عيشة


*زويا بيرزاد ترجمة: سمية آقاجاني

بدأت الكاتبة الإيرانية زويا بيرزاد (1952) نشر قصصها في تسعينيات القرن الماضي، وصدر لها، حتى الآن، ثلاث مجموعات قصصية، هي «مثل كلّ العصور»، و«طعم الخرما اللزج» و«يوم واحد قبل عيد الفصح»، وروايتان هما: «أنا أطفئ المصابيح» و«نتعوّد».

وقدّمت زويا نفسها، منذ مجموعتها الأولى «مثل كلّ العصور»، مدافعة عن حقوق المرأة، لها مهارة عالية في رسم حياة ربّات المنزل. والموضوعة الأساسية لهذه المجموعة- كما يبدو من عنوانها- الحياة الرتيبة التي تعيشها المرأة في المجتمع البطركي، وهي حياة ملؤها الطبخ والكي والشراء ونفض الغبار والاعتناء بالأزهار والأطفال. إنّ الشخصيات النسائية في قصص هذه المجموعة كلّها ربّات بيوت، تشكِّل نوافذ البيوت وسيلة اتّصالها بالعالم الخارجي.
اخترنا ترجمة قصة «عيشة» من مجموعة «مثل كل العصور»، فهي رغم إيجازها تمثِّل- بكثافتها- عالم الكاتبة القصصي. 
____________________
إنه الصباح الباكر. تنظر المرأة إلى باحة البيت من النافذة، وإذا بالشجرة التي أزهرت. تقصي عن جبينها خصلة بيضاء من شعرها. هذه هي المرة الواحدة والأربعون التي تتأمَّل فيها تفتُّح براعم الشجرة. تقف أمام النافذة. قميصها الأبيض السميك الخاص بالنوم طويل الأكمام، عالي الياقة. رغم هذا كله فهي تشعر بالبرد. تهزّ الرياح براعم الشجرة، كأن البراعم لن تشعر بالبرد، تتذكّر المرأة المرَّة الأولى التي رأت فيها البراعم.
أيقظها صوت زوجها: «استيقظي. تعالي انظري! لقد أزهرت الشجرة!» حيث وقفا معاً إلى جانب النافذة يتأمّلانها. كان قميص نومها الأبيض بلا أكمام، رقيقاً، وحواشي ياقته المفتوحة مشبّكة القماش. لم تكنْ تشعر بالبرد، أو ربما الخجل هو الذي كان يبعد البرد عنها. كان قد مرّ أسبوع على زواجهما، وهي لم تزلْ تستحيي من النظر إلى عيني زوجها في الصباح.
نظرا معاً عشر مرات إلى البراعم الأولى. في المرة الحادية عشرة، حين فتحت المرأة النافذة هَبَّت ريح باردة أتت من البعيد فدارت حول الشجرة وزحفت إلى الغرفة. كانت الريح قد أتت ببرعم معها. سقط البرعم الأبيض على صدر المرأة، نظرت إليه المرأة، نظر إليه الرجل، كان الطفل نائماً في حضن المرأة بهدوء، مسح الرجل بإصبعه على وجه الطفل الناعم ذي الشعيرات الصفراء، وهو يقول: «كأنه خوخ». ضحكت المرأة، وحين نظرت إلى الشجرة شعرت بأن براعم الشجرة تضحك أيضاً. 
حين أزهرت الشجرة للمرة الحادية والعشرين استيقظت المرأة فجأة. كأنّ شخصاً ناداها. كأن شخصاً قال لها «استيقظي، تعالي انظري! الشجرة..». كانت المرأة وطفلتها وحيدتين في الغرفة. وقفت الطفلة على أصابع قدميها تنظر عبر النافذة إلى باحة البيت. كانت الرياح تدور حول الشجرة وكأن البراعم تمدّ رأسها إلى الغرفة، كأنها تبحث عن شخص ما. 
كانت الشجرة تزهر للمرة الواحدة والثلاثين باستمرار لا يعرف التعب، فتحت المرأة النافذة، مدّت يدها وقطفت بعض البراعم، فامتلأت تنورتها بها. طارت البراعم واحدة تلو الأخرى، فعبرت الإبرة الرقيقة والخيط الطويل لتقف في طابور وهي تدور دوراتٍ لتستقرّ أخيراً على شكل دائرة. تأمّلت المرأة إكليل الزهرة. وضعت الشابة الإكليل على رأسها وهي تدور نحو المرآة، ضحكت. كان فستانها أبيض طويلاً، وكانت حواشي أكمامه وياقته مطرّزة بقماش مشبّك. نور الشموع أضاء المرآة. قالت المرأة في نفسها «تعالي انظري! برعمنا».
لاتزال المرأة واقفة إلى جانب النافذة وهي وحيدة. كأن الريح تدغدغ البراعم. البراعم لا ترغب في الضحك. البراعم متعبة.
___
*الدوحة

شاهد أيضاً

هل التاريخ لا نهايةٌ من الطّرائد؟

*أدونيس 1 – تعِبَ الأفقُ في عالمنا، من ثِقَل الأجنحة التي تحمل حقائب البريد، الآتية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *