتخصصون، صيغة أدبية فريدة تدعو إلى التمسك بالجذور والتركيز على التزام الأخلاق المجتمعية والأصالة في عصر طغت فيه المادة وتناءت المسالك الأخلاقية.
وصلت فارفا صباح اليوم التالي وهي تبكي وتصيح: أمي.. أمي! ثم وصل ايليا وأخته لوسيا، فاستقبلتهما فارفا بالبكاء والعويل: أمنا.. أمنا! استغربت الطفلة نينكا ابنة ميخائيل، خمس سنوات، بكاء عمتها وتساءلت: لماذا لا تظهر دموعها وهي تبكي! وقفوا مع ميخائيل وزوجته ناديا حول السرير الحديدي قرب الموقد ونظروا إلى أمهم. كانت في سبات عميق بينما تيبس جسدها واصفر وجهها.
بدت جثة هامدة. صاحت فارفا باكية: لقد فارقت الحياة.. أمنا ماتت. طلبت لوسيا مرآة صغيرة من ناديا ووضعتها فوق فم أمها، فظهر على سطحها غشاوة. تنهدت وقالت: لا تزال حية. شهقت فارفا باكية كأنها سمعت العكس. بدا واضحاً أن أمهم راحلة ذلك اليوم أو غده.
الثوب الأسود وصندوق الفودكا
في المساء تناولوا العشاء في المطبخ. وشرب ايليا وميخائيل الفودكا حتى ثملا. تحدثوا عن الهموم ومشاكل الحياة، ثم لام كل واحد الآخر على التقصير في الواجبات. بعد العشاء تفقدوا أمهم، ثم ذهبوا إلى النوم ما عدا لوسيا التي طلبت من ناديا ماكينة الخياطة لتخيّط الثوب الأسود الذي سترتديه في جنازة والدتها. انضمت إليها فارفا وطلبت منها أن تعطيها الثوب قبل سفرها، فوعدتها.
جلسوا صباح اليوم الثاني، بعد الفطور، في الحديقة واسترجعوا أيام الطفولة حين كانوا يجمعون الفطر والبصل والثوم والعناكب. ابتسموا.. وابتسموا وهم يذكرون حماقات كل واحد منهم. ثم اقترح ايليا أن يحضّروا لتأبين والدتهم، فجمع النقود وذهب مع ميخائيل إلى السوق، وعادا وهما يحملان صندوقاً من زجاجات الفودكا وجلسا في الحديقة. وإذا بناديا تخرج مهرولة وتناديهما: تعالا بسرعة.
المعجزة
فتحت العجوز عينيها ونظرت إليهما ثم نظرت إلى لوسيا وفارفا وأغمضت عينيها. تمنوا أن ينتهي احتضارها الطويل. لكن العجوز فتحت عينيها ثانية ونادت كل واحد باسمه، ثم قالت متوسلة: تانشورا، وتقصد تاتيانا التي تعيش مع زوجها في كييف. ردوا كلهم: لم تصل.. ستصل قريباً. بدا الارتياح على وجهها فأغلقت عينيها ونامت.
عادت إليها الروح حين رأت أولادها. وفي المساء طلبت من ناديا أن تعد لها العصيدة. قال ايليا: لكن أمنا، ونحن نحضّر لجنازتها، لم تشبع من العصيدة. قال ميخائيل: هذا طبيعي، لم تذق شيئاً منذ أيام. أمعنت الأم في النظر اليهم ثم سألت لوسيا: متى جئتم؟
قالت: أمس.سألتها: ألم تحضروا شيئاً معكم؟ قالت لوسيا: كنا في عجلة. قالت: ليس لي، وإنما للحبيبة نينكا. قالت لوسيا: سأشتري لها السكاكر غداً. قالت: أنا لا أحتاج شيئاً. كفاني أن الله أنعم علي بهذه الفرحة، أن أراكم قبل أن أموت.
الشجار
جلس ايليا وميخائيل على الطاولة في المطبخ، وشربا الخمرة، حتى صعد الدم إلى رأسيهما. صاح ميخائيل: كيف حالك، يا أمي؟ أجاب ايليا: أمنا رائعة. لقد خدعت الموت! قال ميخائيل: هذا صحيح. قالت له فارفا: يا عديم الضمير! صاح ميخائيل: ماذا؟ تدخلت لوسيا وقالت: اسكت، يا ميخائيل، لن نسمح لك أن تهزأ بأمنا. قالت العجوز:
لا تتشاجروا. أرجوكم، ارحموني. لكنهما لم يتوقفا. في صباح اليوم الثالث، أرهفت العجوز السمع ولم تسمع خوار بقرة ميرونيخا. طلبت من فارفا أن تتفقدها. عادت وقالت: ذهبت إلى الطرف الثاني من القرية.
لم يعد أحد ينتظر تانشورا غير الأم. لم تكف عن ذكرها والسؤال عن ميرونيخا. نامت واستيقظت وصاحت: تانشورا ثم أخذت تبكي وتقول: أنتم لم تقولوا الحقيقة، أين تانشورا؟ صرخت لوسيا: كفى، يا أمي! لا أحد يكذب عليك. انكمشت في فراشها وبدأت تبكي وتقول: أين هي تانشورا؟ هل حدث مكروه لها؟
عندئذ ضرب ميخائيل السكران الطاولة بيده ونهض وهو يقول: لن تأتي تانشورا. أرسلت إليها برقية حتى لا تأتي. نهرته أمه، فانفجر غاضباً عليها وتصادم مع لوسيا. استفحل الشجار والأم ترجوهم أن يكفوا، تمنت أن تموت تلك اللحظة.
ميرونيخا
لم يغمض لها جفن بعد ذلك الشجار. نادت الموت لكنه لم يأتِ. قالت له : سأذهب إليك. بذلت جهداً كبيراً حتى نزلت من السرير ثم زحفت إلى عتبة الباب وجلست. ظهرت ميرونيخا وطلبت منها أن تجلس معها. قالت ميرونيخا: لا أستطيع، لم تعد بقرتي. سأبحث عنها وراء الجبل. قالت آنا: ربما تسقطين وأنت تصعدين الجبل. قالت: ما الفرق؟
إن سقطت هنا أو سقطت هناك، لن أجد من يسقيني جرعة ماء. سألتها آنا: لماذا لا تكتبين لأولادك؟ ألا يعرفون أنك في الخامسة والسبعين! قالت: يبدو أنهم يعيشون جيداً. إنهم يذكرونني عندما يحتاجون إلي. أحست العجوز أنها ستموت بعد توديع ميرونيخا.
النهاية
ساعدت ناديا العجوز في العودة الى السرير. ثم أتت لوسيا وايليا لتوديعها. قالت العجوز: انتظروا هذا اليوم فقط، سأموت هذا المساء. قالت لوسيا: لا أستطيع، سيطردونني من العمل: قال ايليا: ستعيشين مئة عام يا أمي. تدخلت فارفا ورجتهما البقاء ذلك اليوم، ثم طلبت من لوسيا الفستان الأسود وأخذته، عندئذ رأت أن تودع أمها وتسافر معهما. في مساء ذلك اليوم ماتت الأم.
المؤلف والرواية
بوفاة الأديب الروسي فالنتين راسبوتين في14 مارس الفائت، تُقلب صفحة في ملف عمالقة الأدب.. ربما تكون الصفحة الأخيرة أو أنه يكون آخر أديب يدعو إلى التمسك بالجذور والأخلاق التي يفتقدها بشدة المجتمع الإنساني هذه الأيام، وهو نجح في إيصال هذه الرسالة في رواية «المهلة الأخيرة»، التي يقدم فيها عائلة متفككة، انسلخ أفرادها عن جذورهم ولم يبقَ فيها من يتمسك بالجذور غير الأم، والأم تحتضر!
ولاقت هذه الرواية التي نُشرت سنة 1970 نجاحاً باهراً ونقلت مؤلفها من العتمة الى الأضواء. وشجعه ذلك النجاح على تكرار المغزى نفسه في رواياته اللاحقة: « عش وتذكر1974» و«وداعاً يا ماتيورا1979» و« سيبيريا، سيبيريا1991». ووصولا الى التصريح في رسالته الأدبية: هدفي القرية..
وأكتب عن الناس في القرية. أنا أشعر برابط قوي يشدني الى القرية التي ولدت فيها( قرية اتالانكا في إركوتسك شرق سيبيريا).. إن نهر أرغانا أمي الثانية، لقد روى لي الحكايات الخرافية الجميلة وأنا صغير، وعلمني أن أحب الإنسان وأنا كبير.
المؤلف والعجوز آنا
يدهشنا فالنتين في هذه الرواية حين يجعل البطل أو الشخصية المحورية عجوزاً عمرها80 سنة، ويكتب300 صفحة عن الأيام المعدودة في حياتها. وتتعاظم الدهشة حين تفرض تلك العجوز نفسها بقوة واحترام وهي في السرير تنتظر الموت وتنتقل من محطة الى أخرى في ماضيها:
أولادها الخمسة الذين ربتهم وأطعمتهم وكستهم وحمتهم، أولادها الخمسة الذين ماتوا، اثنان بالمرض بعد أن سهرت الليالي، وثلاثة في الحرب. لم تر جثثهم! رأت ثلاثة أوراق تحمل نعي كل واحد منهم. زواجها وموت زوجها الذي عاشت معه حياة ليست سعيدة ولا تعيسة، ثم عائلتها والجيران.
إننا نشعر بالإجلال لها عندما نشعر بتعاطفها مع جارتها ميرونيخا التي هجرها أولادها ولم يبق لها غير البقرة، ثم ضاعت البقرة. وهي في تلك المحطات تسلط الضوء ساطعا على أحط وأنبل البقع في النفس البشرية، وتفتح لنا الدرب الى الآفاق الجديدة لنتحرر من الرواسب ونبني مما تبقى من العمر جسرا الى حياة أفضل.
كل ذلك وهي تنتظر الموت، وأولادها يسكرون ويدردشون ويتشاجرون، ويتمنون موتها بسرعة ليستريحوا.
«ليست حياتك»
تقول العجوز ( بطلة العمل ومحوره) في الرواية : صليت من أجل تانشورا. ليتها تصل اليوم. أخشى أن لا أستطيع الانتظار أكثر. أرى أن الحياة التي أعيشها ليست حياتي. إن الله يمنحني مهلة.. لكن لذلك نهاية، لكل شيء نهاية. انتفضت لوسيا وقالت: اليوم جلست وغداً تنهضين وتمشين. عندئذ لن تقولي إنك تعيشين حياة ليست حياتك.
ما هي ؟
تمثل الرواية، برأي بعض النقاد، توهج الروح الأخير قبل أن تنطفئ، مثل شعلة مصباح الغاز التي تومض بقوة حين تنطفئ. وهي في التقاليد الروسية، وخاصة السيبيرية، الوقت الأخير الذي يعترف فيه الإنسان بخطاياه ويطلب الرحمة والمغفرة قبل أن يسلم روحه إلى خالقه. لكن للعجوز رؤية أخرى، إنها حياة جديدة غير حياتها أو لنقل بكلمات أخرى، مثل محطة الترانزيت التي يرتاح فيها راكب الطائرة وهي ليست في البلد الذي يقصده ولا البلد الذي طار منه.
______
*البيان

شاهد أيضاً

“تطور القصة القصيرة الفلسطينية باللغة الإنجليزية”.. إصدار جديد للدكتور أبو صالح والدكتور أسدي

خاص- ثقافات صدر هذا الأسبوع عن دار النشر “بيتر لانغ” في الولايات المتّحدة، وهي دار …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *