الرئيسية / إضاءات / بهاء طاهر.. سيرة كتابة راقية «1»

بهاء طاهر.. سيرة كتابة راقية «1»


*إيهاب الملاح
بهاء طاهر واحد من أنجب وأبرز كتاب جيل الستينات الأدبي، الذي وصل إلى قمة النضج الفني، وذروة الحس الدرامي في أعماله القصصية بوجه عام والروائية منها بوجه خاص. وهو كاتب مُقلّ إذا ما قورن بكثيرين من أبناء هذا الجيل، فعلى مدار ربع القرن منذ صدور روايته الأولى «شرق النخيل» عام 1983، وحتى صدور آخر روياته «واحة الغروب» 2006، لم يصدر له سوى ست روايات؛ أي بمعدل رواية كل خمس سنوات تقريبًا.
وكثيرا ما سئل بهاء طاهر عن سر هذه القلة، ولماذا لم يترك القلم على امتداده ليخط مزيدا من الروايات والأعمال القصصية، وكانت إجابته دائما واضحة قاطعة: «خيرٌ لي أن أكون مقلا من أن أكون مُدلِّسا، هذه مقولة ذهبية سمعتها من أستاذي الحبيب الجليل يحيى حقي، ومنذ سمعتها وأنا أؤمن بها تماما، فبعض الأعمال الأدبية يقلبها كاتبها مثل الجوارب، وأنا ممن يصيبهم الرعب من فكرة أن أقوم بتكرار تجربة معينة سبق لي كتابتها، أو تكرار أي شخصية أو حدث سبق ظهورها في أحد أعمالي».
لكن بهاء طاهر لم يبدأ بكتابة الرواية، إذ صدرت مجموعته القصصية الأولى «الخطوبة وقصص أخرى» عام 1972، وكان صدورها حدثا مدويا في المشهد الأدبي آنذاك، تناولتها الأقلام النقدية بالترحاب، وقال عنها شيوخ النقد ما أكد على أن صاحب هذه المجموعة يتميز عن كل أفراد جيله، بأنه ذو روح فنية عالية، وأن له أسلوبه الذي يشي بخصوصية متفردة تنبئ بأن صاحب هذا الأسلوب له لغته الخاصة التي ستتحدد وتتبلور في أعماله التالية.
في هذه المجموعة الرائدة تسود أجواء الحصار والقلق والارتياب، أبطالها صغار مهزومون ومحاصرون، يشعرون بضآلتهم في عالم مُعادٍ تديره قوى متسلطة تتوغل سلطتها في كل شيء، وفي هذه القصص تبرز مجموعة من السمات العامة التي ستميز كتابة بهاء طاهر خلال تلك الفترة؛ فاللغة بالغة الدقة والصرامة البنائية واضحة، مع حذر شديد من بروز ذات الكاتب أو تسللها في ثنايا السرد، كذلك الحذر من الجنوح نحو المجاز (التصوير والخيال والشعرية).
عن كتابة هذه الفترة يقول بهاء طاهر «إن قصص الخمسينيات النضالية مثل «الأرض» لعبدالرحمن الشرقاوي و«أرخص ليالي» ليوسف إدريس كانت ذات خط واضح وهو الصراع مع الملك والإنجليز. كانت البيئة واضحة والشخصيات واضحة والتفاعل مع الأحداث واضحا. لم يكن الوضع هكذا في الستينات. البيئة كانت مفككة، وكذلك كانت القصص. اختفت القصص النمطية وحلت محلها قصص لها بيئة مختلفة تعبر عن الواقع الذي كنا نعيشه. قصص مجموعة «الخطوبة» تعكس هذا العالم»..
من أبرز أصداء صدور هذا المجموعة ما قاله الأديب الكبير والأب الشرعي لفن القصة القصيرة في أدبنا المعاصر يوسف إدريس من أن بهاء طاهر «كاتب لا يقلد أحدًا.. هذا كاتب لا يستعير أصابع غيره»، وكان ذلك إرهاصا بفرادة وخصوصية إبداع بهاء طاهر، نبوءة تحمل معنى التقدير وثقة في تجاوز صاحبها لآفاق أبعد. وصدقت نبوءة إدريس، وأصبح بهاء طاهر امتداداً عبقريا وفذا لعباقرة القص العظام من «يحيى حقي» حتى «يوسف إدريس» نفسه، وبرز صوته القصصي هادئا متأنيا عميقا يرتاد مسالك وأغوارا مدهشة، متسلحا بشاعرية رهيفة جعلته ينفرد بمساحة كبيرة من خريطة القص المصري المعاصر لا يزاحمه فيها أحد.
وعلى امتداد رحلته الإبداعية التي بدأت عام 1962 وحتى الآن أثرى بهاء طاهر الأدب العربي، بروائعه السردية فمنذ صدور مجموعته الأولى الخطوبة 1972 وحتى صدور آخر إبداعاته المدهشة واحة الغروب، نوفمبر 2006، تقف أعماله شاهدة على عمق الرؤية الفنية، وامتلاك مدهش لتقنيات السرد وحرفية القص. فتبرز مجموعاته القصصية المكينة «بالأمس حلمت بك» 1984، و«أنا الملك جئت» 1985، ثم تشمخ روايتاه البديعتان الأوليان «شرق النخيل» 1983، و«قالت ضحى» 1985، وقد تم اختيار الروايتين كأفضل عملين أدبيين روائيين في نفس سنتي صدورهما، وهذا أمر سوف يتكرر في كل مرة يصدر فيها بهاء طاهر عملا جديدًا.
في النصوص السابقة، التي صدرت كلها عن تأثر واضح بمجموعة من التحولات الجذرية التي ضربت مصر والعالم العربي خلال عقدي الخمسينيات والستينيات، وكان لها مردودها الكبير على كتابة بهاء طاهر واختياراته التقنية والأسلوبية، ظهرت خصائصه الكتابية بوضوح لا تخطئه العين المدربة من حيث الميل إلى الاقتصاد اللغوي والتكثيف وصرامة البناء، لكن لغته ظلت تميل إلى التوازن بين الشفافية والمجاز وأصبحت ذات مستويات متعددة، وأصبح السرد أكثر يسرا وتدفقا ذلك لأن الرؤية أصبحت أكثر اتساعا ورحابة، وانصرفت كتابة بهاء طاهر إلى التعبير عن مأزق الوجود الإنساني في العصر الحديث؛ أي أن العبء الأخلاقي الملقى على عاتق الكتابة أصبح أوسع مما كان عليه، ولذلك نلحظ أن حضور الواقع الصلب يزاحمه حضور الفانتازيا والأحلام والأساطير وأشواق المتصوفة.
عن السياق الذي كتب فيه بهاء طاهر هذه الأعمال، والتحولات التي انعكست عليها، يقول «ونحن في مستهل الشباب كنا متحمسين لثورة يوليو، كان لها نفس مطالبنا، كنا نطالب بجلاء الإنجليز والقضاء على الإقطاع واعتبرنا أنفسنا جزءا من الثورة. ثم فوجئنا أن الثورة رغم الجوانب الإيجابية فيها، لا تحب الديمقراطية ولا تقبل أن يشاركها أحد فيما تفعل. فعشنا في ازدواجية بين المنجزات والروح القمعية، كنا إذا خرجنا في مظاهرة نقمع بشكل أعنف مما كان يحدث في العهد السابق، الكتابة كانت تنعكس فيها هذه الازدواجية».
من هنا تبدو في هذه النصوص؛ وبالأخص في «شرق النخيل» و«قالت ضحى»، انشغال بهاء طاهر بقضايا الهوية الإنسانية والعلاقة مع الآخر، ووحدة المصائر البشرية وهم يجالدون الصعاب، وهو أمر يبدو مفهوما في سياق الثقافة العربية خاصة بالنسبة لكاتب حديث الثقافة عاش في أوروبا لفترة طويلة من الزمن (التغيرات السياسية التي حدثت في الدولة المصرية عقب وفاة عبد الناصر اضطرت بهاء طاهر إلى ترك عمله في الإذاعة المصرية ليعمل بين عامي 1976 و1981 مترجما حرا في منظمة الأمم المتحدة، حتى عين مكتب المنظمة الدولية بجنيف وظل بها حتى وصل إلى سن التقاعد في عام 1995، عاد بعدها إلى مصر ليعيش ويستقر بها)يقول بهاء «خرجت من مصر في نهاية السبعينيات؛ لأن السلطة لم تكن تقبل الاختلاف. فكان علينا إما أن نجلس في بيوتنا بلا عمل وإما أن نخرج، فذهبت إلى جنيف. تأثير المكان والغربة واضح في أعمالي «قالت ضحي»، و«الحب في المنفى». وبعد العودة كتبت عملين هما «ذهبت إلى شلال» و«نقطة نور»، محاولاً استكشاف التغيرات التي حدثت في المجتمع خلال غيابي».
لكن رؤية بهاء طاهر للعلاقة بالآخر تبدو متحررة من الأوهام التي تحصر الفضائل في طرف وتجرد الآخر منها، وتنأى عن مديح الذات أو تحقيرها. كما يبدي طاهر تعاطفا كبيرا مع الضحايا ويقدمهم في صورة فلسفية تجعلهم ليسوا نتاج القهر والتسلط والإمبريالية والفقر المادي والروحي فقط، بل هم أبناء قدر غير مفهوم ومصائر ملتبسة وعطب كامن في قلب الوجود البشري ذاته. ومع هذا لا تكف شخصيات بهاء طاهر عن المحاولة والتحدي والسفر بحثا عن المعنى والحب والهوية، كما يوضح محمد بدوي في قراءته لبعض أعمال بهاء طاهر..

________
.
*عُمان

شاهد أيضاً

الموت يغيِّب حنا مينة

توفي اليوم الأديب والروائي السوري حنا مينه عن عمر ناهز 94 عاما، تاركا عشرات الروايات والقصص القصيرة، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *